مصادر ليبية: طرابلس تخطط لبناء ساتر ترابي على الحدود مع مصر

اتفاق بإخلاء معسكر كتيبة مسلحة بعد مصرع وإصابة العشرات في مظاهرات ببنغازي.. والحكومة تعلن الحداد العام ثلاثة أيام

مصادر ليبية: طرابلس تخطط لبناء ساتر ترابي على الحدود مع مصر
TT

مصادر ليبية: طرابلس تخطط لبناء ساتر ترابي على الحدود مع مصر

مصادر ليبية: طرابلس تخطط لبناء ساتر ترابي على الحدود مع مصر

قتل أربعة ليبيين وجرح عشرون آخرون فجر أمس، خلال مظاهرة تطالب بدعم الجيش والشرطة وحل الميليشيات المسلحة في محيط معسكر «كتيبة شهداء 17 فبراير» في مدينة بنغازي بشرق ليبيا، فيما أعلنت الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني الحداد ثلاثة أيام على أرواح أربعة من رجال الشرطة القضائية التابعة لوزارة العدل قتلوا خلال مواجهات دامية مع من وصفتهم بعصابات إجرامية أثناء تأديتهم لعملهم.
ونص قرار الحكومة على تنكيس الأعلام فوق جميع الدوائر الحكومية ومباني الدولة وإلغاء جميع المظاهر الاحتفالية الرسمية أيام الحداد. وأعلن جهاز الشرطة القضائية تعليق العمل اعتبارا من اليوم (الأحد) حتى تتم الاستجابة لطلبات أعضاء الجهاز الذين حثوا السلطات الليبية على إجراء تحقيق جدي في الحادث الذي استهدف خمسة أفراد من زملائهم في العاصمة الليبية طرابلس، يوم الخميس الماضي، وتقديم الجناة للعدالة.
في غضون ذلك، توقفت الاشتباكات في محيط «كتيبة شهداء 17 فبراير»، حيث ساد الهدوء الحذر أرجاء مدينة بنغازي، في ظل الاحتقان الشديد الذي تشهده المدينة. بينما أعلن وزير العدل الليبي صلاح المرغني عن اتفاق يقضى بإخلاء معسكر الكتيبة من المجموعات المسلحة الموجودة فيه في مدة أقصاها 72 ساعة. وأكد المرغني، في مؤتمر صحافي عقده بطرابلس بعد ساعات من مواجهات دامية شهدتها المدينة في ساعة مبكرة من صباح أمس، أن كل الأطراف بالمدينة اتفقت على إخلاء معسكر «17 فبراير» وتسليمه إلى الغرفة الأمنية المشتركة ببنغازي في مدة أقصاها ثلاثة أيام على أن يتم تسليمه بعد ذلك إلى الجهات المدنية للاستفادة منه.
وتلا المرغني نص القرار الذي قال إنه «جاء حقنا لدماء الليبيين وتنفيذا لمطالب أهل بنغازي الذين قالوا لا، وتفعيلا لدور الجيش والشرطة». ولفت إلى أن حكومته أجرت اتصالاتها مع قادة غرفة ثوار ليبيا وبعض قادة «17 فبراير» من أجل إخلاء المعسكر بشكل سلسل وسليم، مؤكدا أن حق التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي الذي يكفله الدستور لا يستطيع احد أن يمنعه بقوة السلاح بأي شكل من الأشكال.
وأعلن مصدر مسؤول بمركز بنغازي الطبي عن وفاة ثلاثة مواطنين بعد فترة وجيزة من وصولهم للمركز، كانوا قد أصيبوا في اشتباكات مسلحة في محيط معسكر الكتيبة. كما استقبل مستشفى الجلاء للجراحة والحوادث أربعة جرحى أصيبوا في عملية إطلاق رصاص بأسلحة خفيفة ومتوسطة إثر المظاهرة التي شهدتها بنغازي للمطالبة بحل وتفكيك كتائب مسلحة تحتل مقار ومعسكرات بالمدينة. وقال مصدر أمني إن «مواطنين غاضبين يحمل بعضهم السلاح توجهوا مساء أول من أمس للتظاهر في محيط كتيبة شهداء 17 فبراير المحسوبة على الإسلاميين، للمطالبة بتفعيل الجيش والشرطة وتفعيل قرار المؤتمر الوطني العام (البرلمان) بحل الميليشيات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة». وأضاف المصدر أن «هذه المظاهرة توجهت إلى المدخل الغربي لمدينة بنغازي، حيث مقر المعسكر، بعد أن أقدم مسلحون مجهولون على إطلاق الرصاص في الهواء لتفريق مظاهرة سلمية أقيمت أمام فندق (تيبستي) وسط المدينة للسبب نفسه».
وقالت مصادر أمنية متطابقة إن «مجهولا ألقى عبوة ناسفة على بوابة القوارشة الواقعة في المدخل الغربي لمدينة بنغازي والتي تتمركز فيها جماعة أنصار الشريعة»، فيما «أطلق مسلحون مجهولون قذائف (آر بي جي) على مقر البحث الجنائي بجانب مديرية أمن بنغازي خلفت أضرارا مادية في المبنى».
وكان إسماعيل الصلابي، القيادي في كتيبة شهداء 17 فبراير، قد أعلن أن منزله في منطقة الحدائق في بنغازي تعرض لمحاولة تفجير بحقيبة مليئة بكمية ضخمة من المتفجرات، ونشر صورا لذلك. وقال الصلابي عبر موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «ليعلم أهلنا وأصدقاؤنا وليسمعها خصومنا.. يشهد الله أننا ما قتلنا ولا غدرنا.. ولم نخن أحدا». وأضاف «هذه نتائج الضجيج والهجمة الإعلامية الشرسة من قبل المغرضين، فحاولوا تفجير البيت لكن الله سلم، وهو خير حافظ ولا حول ولا قوة إلا بالله، وعندي ثقة بالله فهو النصير والمعين وحسبنا الله ونعم الوكيل».
وكانت «كتيبة شهداء 17 فبراير»، وهي أولى الكتائب التي تم تشكيلها في الحرب التي أسقطت نظام حكم العقيد الراحل معمر القذافي وتكونت في مجملها من الشباب الإسلامي، قالت إن عناصر تحرياتها رصدت عناصر من النظام السابق يحرضون ضد الكتيبة. وحذرت غرفة عمليات ثوار ليبيا في بيان لها قبل يومين من أن أي «اعتداء على كتائبها خاصة كتيبة شهداء 17 فبراير يعد هجوما على الثورة»، داعية جميع عناصرها إلى الالتحاق بمعسكراتهم.
ومنذ الثورة الليبية التي أطاحت بنظام القذافي في فبراير (شباط) 2011، يشهد شرق ليبيا لا سيما بنغازي العديد من الاعتداءات والاغتيالات التي تستهدف خصوصا عسكريين وشرطيين وقضاة ونشطاء سياسيين وإعلاميين. وخلال شهر مارس (آذار) الماضي، تحدثت الحكومة الانتقالية لأول مرة عن «مجموعات إرهابية» تنشط خصوصا في بنغازي ودرنة معلنة «الحرب على الإرهاب»، لكن لم يتخذ أي إجراء ملموس منذ ذلك الوقت، وما زالت المواجهات مستمرة في بنغازي بين الجيش والمقاتلين الإسلاميين.
وقتل ما لا يقل عن تسعة جنود وشرطيين وأصيب 24 آخرون مطلع الشهر الحالي في اشتباكات بين القوات الخاصة في الجيش ومقاتلين إسلاميين من جماعة أنصار الشريعة بمساندة عدد من عناصر كتيبة شهداء 17 فبراير. ومنذ إعلان تحرير ليبيا من قبضة النظام السابق، تبذل السلطات الليبية جهودا حثيثة لبسط الأمن في مختلف المناطق وكف يد الميليشيات المسلحة التي سيطرت على مجريات الأمور بعد انتهاء الثورة.
إلى ذلك، كشفت رئاسة الأركان العامة للجيش الليبي عن خطط لإقامة ساتر ترابي وخندق على الحدود مع مصر، حيث أعلنت عن قيام لجنة عسكرية مؤخرا بتفقد ودراسة حقول الألغام المفتوحة من حيث الموقع والمساحات وأنواع الألغام المزروعة بها في المناطق القريبة من الحدود المصرية الليبية المشتركة. وقالت مصادر ليبية إن اللجنة قامت بمتابعة المقترح المتعلق بمسار الخندق والساتر الترابي المزمع إقامته من أمساعد وحتى منطقة الجغبوب جنوبا على الطبيعة، ودراسته من حيث الطول والعرض والعمق والحسابات والدواعي الأمنية والعسكرية، وذلك لتزايد موجات الهجرة غير الشرعية عبر الحدود وعمليات التهريب بكل أنواعها، وما يشكله ذلك على أمن واستقرار البلاد من كل الجوانب الأمنية والاقتصادية والصحية من مخاطر. ولفتت إلى أن هذا الإجراء يأتي بناء على طلب من الأهالي في تلك المناطق بوضع حل لهذه المعضلة الخطيرة، مشيرة إلى أن حقول الألغام المفتوحة أصبحت تشكل خطرا على حياة الأهالي وحيواناتهم في تلك المناطق.
يذكر أن الحدود الغربية لمصر مع ليبيا شهدت انفلاتا أمنيا عقب اندلاع ثورة 25 يناير (كانون الثاني) عام 2011، مما أدى إلى تدفق كميات كبيرة من السلاح إلى داخل البلاد.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.