بريطانيا: بعض أعضاء شبكة مانشستر الإرهابية ما زالوا فارين

اعتقال المشتبه فيه رقم 14... ولندن تحقق في 500 مخطط محتمل... و3 آلاف شخص على قائمة «أخطر المتشددين»

جنديان بريطانيان يحرسان سباق الماراثون السنوي وسط إجراءات أمنية بمدينة مانشستر أمس.. وفي الاطار وزيرة الداخلية البريطانية (إ.ب.أ)
جنديان بريطانيان يحرسان سباق الماراثون السنوي وسط إجراءات أمنية بمدينة مانشستر أمس.. وفي الاطار وزيرة الداخلية البريطانية (إ.ب.أ)
TT

بريطانيا: بعض أعضاء شبكة مانشستر الإرهابية ما زالوا فارين

جنديان بريطانيان يحرسان سباق الماراثون السنوي وسط إجراءات أمنية بمدينة مانشستر أمس.. وفي الاطار وزيرة الداخلية البريطانية (إ.ب.أ)
جنديان بريطانيان يحرسان سباق الماراثون السنوي وسط إجراءات أمنية بمدينة مانشستر أمس.. وفي الاطار وزيرة الداخلية البريطانية (إ.ب.أ)

أعلنت الشرطة البريطانية، أمس، أنها ألقت القبض على المشبه فيه رقم 14 فيما يتصل بالتفجير الانتحاري في مانشستر. واعتقلت عناصر الشرطة الشاب بتهمة الإرهاب في أولد ترافورد إلى الشرق من المدينة. وتقوم بتفتيش منزل في جنوب المدينة. وقالت شرطة منطقة مانشستر في بيان نشر، أمس: إن الرجل البالغ من العمر 25 عاما اعتقل في جنوب غربي مانشستر «للاشتباه في ارتكابه جرائم مخالفة لقانون الإرهاب». وألقي القبض على 14 شخصا حتى الآن فيما يتصل بالهجوم الذي أودى بحياة 22 شخصا. وأفرجت السلطات عن شخصين دون توجيه اتهامات ولا يزال 12 رجلا رهن الاحتجاز للاستجواب.
من جهتها، قالت وزيرة الداخلية البريطانية، أمبر راد، أمس: إن من المحتمل أن أعضاء في شبكة سلمان العبيدي منفذ هجوم مانشستر ما زالوا طلقاء، وذلك بعد خفض مستوى التهديد الأمني بالبلاد في ضوء إحراز تقدم كبير في التحقيق. وذكرت الشرطة، أنها ألقت القبض على جزء كبير من الشبكة التي تقف وراء التفجير الذي أودى بحياة 22 شخصا في قاعة احتفالات، وأنها اعتقلت رجلين آخرين أمس فيما تواصل ملاحقتها للمجموعة. وردا على سؤال حول عدد المتشددين المحتملين الذين تشعر الحكومة بقلق منهم، قالت وزيرة الداخلية البريطانية راد: إن أجهزة الأمن تحقق بشأن 500 مخطط محتمل، وتشمل هذه المخططات ثلاثة آلاف شخص على قائمة «أخطر» المتشددين. بينما يبلغ عدد المتشددين دون ذلك 20 ألف شخص، وقالت: «هذه كلها طبقات مختلفة ودرجات مختلفة، قد يكون الأمر مجرد علامة استفهام حول أحدهم، أو شيء خطير يتعلق بالقائمة الرئيسية». وكانت الحكومة تشكو من قبل من أن شركات التكنولوجيا لا تبذل جهدا كافيا لمعالجة استخدام شبكاتها، سواء فيما يتعلق بالترويج للفكر المتطرف، أو فيما يتعلق بالاتصالات بين من يشتبه أنهم متشددون عبر رسائل مشفرة».
وردا على سؤال لتلفزيون هيئة «بي بي سي» عما إذا كان بعض أفراد المجموعة ما زالوا طلقاء قالت راد «ربما إنها عملية مستمرة. هناك 11 محتجزا. العملية لا تزال مستمرة بأقصى سرعة في الوقت الحالي». وقالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إن تطورات التحقيق في التفجير جعلت خبراء المخابرات يقررون خفض مستوى التهديد من أعلى مستوياته، وهي «حرج»، وتعني أن هجوما قد يكون وشيكا إلى «حاد». وكشفت الشرطة عن صورة العبيدي المولود في بريطانيا لأبوين ليبيين التقطت له ليل الاثنين قبل أن يفجر نفسه وقالت: إنها تعتقد أنه صنع القنبلة في شقة بوسط المدينة.
وأكد مسؤولون بريطانيون، أن العبيدي (22 عاما) عاد مؤخرا من ليبيا. وقال ضباط: إن الشرطة تسعى لجمع معلومات عن تحركاته اعتبارا من يوم 18 مايو (أيار)، وهو يوم عودته لبريطانيا وأوضحت الحكومة البريطانية أن العبيدي كان معروفا لأجهزة الأمن في البلاد قبل التفجير، لكن راد أحجمت عن التعليق على المعلومات التي كانت معروفة عنه على وجه التحديد. وقالت وسائل إعلام إن أناسا يعرفون العبيدي عبروا عن مخاوف بشأنه وبشأن آرائه قبل ما يصل إلى خمس سنوات من تنفيذه لهجوم مانشستر.
وقالت راد «ما زالت أجهزة المخابرات تجمع المعلومات عنه، لكنني لن أستبق النتائج، مثلما تفعلون على ما يبدو، وأقول إنها ربما أغفلت شيئا».
وردا على سؤال حول عدد المتشددين المحتملين الذين تشعر الحكومة بقلق منهم، قالت راد إن أجهزة الأمن تحقق بشأن 500 مخطط محتمل، وتشمل هذه المخططات ثلاثة آلاف شخص على قائمة «أخطر» المتشددين بينما يبلغ عدد المتشددين دون ذلك 20 ألف شخص.
وقالت: «هذه كلها طبقات مختلفة ودرجات مختلفة، قد يكون الأمر مجرد علامة استفهام حول أحدهم، أو شيء خطير يتعلق بالقائمة الرئيسية».
وكانت الحكومة تشكو من قبل من أن شركات التكنولوجيا لا تبذل جهدا كافيا لمعالجة استخدام شبكاتها سواء فيما يتعلق بالترويج للفكر المتطرف أو فيما يتعلق بالاتصالات بين من يشتبه أنهم متشددون عبر رسائل مشفرة.
وقالت راد إن بريطانيا تحرز تقدما جيدا مع شركات التكنولوجيا بهذا الشأن، لكن هناك حاجة إلى بذل المزيد من الجهد. وتقول شركات تكنولوجيا مثل «واتساب»: إنها لا تستطيع اختراق التشفير التام بين طرفي الرسالة».
وقالت راد «أعتقد أننا نستطيع أن نجعلهم أكثر نجاحا في العمل معنا لإيجاد طريقة للحصول على بعض هذه المعلومات». وأضافت: «أكثر ما يشغلني هو شركات الإنترنت التي تواصل نشر منشورات تحض على الكراهية. تساهم مواد الكراهية في تحول الناس للتطرف في بلادنا».
وقال وزير الأمن بن والاس لـ«بي بي سي» أيضا: إن الحكومة تدرس خيارات عدة لزيادة الضغوط على شركات الإنترنت لحذف المواد الخاصة بالمتطرفين، وتغيير الخوارزميات التي تستخدمها؛ وذلك لوقف الربط بين تدوينات المتطرفين ومواد أخرى مماثلة على الإنترنت. ودعت السلطات البريطانية أول من أمس كل من رأى منفذ اعتداء مانشستر في الأيام التي سبقت الهجوم بأن يدلي بشهادته للشرطة، وقامت بنشر صورتين له، وفق ما تضمن بيان مشترك للشرطة وجهاز مكافحة الإرهاب. وواصلت الشرطة البريطانية الأحد تحقيقاتها حول اعتداء مانشستر أمس، مع توجيه نداء إلى شهود ونشر صور المنفذ، في حين تنظم المدينة سباق نصف الماراثون السنوي وسط إجراءات أمنية مشددة. ونشرت الشرطة مساء أول من أمس صورا التقطتها كاميرات المراقبة للانتحاري سلمان العبيدي ووجهت نداء إلى شهود لمحاولة معرفة تحركاته في الأيام التي سبقت الاعتداء. وتظهر الصورتان اللتان التقطتهما كاميرات مراقبة العبيدي (22 عاما) ليلة وقوع الاعتداء. ويضع البريطاني الليبي الأصل قبعة ويحمل حقيبة ظهر، وهو يرتدي سترة سوداء وسروالا جينز وينتعل حذاءً رياضيا.
وفجّر العبيدي نفسه مساء الاثنين في ختام حفلة موسيقية لمغنية البوب الأميركية أريانا غراندي، كان يحضره الكثير من الأطفال والمراهقين. وأدى الاعتداء إلى سقوط 22 قتيلا و116 جريحا. وتبنى تنظيم داعش الاعتداء الذي يأتي بينما يضاعف الجهاديون هجماتهم في أوروبا وفي وقت يخسرون مناطق تحت سيطرتهم في سوريا والعراق. ويسعى المحققون إلى جمع كل المعلومات عن التحركات التي قام بها الانتحاري منذ 18 مايو، يوم «عودته» إلى بريطانيا. وقال مصدر قريب من العائلة لوكالة الصحافة الفرنسية: إن العبيدي كان في ليبيا قبل أيام من تنفيذ الاعتداء. وذكرت الشرطة الألمانية، أنه توقف في دوسلدورف. واستأجر العبيدي شقة في وسط مانشستر، انطلق منها إلى الصالة التي نفذ فيها الاعتداء. وتثير هذه الشقة بالتحديد اهتمام المحققين؛ إذ إنهم يعتقدون أنها «قد تكون المكان الذي تم فيه تجميع العبوة» الناسفة التي استخدمت في الاعتداء، كما قال مفوض الشرطة إيان هوبكينز، ومسؤول مكافحة الإرهاب نيل باسو.
وكشفت الشرطة عن تفاصيل متعلقة بكيفية إجراء التحقيق منذ الاثنين. وأوضحت، أنه تم التعرف إلى منفذ الاعتداء خلال «ساعتين» وبعدها قامت بجمع «معلومات مثيرة للاهتمام حول العبيدي وأوساطه، والأمور المالية المتعلقة به، والأماكن التي زارها، وطريقة صنع العبوة الناسفة والمؤامرة الأوسع نطاقا، وتمت تعبئة ألف عنصر بالإجمال لتحليل أكثر من 800 دليل ثبوتي «بينها 205 وثائق رقمية»، وجرت عمليات تفتيش في 18 موقعا مختلفا، وشوهدت نحو 13 ألف ساعة من تسجيلات كاميرات المراقبة. وثمة حاليا 11 شخصا موقوفا في بريطانيا في سياق التحقيق.
وتم اعتقال والد العبيدي وأحد إخوته في ليبيا. وكان والده عضوا في الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا التي كانت ناشطة بشكل كبير في تسعينات القرن الماضي والمعارضة للزعيم الليبي معمر القذافي الذي أطيح به في 2011، كما قال مسؤول أمني في طرابلس لوكالة الصحافة الفرنسية.
ونتيجة التقدم في التحقيق، أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، أول من أمس، خفض درجة التحذير الأمني في بريطانيا من «حرجة» إلى «خطرة»؛ ما يعني أن وقوع اعتداء أصبح «محتملا جدا»، لكنه لم يعد «وشيكا». لكنها دعت البريطانيين إلى «لزوم اليقظة»، مشيرة إلى أن الجيش سيبقي على انتشاره حتى نهاية عطلة نهاية الأسبوع التي تستمر ثلاثة أيام؛ إذ إن يوم الاثنين يوم عطلة.
في هذه الأثناء، يعود سكان مانشستر تدريجيا إلى حياتهم الطبيعية متحدين التوتر والخوف من الإرهاب.
وجرى أمس سباق شعبي في شوارع مانشستر، وأكد رئيس البلدية العمالي آندي بورنام مشاركته فيه، داعيا أهل المدينة إلى استئناف حياتهم كالعادة.
ووقف الكثير من السكان على طول مسار السباق لتشجيع المتسابقين وإظهار تعلقهم بمدينتهم، على ما أفادت صحافية في وكالة الصحافة الفرنسية، في حين تم تعزيز انتشار الشرطة بشكل واضح.
ولزم الجميع دقيقة صمت في تمام الساعة 9.00 (8.00 ت غ) قبل انطلاق سباق نصف الماراثون بمشاركة آلاف الرياضيين، بعضهم يرتدي ملابس شخصيات أبطال أو رجال إطفاء؛ تعبيرا عن امتنانهم لفرق الإغاثة.
وجمع صندوق طارئ أقامته البلدية بمساعدة الصليب الأحمر أكثر من أربعة ملايين جنيه لمساعدة الضحايا».
وبات موضوع الأمن في صلب حملة الانتخابات التشريعية التي تجري في 8 يونيو (حزيران)، التي استؤنفت الجمعة بعد تعليقها غداة الاعتداء. ومن المقرر أن تحتل مكافحة الإرهاب حيزا كبيرا من المناظرات التلفزيونية المرتقبة الأسبوع المقبل.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.