غارات مصرية تطال منطقتي الجفرة وهون في وسط ليبيا

«داعش» استغل دروب مهربي المخدرات... وأوامر بتدمير أي سيارات دفع رباعي تجتاز الحدود

آثار الخراب والدمار في حي أبو سليم بفعل اشتباكات الميليشيات المتناحرة في طرابلس أول من أمس (رويترز)
آثار الخراب والدمار في حي أبو سليم بفعل اشتباكات الميليشيات المتناحرة في طرابلس أول من أمس (رويترز)
TT

غارات مصرية تطال منطقتي الجفرة وهون في وسط ليبيا

آثار الخراب والدمار في حي أبو سليم بفعل اشتباكات الميليشيات المتناحرة في طرابلس أول من أمس (رويترز)
آثار الخراب والدمار في حي أبو سليم بفعل اشتباكات الميليشيات المتناحرة في طرابلس أول من أمس (رويترز)

وصل القصف المصري لمعسكرات المتطرفين إلى منطقتي «الجفرة» و«هون» في وسط ليبيا، أمس، بعد 4 أيام من بدء العمليات الحربية في كل من درنة والجبل الأخضر، وذلك في محاولة مصرية لمساعدة الليبيين على استعادة الأمن وفرض السيطرة على بلادهم التي أصبحت تهدد جيرانها وغيرها من بلدان العالم، لكن الخطر من تسلل متطرفين لتنفيذ عمليات داخل مصر، ما زال قائما، وفقا لمصادر استخباراتية على الحدود بين البلدين.
وتمرق طائرة حربية مصرية تحت السماء الصافية، في صوت أصم وقوي، انطلاقا من قواعد عسكرية في الصحراء على الجانب المصري من الحدود... تتبعها أخرى، وأخرى. وعلى طول الشارع المرصوف تنطلق شاحنات ضخمة محملة بالرخام والسيراميك والسلع الغذائية في الطريق نفسه؛ إلى داخل ليبيا. ويطلق سائق الشاحنة الليبية البوق، ويقول في استراحة بمدينة السلوم: «نريد أن نرتاح... تعبنا من الحروب».
وتعاني ليبيا من الفوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي. وانتشرت الجماعات المتطرفة المدججة بالأسلحة في عدة مواقع في عموم البلاد، لكن أخطرها، بالنسبة للمصريين، كان في درنة، لأسباب تتعلق بقرب المدينة من الحدود مع مصر. وتحاول دول صديقة لليبيا، التوفيق بين أكبر شخصيتين حاليا في البلاد، وهما المشير خليفة حفتر، قائد الجيش، وفايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي، المدعوم من الأمم المتحدة.
وأثارت الغارات المصرية على درنة مخاوف من أن تؤدي إلى استثارة غضب الليبيين تجاه المصريين، بخاصة بعد أن استنكرها مجلس السراج. لكن محمود بوعيسى، وهو قيادي شعبي من قبيلة «القناشات»، على الحدود الليبية - المصرية، قال إن ردود الفعل على الضربة المصرية في ليبيا، على المستوى الشعبي... «تحظى بتأييد في المنطقة الشرقية من ليبيا بما في ذلك درنة، ونحن تواصلنا مع أناس في درنة. والناس ينظرون إلى هذه الخطوة على أنها ستساعد في تقصير عمر التنظيمات الإرهابية على الأرض، وبالتالي يسيطر الجيش الليبي على كامل الأراضي الليبية».
وكان بوعيسى يتحرك ضمن لقاءات بين اقتصاديين من ليبيا ومصر، على جانبي الحدود، حيث بدا أن هناك أسبابا كثيرة رفعت المعنويات في مستقبل أفضل.
ويقول أيمن غازي، الباحث الاقتصادي المقيم في مدينة مرسى مطروح: «توجد أسباب كثيرة لتفاؤل السوق الليبية، منها بطبيعة الحال الضربات المصرية على مواقع المتطرفين في ليبيا، لكن سبقت هذه الخطوة أجواء كانت تؤشر إلى أن المنطقة، ومنها ليبيا، مقبلة على تغيير كبير، وذلك بزيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للرياض، واللقاء بين حفتر والسراج في الإمارات».
ويضيف موضحا أن عدم وجود أي اعتراض من القوى الدولية الكبرى على العمليات العسكرية المصرية في ليبيا، حتى الآن، عزز من ثقة رجال الأعمال في الغد... وعن الاعتقاد بأن ضربات الجيش المصري في الداخل الليبي بدأت تسهم في انتعاش قيمة العملة الليبية أمام الدولار، في السوق الموازية، يقول غازي: «كلما كانت الأمور تدفع في اتجاه الاستقرار الأمني، فهذا يعني بالطبع الاتجاه ناحية الاستقرار المالي»، مشيرا إلى أن معظم مجالس الشورى في درنة وسرت وغيرها، مرتبطة بـ«القاعدة»، و«داعش»، و«ثبت أن وجود مثل هؤلاء يتنافى مع أي فرص للاستقرار، وهو شرط أساسي لدوران العجلة الاقتصادية».
وعقب بدء الغارات المصرية في ليبيا انخفض الدولار أمام الدينار الليبي في السوق الموازية إلى أقل من 8 دينارات. ويقول عمرو فركاش، وهو مدير إقليمي في البنك الأوروبي، وخبير اقتصادي ليبي: «هذا يدل على أنه بعد ما حدث في الفترة الماضية، وانتقاد السعودية والإمارات لقطر، وتقلص نفوذ المتشددين إلى حد ما، أصبح الناس، عامة، لديهم تفاؤل بأنه يمكن السيطرة من خلال الجيش وحفتر تحديدا على ليبيا». وأضاف أن دخول مصر على خط المساعدة، يمثل نوعا من أنواع الانفراجة.
وقال كذلك: «الناس متفائلة بأن الأوضاع يمكن أن تتحسن. وأي نسبة تفاؤل، ولو قليلة، تؤثر في تقدير العملة. لكن من الناحية الاقتصادية البحتة، ما زال الوضع في ليبيا وضعا صعبا».
وأدى تشديد الإجراءات المصرية على الحدود، إلى تكدس مئات الشاحنات التي تحمل شحنات من مواد البناء، في طريقها إلى ليبيا، إلا أن هذا لم يمنع السائقين وأصحاب الأعمال من الانتظار برحابة صدر. ويقول مصدر عسكري على الحدود إن تنظيم داعش حاول التسلل من دروب مهربي البضائع والمخدرات، وهي موجودة بين واحتي الجغبوب (الليبية) وسيوة (المصرية)، جنوبا، مشيرا إلى أن تلك المنطقة، ودروبا أخرى، هي التي تدخل منها سيارات الدفع الرباعي، وقال إن القوات المسلحة المصرية لديها أوامر باستهداف أي سيارات دفع رباعي تجتاز الحدود.
وتابع أن قصف الطائرات المصرية لمعسكرات المتطرفين أصبح يصل، منذ أمس، إلى منطقتي «الجفرة» و«هون» في وسط ليبيا، حيث جرى استهداف مناطق تدريب لمجاميع كانت تفتح باب التدريب لمتطرفين مصريين في صفوفها، ومنها مجاميع تابعة لبقايا «سرايا الدفاع عن بنغازي».
وأضاف: «تم التأكد أمس من إصابة مواقع التكفيريين وتدميرها بشكل مباشر، وذلك في كل من الجفرة وهون، ومناطق أخرى» لم يسمها. بينما أوضح بوعيسى قائلا إن «الغارات المصرية ما زالت مستمرة ومكثفة على درنة والجفرة وهون ومناطق في أقصى الجنوب والغرب الليبي من جانب الطيران المصري».
وتابع أن «كل هذا يجري بتنسيق من خلال غرفة عمليات مشتركة بين الجانبين المصري والليبي. وبشكل عام منذ أعطى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأمر بالتحرك وحتى الآن، والوجود العسكري والضربات مستمرة. وفي وسط ليبيا تم استهداف بقايا معسكرات (سرايا الدفاع عن بنغازي)، وبعض من بقايا (القاعدة) وميليشيات تابعة لإبراهيم الجضران (الآمر السابق لحرس المنشآت النفطية) وزياد بلعم (أحد قادة الميليشيات) في الجفرة وهون».
إلى ذلك، أعلن فائز السراج رئيس حكومة الوفاق أن الأمين العام لمنظمة حلف شمال الأطلنطي (الناتو) ينس ستلوتنبيرغ، أكد له في اتصال هاتفي بينهما أن الحلف يدعم بقوة حكومة السراج، مشيدا بجهوده لبناء مؤسسة عسكرية واحدة في البلاد.
وأعلن ستلوتنبرغ وفقا لبيان أصدره مكتب السراج، أن مجلس الحلف وافق على تقديم المشورة إلى ليبيا في مجال بناء مؤسسات الدفاع والأمن.
وكان السراج قد ناقش بالعاصمة البلجيكية بروكسل مع مسؤول الناتو حالات وبرامج الدعم، التي يمكن للحلف تقديمها في قطاعي الدفاع والأمن، وبما يساهم في الرفع من القدرات والتأهيل المؤسسي للقوات الليبية.
وكانت حكومة السراج قد حذرت أي مجموعات من محاولة دخول العاصمة طرابلس دون التنسيق الكامل مع أجهزتها الأمنية والعسكرية، وهددت بأنها ستضرب بيد من حديد كل من يهدد أمن المدينة ومواطنيها، وحذرت من أي تجاوزات مثل الخطف والاعتداء على البيوت، مشيدة بجهود الأجهزة الأمنية المنضوية تحتها، واعتبرت أن العاصمة مدينة لكل الليبيين وأن حمايتها هي مهمة الجميع تحت شرعية الحكومة، معلنة أنها بصدد اتخاذ الإجراءات الكفيلة بعودة المهجرين إلى بيوتهم قبل انقضاء شهر رمضان مع المؤسسات الأمنية من دون مساومات.
وأعربت الحكومة عن تعازيها إلى أسر وأهالي شهداء معركة طرابلس التي خاضتها القوات المنضوية تحت المؤسسات الأمنية التابعة لها قبل بضعة أيام، وحيت في المقابل جميع القوى الأمنية المنضوية تحت وزارة الداخلية والحرس الرئاسي، التي قالت إنها تقوم بتأمين العاصمة طرابلس بالكامل، كما دعت المواطنين للوقوف صفا واحدا للرد بحزم وحسم ضد من يحاول إثارة القلاقل والفتن، وحفاظا على أرواح المواطنين والممتلكات الخاصة والعامة، ومن أجل أن يستتب الأمن ويعم السلام، على حد تعبيرها.
وجاء بيان الحكومة بعدما قالت قوة العمليات الخاصة إنها تنوي حماية عودة مهجري العاصمة طرابلس إلى بيوتهم وتأمينهم والدفاع عنهم.
وقال قائد القوة الرائد عماد الطرابلسي إنه تم إخطار جميع الجهات بهذه الخطوة، بما في ذلك المجلس الرئاسي لحكومة السراح وبعثة الأمم المتحدة وبعض السفارات الغربية العاملة في طرابلس.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.