أنقرة متمسكة بعضوية الاتحاد الأوروبي... وبروكسل ترهنها بحقوق الإنسان

استمرار حملة الاعتقالات ومحاكمات الانقلابيين

أفراد من القوات التركية الخاصة يحرسون محكمة تنظر في دعاوى ضد متهمين بالانقلاب أمس (أ.ف.ب)
أفراد من القوات التركية الخاصة يحرسون محكمة تنظر في دعاوى ضد متهمين بالانقلاب أمس (أ.ف.ب)
TT

أنقرة متمسكة بعضوية الاتحاد الأوروبي... وبروكسل ترهنها بحقوق الإنسان

أفراد من القوات التركية الخاصة يحرسون محكمة تنظر في دعاوى ضد متهمين بالانقلاب أمس (أ.ف.ب)
أفراد من القوات التركية الخاصة يحرسون محكمة تنظر في دعاوى ضد متهمين بالانقلاب أمس (أ.ف.ب)

انطلاق محادثات تركية - أوروبية في يونيو حول ملفي اللاجئين والاتحاد الجمركي
في حين تواصلت المحاكمات المرتبطة بمحاولة الانقلاب التي شهدتها تركيا في منتصف يوليو (تموز) 2014 وحملات الاعتقالات في إطار ما تسميه السلطات التركية تطهير المؤسسات من أتباع فتح الله غولن الذي تتهمه بتدبير المحاولة، بدا أن هناك توجها للإسراع بخطوات إنهاء التوتر وإعادة مسار العلاقة مع الاتحاد الأوروبي إلى طبيعته.
وتحدّثت مصادر دبلوماسية تركية عن اجتماعات مرتقبة بين تركيا والاتحاد الأوروبي في 13 يونيو (حزيران) المقبل للبدء في إطلاق مرحلة تقييم العلاقات بين الجانبين في إطار جدول زمني يمتد لـ12 شهرا. وقال نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة التركية نعمان كورتولموش في تصريحات، عقب اجتماع مجلس الوزراء أمس، إن تركيا «تريد أن تترك التوتر مع الاتحاد الأوروبي وراءها»، وأكد أن أساس الحوار مع الاتحاد يجب أن يتمحور حول فتح فصول جديدة في إطار مفاوضات تركيا للحصول على عضويته.
وأكد كورتولموش أن أنقرة لم تتخل عن المنظور الكامل للعضوية مع الاتحاد الأوروبي لمجرد أن موضوعات أخرى احتلت أولوية جدول أعمالها في الفترة الأخيرة. ولفت إلى اتفاق أنقرة وبروكسل خلال اجتماع الرئيس رجب طيب إردوغان ورئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، على هامش قمة الناتو في العاصمة البلجيكية بروكسل الأسبوع الماضي على إحياء العلاقات بين الجانبين، لافتا إلى أن الهدف الرئيسي لتركيا هو الحفاظ على العلاقات مع الاتحاد الأوروبي في إطار العضوية الكاملة في المستقبل.
وأوضح أن الطرفين يمكن أن يناقشا العلاقات الثنائية: «لكن القضية الرئيسية هي فتح فصول مفاوضات جديدة»، لافتا إلى أن وزارتي الخارجية وشؤون الاتحاد الأوروبي سيدرسان جدولا زمنيا مدته 12 شهرا بشأن جدول أعمال المحادثات المقبلة مع بروكسل والعمل على الموضوعات التي ستعطى الأولوية.
وكان إردوغان أعلن عقب لقائه توسك ويونكر في بروكسل أن الاتحاد الأوروبي قدم لتركيا جدولا زمنيا جديدا مدته 12 شهرا لتجديد العلاقات.
في السياق نفسه، قالت مصادر دبلوماسية تركية إن اجتماعات تركية أوروبية ستعقد في 13 يونيو بين الجانبين، لبحث كيفية تفعيل الحوار وإزالة الأزمات التي تشوب علاقات الطرفين. كما ستتم مناقشة الاتفاقات المبرمة بين الطرفين بخصوص مكافحة الهجرة وحل أزمة اللاجئين، إضافة إلى موضوع التزامات الاتحاد الأوروبي بتعهداته حيال دفع مبالغ مالية لمساعدة تركيا في الوفاء باحتياجات اللاجئين في تركيا، ورفع تأشيرة الدخول عن المواطنين الأتراك الراغبين في زيارة منطقة شنغن الأوروبية.
وكشفت المصادر عن أن الجانبين التركي والأوروبي سيركزان على ملفين أساسيين قد يشكلان مستقبلا محور علاقاتهما، والتي قد تحل محل مسار العضوية الكاملة المجمد الآن، وهما ملفا اللاجئين والاتحاد الجمركي، أي العلاقات الأمنية والاقتصادية. وستنطلق اللقاءات بين الطرفين على مستوى الخبراء والبيروقراطيين في 13 يونيو المقبل، على أن تبدأ الاجتماعات على مستوى الوزراء في يوليو. وخلال هذه اللقاءات، ستُناقش مطالب تركيا بتحويل مزيد من المبالغ المالية المخصصة لرعاية اللاجئين في تركيا، وفق الاتفاق المبرم بين الطرفين في 18 مارس (آذار) 2016. وستكون لملف اللاجئين الأولوية. ونقلت صحيفة «حرييت» عن مصادر أوروبية أن مسألة فتح فصول تفاوض جديدة بين تركيا والاتحاد مرهونة أيضاً بتطبيق أنقرة مجدداً معايير الاتحاد فيما يتعلّق بحقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير.
وبحسب المصادر، وجه المسؤولون الأوروبيون رسالة قوية لإردوغان، تطالبه بإطلاق الصحافيين المسجونين، في خطوة حسن نية نحو تحسين ملف حقوق الإنسان، ووقف الحديث عن العودة للعمل بعقوبة الإعدام. في غضون ذلك، قال المتحدث باسم المفوضية الأوروبية مارغاريتيس شيناس أمس إن لقاءات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع مسؤولي الاتحاد الأوروبي «كانت جيدة وإيجابية، وجرت في أجواء بناءة». وأضاف شيناس أن تركيا والاتحاد الأوروبي مضطران لمواصلة التعاون وسيستمران في ذلك، لافتا إلى أن مرحلة جديدة بدأت في العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي وأن الجانبين تربطهما مصالح مشتركة. وفي اتصال مع أحد ملفات التوتر بين أنقرة والاتحاد الأوروبي، بدأت المحكمة الجنائية في إسطنبول أمس النظر في الدعوى الرئيسية للمحاولة الانقلابية الفاشلة في إسطنبول، ضمن إطار التحقيقات التي تجريها النيابة العامة حيث مثل 15 متهما أمام الدائرة الرابعة عشرة للمحكمة من أصل 24 متهما فيما لا يزال هناك 9 متهمين هاربين، وفي مقدمة المتهمين فتح الله غولن المقيم في أميركا منذ عام 1999 و6 جنرالات، و17 ضابطاً.
وتجرى محاكمة غولن و9 متهمين آخرين في مقر المحكمة بمنطقة سليفري بإسطنبول، حيث يطلب الادعاء العام إنزال عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة 92 مرة بحق المتهمين وحبسهم 174 عاما، وأدرج اسم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان و89 آخرين وعدد من المؤسسات الحكومة مثل البرلمان التركي في الدعوى بصفة مدعين ويواجه غولن و10 متهمين آخرين تهماً بمسؤوليتهم عن مقتل 89 شخصاً في إسطنبول ليلة محاولة الانقلاب، إضافة إلى محاولة اختطاف 5 أشخاص بينهم قائد القوات البرية أوميت دوندار، والمسؤولية عن محاولة الانقلاب بشكل عام. ومنذ محاولة الانقلاب اعتقلت السلطات التركية نحو 50 ألف شخص كما فصلت أو أوقفت عن العمل أكثر من 150 ألفا آخرين بسبب مزاعم عن صلاتهم بغولن.
واستمرارا لحملات الاعتقالات، أمرت نيابة أنقرة أمس باعتقال 101 شخص، غالبيتهم موظفون سابقون ورجال شرطة للاشتباه بصلتهم بحركة غولن ونفذت عمليات أمنية متزامنة في 43 محافظة، تم خلالها توقيف 56 شخصا من بين المطلوبين بينهم موظفون تمت إقالتهم مؤخراً من مناصبهم بسبب قرارات الحكومة التي أصدرتها منذ يوليو 2016 في إطار حالة الطوارئ.
على صعيد آخر، ترأس الرئيس رجب طيب إردوغان أمس أول اجتماع للجنة الإدارة المركزية لحزب العدالة والتنمية الحاكم الذي عاد لرئاسته مجددا في المؤتمر العام الاستثنائي الثالث الذي عقد في 21 مايو (أيار) الحالي في أول تطبيق عملي واضح للنظام الرئاسي الذي أقر من خلال تعديلات دستورية أثارت قدرا كبيرا من الجدل وأحرزت أغلبية ضئيلة من الأصوات وصلت إلى 51.4 في المائة في الاستفتاء الشعبي الذي أجري في 16 أبريل (نيسان) الماضي.
وحدد إردوغان أمس أعضاء اللجنة المركزية للحزب والتي تتكون منه رئيسا، إضافة إلى عضوية كل من حياتي يازجي، مصطفى أتاش، أحمد سورجون، ماهر أونال، محمد مهدي أكار، أوزنور تشاليك، إرول كايا، جودت يلماظ، فاتح شاهين، وداد دميراوز، تشيدم كارا أصلان، حمزة دوغان وعبد الحميد غل.
وسمحت التعديلات الدستورية في أحد بنود حزمتها المؤلفة من 18 مادة بأن يبقى رئيس الجمهورية، الذي سيتمتع بصلاحيات تنفيذية واسعة في النظام الجديد، على صلة بحزبه السياسي بعد أن كان دستور 1982 يقضي بقطع هذه العلاقة على اعتبار أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون محايدا وعلى مسافة واحدة من جميع الأحزاب السياسية.



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».