كريستوبال بالنسياغا ومائة عام من الإبداع والتأثير

نحات الموضة يعود من خلال ثلاثة معارض عالمية تسلط الضوء على عبقريته

كريستوبال بالنسياغا في معمله عام 1968 - كان يعشق الأحجام الغريبة - من الفساتين المعروضة في متحف «فيكتوريا آند ألبرت» بلندن - من تصاميم مصمم الدار الحالي ديمنا فازاليا لربيع وصيف 2017
كريستوبال بالنسياغا في معمله عام 1968 - كان يعشق الأحجام الغريبة - من الفساتين المعروضة في متحف «فيكتوريا آند ألبرت» بلندن - من تصاميم مصمم الدار الحالي ديمنا فازاليا لربيع وصيف 2017
TT

كريستوبال بالنسياغا ومائة عام من الإبداع والتأثير

كريستوبال بالنسياغا في معمله عام 1968 - كان يعشق الأحجام الغريبة - من الفساتين المعروضة في متحف «فيكتوريا آند ألبرت» بلندن - من تصاميم مصمم الدار الحالي ديمنا فازاليا لربيع وصيف 2017
كريستوبال بالنسياغا في معمله عام 1968 - كان يعشق الأحجام الغريبة - من الفساتين المعروضة في متحف «فيكتوريا آند ألبرت» بلندن - من تصاميم مصمم الدار الحالي ديمنا فازاليا لربيع وصيف 2017

لم يُخلف وراءه أسلوبا معينا كما هو الحال بالنسبة لكوكو شانيل أو كريستيان ديور، لكنه كان مدرسة ثارت على المتعارف عليه وأثرت بشكل أو بآخر على كثير من معاصريه. كريستوبال بالنسياغا الذي يحتفل به عالم الموضة من خلال ثلاثة معارض في الوقت الحالي، يجسد مفهوم السهل الممتنع رغم الأحجام الهندسية المستقبلية والقصات المنحوتة التي كان يعشقها بغض النظر إن كانت عملية أم لا. ومع ذلك كانت بنية أسلوبه في جوهرها بسيطة حتى في تعقيدات هندسيتها وراقية في فنيتها ما دعا المصمم كريستيان ديور للقول عنه «إنه أستاذ الكل... فالهوت كوتير مثل أوركسترا يقودها بالنسياغا بينما باقي المصممين مجرد موسيقيين يعزفون على نغماته».
حتى كوكو شانيل التي كانت بخيلة في إطراءاتها على مصممي جيلها قالت: إنه الخياط الوحيد الذي يتمتع بكل مواصفات المصمم الماهر، وإن كل الآخرين مجرد مصممي موضة. وبالفعل كان يتفوق على ديور وشانيل من ناحية أنه كان شاملا يعرف أدق التفاصيل، من تصور التصميم ورسمه على الورق إلى قصه وتفصيله ثم حياكته بنفسه، وهو ما لم يكن بمقدور الكل. وحتى الآن يقتدي به الكثير من الشباب من دون أن يشعر أي منهم بأنه ينتهك حرمة الإبداع، لأن هناك إجماعا أن رؤيته سابقة لأوانها. فعندما ألغى الخصر من فستان طرحه في الخمسينات، مثلا، وكان ذلك في عز موضة «ذي نيو لوك» التي كان كريستيان ديور بطلها وكانت تحتفل بشد الخصر لإبراز ضموره، استنكر البعض فعلته على أساس أنها تتعارض مع الأنوثة، لكن بعد عقد واحد تحول هذا التصميم إلى موضة سادت لحقبة كاملة ولا تزال لحد الآن. في الستينات من القرن الماضي، وقبل أن يُغلق داره، ارتقى بأسلوبه إلى مصاف التحف الفنية، وإلى حد الآن يشهد الكل بأن قصاته أسطورية يسهل الإدمان عليها لأنها تحترم المقاييس العادية وتحول العيوب إلى مزايا. ما يُحسب له أنه طوال حياته تعامل مع التصميم كفن وليس كتجارة، لهذا عندما شعر بأنه لا يستطيع مجاراة غزو الأزياء الجاهزة أقفل داره في عام 1968 إلى أن قررت مجموعة «كيرينغ» شراءها وإنعاشها. الآن، في كل موسم تعيد للأذهان قصة مصمم تمسك برؤيته واحترم فنه إلى آخر رمق. صحيح أن عدة مصممين تعاقبوا عليها ويحاولون إثبات أنفسهم، إلا أنهم لا يستطيعون الابتعاد عن الجينات الوراثية لكريستوبال بالنسياغا نظرا لقوتها.
منذ بضعة أشهر قامت الدنيا ولم تقعد عندما طرح مصمم الدار الحالي، ديمنا فازاليا، حقيبة باللون الأزرق تشبه حقيبة تسوق من متاجر «إيكيا». سبب الضجة والاستنكار لا يعود فقط إلى اتهامه باستسهال عملية الإبداع، بل لأن سعر الأولى كان 2000 دولار أميركي بينما سعر الثانية لا يتعدى الدولار وهو ما اعتبره البعض أيضا استهتارا بعقل المستهلك. لحسن حظ المصمم أن طرحه لهذه الحقيبة تزامن مع افتتاح معرض في متحف «فيكتوريا آند ألبرت» بلندن بعنوان «بالنسياغا: تشكيل الموضة» سيمتد إلى 18 إلى شهر فبراير (شباط) المقبل، يتناول مسيرة المؤسس كريستوبال ويسلط الضوء إلى أنه كان يميل بدوره إلى إحداث الصدمة وخض المتعارف عليه باستعمال خامات غريبة تارة وأحجام هندسية مبتكرة تارة أخرى. المعرض اللندني يركز على صورة كريستوبال كمصمم سابق لعصره وتحديا له في الوقت ذاته. متحف «باليه بورديل» بباريس الذي يحتضن بدوره معرضا بعنوان «بالنسياغا: العمل الفني بالأسود» سيمتد إلى 16 من شهر يوليو (تموز) المقبل يتناول عشقه للون الأسود وكيف صاغ منه فساتين مغزولة بالأحلام. أما متحف بالنسياغا الواقع ببلدية غيتاريا الإسبانية، والذي سيمتد إلى يناير (كانون الثاني) 2018، فتُعرض فيه مجموعة أزياء للوريثة رايتشل لامبارت ميلون التي توفيت في عام 2014 وخلفت إرثا غنيا من تصاميمه التي كانت تُجمعها من باب عُشقها لأسلوبه.
كل هذا يشير إلى أن 2017 هو عام المصمم الإسباني بلا منازع فبعد مائة عام على انطلاقته لا يزال يُعتبر في نظر الكل نحاتا ومهندسا بقدر ما هو مصمم غير عادي.
أمينة المعرض اللندني، كايسي ديفيس سترودر تصفه بأنه «كان حداثيا وتقليديا في الوقت ذاته. تقليدي لأنه كان من المستحيل أن يتقبل النقلة من الهوت كوتير إلى الأزياء الجاهزة، وحداثي لما كان يتمتع به من نظرة سابقة لأوانها فيما يخص تعامله مع الأحجام والأشكال وبحثه الدائم عن مواد جديدة». فرغم أنه كان رساما ماهرا باستطاعته رسم أي تصميم يخطر على باله، فإنه كان يصرح دائما أن البطل بالنسبة له هو القماش ونوعيته من القماش، لأنه «هو الذي يحدد نوع التصميم» حسب تصريح نادر له.
ما يزيد من أهميته في عصرنا أنه يُذكرنا بزمن لم يكن المصمم يجري فيه وراء الربح المادي بأي ثمن بقدر ما كان يريد أن يُثبت أنه فنان. في حالة بالنسياغا لم يكن يسعده أن تقتني زبوناته كل قطعة يعرضها، وكان يفضل في المقابل أن يكون لهن ذوقهن الخاص وأن تتذوقن كل قطعة وكأنها تحفة فنية يجب أن يتم انتقاؤها بدقة.
المعرض اللندني يتتبع مسيرته في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ويسلط الضوء على أسلوبه المبتكر فيما يخص الأحجام الهندسية والخامات الثورية التي كان يستعملها إضافة إلى قدرة لا تضاهى في التفصيل ورثها عن والدته التي كانت خياطة إلى جانب تدربه على يد خياط وعمره لا يتعدى الـ12 عاما. يسلط الضوء أيضا على أعمال مجموعة من المصممين الذين تأثروا به مثل مولي غودارد والراحل أوسكار دي لارونتا وهيبار جيفنشي وأندريه كوريج وإيمانويل أونغارو، من الذين تدربوا على يده أو عملوا معه قبل أن يستقلوا ويؤسسوا بيوتهم الخاصة، من خلال قسم مخصص لهم. قسم آخر يؤكد أن تأثيره لا يزال قويا حتى بعد وفاته بعقود، من خلال تصاميم لمُبدعين معاصرين من أمثال عز الدين علايا، روكساندا إلنشيك، إلى جانب نيكولا غيسكيير الذي عمل في الدار لنحو 14 عاما قبل انتقاله إلى «لويس فويتون» وخلفه ديمنا فازاليا حيث ترجما روح المؤسس بلغة العصر من دون أن ننسى محاكاة الراحل أوسكار دي لارونتا لأسلوبه في الكثير من التصاميم.

من هو كريستوبال؟

ولد كريستوبال في عام 1895 بسان سيباستيان وعندما اندلعت الحرب الأهلية الإسبانية انتقل إلى باريس. في عاصمة النور والأناقة صنع اسمه كواحد من أهم مصممي القرن العشرين وقدم أول عرض له فيها في عام 1937، ونجح سريعا في التميز عن غيره بهوسه ببناء كل قطعة كما لو كانت قطعة هندسية. كان انطوائيا لا يحب الأضواء، بحيث لم يجر طوال حياته سوى مقابلة صحافية يتيمة في عام 1971 وكانت من نصيب جريدة «ذي تايمز».
ومع ذلك لا يزال يُلهب خيال المصممين الشباب تماما كما ألهب خيال من عاصروه أو تعاملوا معه. عندما تناهى خبر إغلاقه داره في عام 1968 إلى الكونتيسة بيسمارك من أهم زبوناته، يقال إنها لم تخرج من غرفة نومها لمدة ثلاثة أياما من الحزن. وعندما توفي في عام 1972 كتبت مجلة «ويمنز وير دايلي» بالبنط العريض على غلافها «مات الملك». العنوان كان معبرا وكافيا لم تحتج فيه المجلة أن تذكر اسمه لأن كل أوساط الموضة كانت تعرف من هو المقصود باللقب.
ما تذكره أيضا السير الذاتية التي كُتبت عنه أن عروضه كانت بالنسبة لعاشقات الموضة تجربة لا تتكرر سوى مرة في العمر. كانت كما وصفها البعض تشبه لقاء مع بابا الفاتيكان لرهبتها وقوة تأثيرها الذي تقشعر له الأبدان إعجابا. دايان فريلاند، رئيسة تحرير مجلة «فوغ» الأميركية وصفت أحد هذه العروض قائلة: «كاد يُغمى على البعض وكان من الممكن أن تتوقف دقات قلب بعضهن الآخر، وأذكر أن النجمة أودري هيبورن التي كانت تجلس بجواري سالتني لماذا لم يكن فمي مفتوحا مثل غيري وأنا أتابع العرض، فأجبتها أني كنت أحاول أن أخفي مشاعري وتمالك أعصابي بكل ما أوتيت من قوة. فقد كان من الضروري أن ألعب دور إعلامية محترفة لا تتأثر أو تتحيز».
وتذكر أخريات أن عروض الأزياء كانت، ولا تزال، بمثابة مناسبة اجتماعية تتعالى فيها الأصوات والتعليقات والضحكات، لكن في عروض كريستوبال كانت هناك فقط همسات ممزوجة برهبة المناسبة والمكان، غالبا صالون مشغله الواقع في 10 من شارع جورج 5 الباريسي الشهير. لم يكن يستجدي ودهن أو يتوسل رضاهن بل العكس تماما كان يبالي فقط بفنه ونظرته للموضة.
كان يتعمد أيضا الاستعانة بعارضات لا يتمتعن بالجمال الكلاسيكي التقليدي الذي كان متعارفا عليه في الخمسينات، وكان في المقابل يختارهن عاديات وناضجات، أحيانا في منتصف العمر مثل زبوناته، اللواتي كان يعرف أنهن لسن صبيات ولا يريدهن أن يتصابين.
كل هذا كان ينعكس على تشكيلاته التي كانت متنوعة تأخذ بعين الاعتبار أن زبونته لا تتمتع بمقاييس عارضات الأزياء وبالتالي لم يكن يستثني أي واحدة منهن، ولم يُخف أنه كان يحب أن تتمتع المرأة بكرش بارز بعض الشيء. ولأنه كان يعرف أن المجلات البراقة تميل إلى تصوير عارضات بمقاسات نحيفة، كان يشترط عليها أن تستعمل عارضاته عند تصوير أزيائه. كانت مصورات الموضة يقبلن شرطه على مضض، لكنهن كن يلتقطن صورهن إما من الخلف أو الجانب فقط حتى يموهن على عدم جمالهن. كان في موقف قوي يُخول له فرض شروطه، فالمرأة المقتدرة والمؤثرة على ساحة الموضة كانت تعشق تصاميمه ولا تتصور الموضة من دون قصاته الساحرة، كما أنه لم يكن يهتم بالربح المادي أو يجري وراءه. من هؤلاء الزبونات ستذكر كتب تاريخ الموضة الكونتسة فون بيسمارك التي اشترت في عام 1963 88 قطعة من موسم واحد ثم 140 قطعة أخرى في الموسمين التاليين. كما ستذكر كلوديا هيرد دي أوزبورن التي كانت تحجز جناحا دائما في فندق الريتز بباريس خصصته بالكامل لفساتينها الراقية، وطلبت في وصيتها أن تُدفن بفستان من تصميمه. هذا إلى جانب لائحة طويلة من نجمات هوليوود، من أودري هيبورن إلى أفا غاردنر التي يُعرض لها فستان باللون الوردي في معرض لندن.



عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.