رياض حجاب: بداية تحالف عسكري لدعم السوريين... وإيران ترد بحشود غير مسبوقة

قال لـ«الشرق الأوسط» إن «جبهة النصرة» تلبس «أقنعة باهتة» لتنظيم «القاعدة»

رياض حجاب («الشرق الأوسط»)
رياض حجاب («الشرق الأوسط»)
TT

رياض حجاب: بداية تحالف عسكري لدعم السوريين... وإيران ترد بحشود غير مسبوقة

رياض حجاب («الشرق الأوسط»)
رياض حجاب («الشرق الأوسط»)

قال المنسق العام لـ«الهيئة التفاوضية العليا» السورية المعارضة، رياض حجاب، في حديث إلى «الشرق الأوسط» أمس، إنه يلاحظ لأول مرة «معالم حراك إقليمي فاعل، وتشكل تحالف عسكري واعد يتمتع بقيادة حازمة وطرح ميداني يهدف إلى رفع المعاناة عن الشعب السوري بعدما أخفقت الدبلوماسية الدولية»، لافتا إلى وجود «تدفق غير مسبوق للأسلحة في سوريا، وحشود غير مسبوقة لإيران وميليشياتها، وهناك عمليات انتشار وإعادة تموضع تقوم بها سائر القوى الفاعلة، حيث لا تلوح لنا في الأفق بوادر توافق دولي على أي من المشروعات المطروحة للتهدئة أو وقف القتال».
وقال حجاب في الحديث الذي جرى عبر الهاتف إن «هيئة تحرير الشام» و«فتح الشام» هي «أقنعة باهتة» لـ«جبهة النصرة» التابعة لتنظيم القاعدة الذي «لم يحل في أرض إلا دمرها، وكان وبالاً على أهلها»، داعياً «جميع العناصر الخارجية إلى مغادرة بلادنا، وندعو الشباب المغرر من أبنائنا إلى العودة لصوت العقل ونبذ أوهام التطرف وخزعبلات الفتاوى المارقة». وهنا نص الحديث.

* بعد لقائكم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير الخارجية الألماني زيغمار غابريل، كيف ترون الموقف الأوروبي؟ هل أنتم واثقون أن باريس ستبقى ملتزمة العمل على الانتقال السياسي في سوريا في ظل حكم ماكرون؟
- من المبكر الحكم. أوروبا خرجت للتو من سلسلة انتخابات شكل فيها اليمين تحدياً للمنظومة التقليدية القائمة منذ عقود. كما أنها تصارع من أجل المحافظة على استقرارها السياسي والاقتصادي، وتخفيف الأضرار الناجمة من قرار بريطانيا الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، لكن تنامي مشكلات الهجرة واللجوء، ومخاطر الجماعات الإرهابية المتطرفة، وغيرها من التحديات تفرض عليها السعي للعب دور بارز في الملف السوري.
باريس كانت ولا تزال أحد أوثق أصدقاء الشعب السوري، وقدمت لنا الكثير من الدعم الدبلوماسي، وهي أحد أبرز مكونات التحالف الدولي ضد الإرهاب، وزادت في الآونة الأخيرة من تواجدها العسكري عبر إرسال فرق من القوات الخاصة؛ ما يؤكد التزامها القيام بدور أكثر فاعلية على الأرض. ولا شك أن حرص الرئيس ماكرون على استقبالنا وتأكيد التزامه معالجة الملف السوري، وما صدر عنه من تصريحات تؤكد عزم فرنسا على منع النظام من تكرار استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين، والإصرار على مغادرة بشار الأسد وزمرته؛ وغيرها من مواقف شجاعة تمثل في مجملها مؤشرات قوية على استمرار فرنسا في خطها الداعم للمطالب العادلة للشعب السوري.
كذلك الحال بالنسبة إلى الحكومة الألمانية التي تصدرت في الكثير من ملفات الأزمة السورية، وبخاصة فيما يتعلق باستقبال اللاجئين وفي دعم المسارات التفاوضية، بدا من الواضح في اجتماعاتنا الأخيرة مع مختلف المسؤولين في برلين أن الحكومة الألمانية عازمة على ممارسة دور فاعل، ونشعر بالكثير من الامتنان للدعم الألماني لمواقفنا في الأمم المتحدة وفي غيرها من المحافل الدولية.
* هل يمكن أن تفعل الدول الأوروبية شيئاً من دون أميركا؟
- من غير الممكن لأي دولة أن تتحرك منفردة في المشهد السوري. ساحة الصراع باتت أكثر تشابكاً وتعقيداً، وهناك تحالفات وتقاطعات يصعب تجاوزها على الصعد السياسية والعسكرية. والحكومات في ألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول الأوروبية تعكف على صياغة سياستها الخارجية، وعلى إعادة تقييم تهديداتها الأمنية التي تمثل تفاعلات الأزمة السورية أحد محركاتها. كما أنها منخرطة في دبلوماسية حثيثة لتنسيق المواقف بينها كدول أوروبية، وكذلك في مد خطوط التواصل مع الإدارة الأميركية الجديدة التي لا تزال خطتها العسكرية في سوريا غير واضحة المعالم.
* كيف انعكست زيارة الرئيس دونالد ترمب إلى الرياض والقمم هناك على دعم المعارضة السورية؟
- بصورة كبيرة. لأول مرة منذ التدخل الميداني السافر لحلفاء النظام يلمح السوريون معالم حراك إقليمي فاعل، وتشكل تحالف عسكري واعد يتمتع بقيادة حازمة وطرح ميداني يهدف إلى رفع المعاناة عنهم بعدما أخفقت الدبلوماسية الدولية في تحقيق ذلك خلال السنوات الماضية.
الرياض تمثل بيضة القبان في الميزان العسكري والأمني في الشرق الأوسط، حيث دأبت على معالجة الأزمات وإطفاء الحرائق التي تشعلها إيران في المنطقة، ولا شك أن إعلان تشكيل التحالف الإسلامي في الرياض يمثل الخطوة الأولى لإنقاذ المنطقة من تهديد الميليشيات الطائفية والجماعات المتطرفة العابرة للحدود، وتوفير صمام أمان لبعض الجمهوريات التي تعاني من انهيار مؤسساتها العسكرية جراء الأحداث التي شهدتها في السنوات الماضية. لا شك في أن التحالف الجديد سيكون له دور كبير في استعادة التوازن وجعل المناطق الآمنة حقيقة على الأرض. ولا بد من التأكيد في هذا المجال على أن زيارة ترمب لم تكن سوى تدشين لعمل شاق قام به فريق واعد يتمتع برؤى استراتيجية بعيدة الأفق.
إضافة إلى الدعم المعنوي المتمثل في استعادة الأمل بإمكانية اتخاذ الأصدقاء إجراءات ميدانية لوقف معاناة السوريين؛ يمكن ملاحظة تحرك عجلة التغيير في المنطقة، حيث اندفعت إيران وحلفاؤها إلى إعادة التموضع بعدما تراجعت ميليشياتها أمام تقدم المعارضة في نقاط استراتيجية عدة.
* ما موقفكم من الأنباء عن دخول «الحشد العراقي» إلى سوريا؟
- نتابع أنباء دخول «الحشد العراقي» إلى سوريا، والذي يأتي ضمن استراتيجية إعادة تموضع شاملة تنفذها إيران في الجنوب السوري وعلى الحدود السورية - العراقية، ولا شك في أن ذلك يأتي ضمن استراتيجية إيرانية تهدف إلى إفساد التوافقات الدولية لإنشاء مناطق آمنة في البلاد. نعتبر الحشد العراقي قوة احتلال مثلها مثل جميع الميليشيات الطائفية وجماعات المرتزقة الذين جلبتهم إيران من مختلف البلدان لمشاركة النظام في جرائمه ضد الشعب السوري الأعزل، ودعونا، ولا نزال ندعو، إلى خروج سائر القوات الأجنبية وإحلالها بقوات حفظ سلام أممية تشرف على وقف القتال وتضمن امتثال سائر الأطراف بذلك.
وننبه في اتصالاتنا مع سائر الأصدقاء والأشقاء إلى المخاطر الإقليمية والدولية لعملية الانتشار الأخيرة التي تنفذها الجماعات التابعة لإيران، وما يمكن أن تجلبه من فوضى على المنطقة بأسرها.
* قيل أن هناك تحركاً أميركياً لإضعاف نفوذ إيران، هل جرى أي تنسيق معكم؟
- نحن على اطلاع بتوجهات واشنطن إضعاف النفوذ الإيراني، وناقشنا ذلك مع المسؤولين عن الملف السوري في وزارة الدفاع (البنتاغون)، لكن تفاصيل الخطة الأميركية لا تزال غير واضحة، كما أن الاستعدادات الأميركية لمواجهة انسياب الميليشيات العراقية واللبنانية وغيرها من المجموعات الطائفية لا تزال محل تساؤل؛ وذلك نظراً لتباطؤ رد الفعل، وعدم اتخاذ إجراءات كافية لوقف ذلك الانتشار، والاقتصار في الوقت الحالي على التصريحات الإعلامية والضربات الموضعية التي يبقى أثرها محدوداً على الأرض.
الحقيقة هي أن التحديات الميدانية تتزايد بصورة كبيرة في ظل دخول الروس طرفاً في عمليات إعادة التموضع والانتشار، ويتطلب الأمر موقفاً دولياً حاسما، وهذا ما نناقشه مع الحلفاء والأصدقاء.
* لديكم موقف رافض لـ«قوات سوريا الديمقراطية» التي تدعمها أميركا ضد «داعش»، لكن تراهنون بالوقت نفسه على أميركا؟
- لا نراهن على أميركا، بل نراهن على تشكيل تحالف دولي فاعل يضع حداً لأكبر كارثة إنسانية تشهدها البشرية في القرن الحادي والعشرين، ويأخذ على يد الظالم، ويدعم المطالب العادلة لشعبنا. نحن في صراع مركب تتداخل فيه الأطراف، وتتباين المواقف، وتختلف الوجهات، وعلينا إدارة ذلك الصراع فيما يحقق القدر الأكبر من المكاسب لشعبنا ويدرأ عنه القدر الأكبر من الخسائر، ولا بد من الاعتراف بأن الظاهرة الأكثر بروزاً في الوقت الحالي تتمثل في التباين بين مختلف المؤسسات الأميركية الفاعلة على الأرض؛ الأمر الذي يتيح لنا استثمار خطوط الصدع وتباين التوجهات داخل مؤسسات اتخاذ القرار لتحقيق مصالح السوريين.
المواقف الأميركية تباينت في الآونة الأخيرة فيما يتعلق بمسارات الدعم السياسي والعسكري وبقاء الأسد أو مغادرته، وفي نمط التفاهمات والتحالفات. الإدارة الجديدة تمر بمرحلة تحول في تحديد الموقف من الأزمة السورية، كما أنها تخوض صراعات داخلية في واشنطن، وينعكس ذلك بصورة واضحة على تعاملها مع الملف السوري.
موقفنا ثابت في الإصرار على رحيل الأسد وزمرته ممن تلطخت أيديهم بدماء السوريين وعلى صيانة وحدة الأراضي السورية ورفض مشروعات التقسيم الطائفي أو الإثني، ونسعى إلى إنشاء حراك محلي ودولي داعم لهذا التوجه، ولا يمكن أن نقبل بأي صفقة تجتزئ بلادنا أو تنتهك وحدتها تحت أي ظرف.
* «جبهة النصرة»... وجنيف
* ما موقفكم من «جبهة النصرة» باسميها الجديدين «هيئة تحرير الشام» و«فتح الشام»؟
- هي كلها أقنعة باهتة لتنظيم «القاعدة» الذي لم يحل في أرض إلا دمرها، وكان وبالاً على أهلها. ندعو جميع العناصر الخارجية إلى مغادرة بلادنا، وندعو الشباب المغرر من أبنائنا إلى العودة لصوت العقل، ونبذ أوهام التطرف وخزعبلات الفتاوى المارقة، وندعو المجتمع الدولي إلى وضع حد للقتل والظلم والتعصب والكراهية والطائفية والتمييز وغيرها من العوامل التي تشكل بيئة للتطرف ومحضناً لجماعات الإرهاب الدولي.
* هل تعتقد أن عملية جنيف في الوقت الراهن مهمة، أم أن التركيز كله على العمليات العسكرية على الأرض؟
- لا شك في أن عملية جنيف مهمة. هي تمثل مقياس تطور الأحداث على الأرض وهي المسار السياسي الوحيد الذي يتمتع بالشرعية الدولية، ويقوم على أساس مجموعة من القرارات الأممية التي توافق عليها المجتمع الدولي. نحن ملتزمون إنجاح الوساطة الأممية والتعاون المطلق مع جميع الجهود المخلصة لوقف الانتهاكات التي يرتكبها النظام وحلفاؤه ضد السوريين.
المشكلة الأساسية تكمن في سعي النظام وحلفائه لإفشال الوساطة الأممية بشتى السبل. من ذلك، التصعيد على الأرض كلما انعقدت جلسة مفاوضات جديدة، وتوظيف الجلسات في جنيف كفرصة للترويج الإعلامي للنظام وكسر عزلته، والإمعان في التلكؤ وإضاعة الوقت في محاولة يائسة لتحقيق حسم عسكري بعيد المنال.
وعندما ضاقت الأمور على النظام وحلفائه في عرقلة مسار جنيف؛ بادروا إلى إنشاء وعاء دبلوماسي رديف يهدف إلى معالجة الأمور الميدانية لإفراغ الوساطة الأممية من محتواها من جهة، وفرض الأمر الواقع عبر محاولة التوصل إلى تفاهمات إقليمية تعترف بالوجود العسكري لإيران وجماعاتها المتطرفة العابرة للحدود من جهة أخرى، علماً بأن النظام هو المستفيد الأكبر من إنشاء مرجعية بديلة عن جنيف لأنه يرغب في تجنب التغيير الحتمي وتفادي تطبيق القرارات الأممية التي تقوم جنيف على أسإسها كمرجعية، والتي لا تخدم النظام ولا تحقق أجندته الدموية.
* أين دور «الهيئة التفاوضية» في مسار «آستانة» الذي ترعاه روسيا وتركيا وإيران؟ هل بالفعل بات الدور للفصائل المسلحة؟
- نحن في خضم المعترك الدبلوماسي، ولن نخلي ساحة الصراع السياسي للخصم وسنلاحقه أينما ذهب، ولن نتوقف حتى تتحقق المطالب العادلة لشعبنا. رغم ما يشوب «آستانة» بصفتها وعاءً دبلوماسيا رديفا للوساطة الأممية؛ قررنا خوض غمار المعترك السياسي، وذلك من خلال توجيه الفريق المفاوض للذهاب وتشجيعه على المشاركة الفاعلة، وتقديم النصح والمشورة والإرشاد لأعضائه، ونجحنا في تحديد سقف «ميداني» في آستانة بحيث لا تتجاوز دورها أو تحاول الأطراف «الراعية» من خلالها التوصل إلى تسوية سياسية خارج دائرة المظلة الأممية.
ولا يخفى عليكم أن الكثير من الفصائل المشاركة في اجتماعات آستانة تمثل أبرز مكونات «الهيئة العليا».
* هل أنت قلق من أن سوريا ستقسم انطلاقا من مناطق «خفض التصعيد» الأربع؟
- يصعب تقديم إجابة مبسطة على هذا التساؤل، الجميع يتحدث عن: «إنجاح جهود الهدنة»، وإنشاء «مناطق آمنة»، وفرض «مناطق خفض تصعيد»، لكن الواقع على الأرض يختلف تماماً عما يصدر من تصريحات، هناك تكديس غير مسبوق للأسلحة التي أصبحت تتدفق في الآونة الأخيرة على مختلف أطراف الصراع، وهنالك حشود غير مسبوقة لإيران وميليشياتها، وهناك عمليات انتشار وإعادة تموضع تقوم بها سائر القوى الفاعلة، ولا تلوح لنا في الأفق بوادر توافق دولي على أي من المشروعات المطروحة للتهدئة أو وقف القتال. نأمل في أن يهيمن صوت العقل، وأن يكون للتحالف الإسلامي دور في إعادة التوازن ووقف القتال وإنشاء نظام مراقبة فاعل لضبط الامتثال، وأن يتم ذلك بعيداً عن محاولات بعض القوى الطامعة التوصل إلى اتفاقيات جانبية لاقتسام سوريا بينها إلى مناطق نفوذ.
* ظهر في الفترة الأخيرة انقسام إضافي في جسم المعارضة السياسية والعسكرية، كيف تقوم واقع المعارضة؟
- فكرة المعارضة في جميع الممارسات السياسية تقوم على تعزيز التنوع والتعدد واختلاف الرؤى، ولا يمكن إنشاء «جسد معارض» بالمعنى الحرفي لهذا المصطلح؛ لأن الفكرة من وجود جماعات متعددة للمعارضة هو توفير خيارات وبدائل وليس إنشاء كيان موحد.
التحدي الأكبر يكمن في أمرين أساسيين: أولهما، تحديد حد أدنى لمبادئ تتفق عليها جميع أطراف المعارضة، وهذا ما حققه مؤتمر الرياض من خلال وثيقة التأسيس التي تم إقرارها بالإجماع. الآخر، التوصل إلى حالة من التعاون والتنسيق لتحقيق الأهداف المشتركة، وهنا يقع مكمن الخلل؛ إذ إن الجهد الأكبر انصب منذ اللحظة الأولى لتأسيس «الهيئة العليا للمفاوضات» التوصل إلى نمط من التنسيق والعمل المشترك ومنع تحول التنوع والاختلاف إلى خلاف يعرقل تحقيق أهداف الثورة.
ولا بد من الاعتراف بأن تباين التوجهات واختلاف جهات الدعم، ومحاولات بعض المكونات فرض وجهات نظرها أو ممارسة دور الوصاية عبر الاستئثار بالنصيب الأكبر من التمثيل، وما إلى ذلك من المظاهر السلبية في أداء المعارضة فوتت علينا الكثير من الفرص، وبخاصة أن بعض الجهات الخارجية تراهن على كسر شوكة المعارضة والتشكيك في تمثيلها للمطالب العادلة للشعب السوري، وتسعى إلى إدخال عناصر لا يمكن اعتبارها جزءاً من المعارضة من حيث الممارسة أو المفهوم.
«الهيئة العليا» أخذت على عاتقها منذ اللحظة الأولى لتأسيسها تقريب وجهات النظر واستيعاب جميع الأطراف وتمثيل مختلف المكونات، ورأب التصدعات التي تظهر بين الفينة والأخرى، ونالنا الكثير من حملات التشويه والتخوين من قبل بعض الجهات التي دخلت المعترك السياسي حديثاً، ولا تزال قاصرة دون استيعاب مقتضيات العمل الدبلوماسي والممارسة الاحترافية.
بروز هذه الظواهر هو أمر طبيعي في المراحل الأولى لتشكل الكيانات السياسية الوليدة، ولا تثنينا هذه التحديات على الاستمرار في جهودنا الحثيثة لرأب الصدع، وعلى تذكير الجميع بضرورة التحلي بروح المسؤولية وبمقتضيات العمل المشترك فيما يحقق الصالح العام.
* ألا تظن بضرورة إقدام المعارضة على مراجعة خطابها وتحالفاتها في ضوء التغييرات في سوريا والإقليم والعالم؟
- لا شك في أن المعارضة خسرت على الصعد السياسية والميدانية والشعبية بسبب استشراء الخلاف بينها، وفقدانها موازنة الأولويات، وضعف استيعابها متطلبات المرحلة.
نعم. نحن في حاجة ملحة إلى مراجعة خطابنا السياسي، وإلى تصحيح مسار حراكنا الدبلوماسي، وإلى صياغة تحالفاتنا وأدوات ممارستنا.
كما يتعين علينا إعادة رسم خريطة علاقاتنا الداخلية والخارجية على ضوء التحولات العميقة التي تشهدها الساحة الإقليمية والدولية، وأن تنطلق جهودنا من ضرورة تحقيق التمثيل الشعبي داخلياً وحيازة الشرعية والاعتراف الدولي خارجياً. لكن قبل ذلك علينا أن نعمل على حل الخلافات داخل أجساد بعض مكونات المعارضة، التي تمنعها من إقامة علاقات صحية فيما بينها وبين المكونات الأخرى، وعلينا معالجة الكثير من الظواهر السلبية كظاهرة الاقتتال بين الفصائل على سبيل المثال، وأن نتوافق فيما بيننا على إيجاد آليات ناضجة للتعاون والتنسيق فيما يحقق مصالح الشعب، وليس مصالح بعض الفئات التي فقدت البوصلة وانخرطت في معارك هيمنة واستحواذ ضد شركائها بدلاً من أعدائها.



«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.


«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.