«تويتر»: السعودية قاطرة النمو في الشرق الأوسط

بنجامين آمبن أكد لـ«الشرق الأوسط» استمرارية البحث عن حلول تقضي على خطاب الكراهية

بنجامين آمبن
بنجامين آمبن
TT

«تويتر»: السعودية قاطرة النمو في الشرق الأوسط

بنجامين آمبن
بنجامين آمبن

قال بنجامين آمبن، رئيس مبيعات «تويتر» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن مفهوم الأمن بالنسبة للشركة على المنصة هو الحفاظ على منظومة قيم ومعايير للشخص الذي يمتلك حسابا، سواء كان مُعرَّف الهوية أو غير معرف، مشيرا إلى أن «تويتر» لا تسمح بمستخدمين لديهم سجل من التورط في أعمال غير قانونية أو سلوكيات عدائية.
وأشار في حوار مع «الشرق الأوسط» إلى أن السعودية تعتبر القاطرة لمحرك النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما كشف عن عدة قضايا في الحوار التالي:

* كيف ترى تقارير النتائج المالية الأخيرة؟ وماذا تمثل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالنسبة لكم؟
- النتائج المالية الأخيرة شيء إيجابي جدا لنا، وتعطي زخما كبيرا، خاصة فيما يتعلق بعدد مستخدمي «تويتر». ولكن قبل الإجابة عن سؤالك، أعتقد عندما نتحدث عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فهي تعتبر أحد محركات النمو في العالم، فلو أخذنا السعودية علي سبيل المثال، فهي تعتبر في قائمة أهم 10 دول بالنسبة لنا، ومن المدهش أننا افتتحنا بها مكتبا منذ عامين فقط. وتمثل السعودية القاطرة الفعالة جدا لمحرك النمو الخاص بنا في المنطقة.
* ما مشروعاتكم القادمة في السعودية؟
- لدينا اتجاهان رئيسيان في السعودية: الأول يتعلق بالترفيه والرياضة، حيث نعمل بشكل جيد جدا أثناء الدوري السعودي لكرة القدم. فعندما يكون هناك حدث رياضي تجد معظم الناس على «تويتر» للتفاعل مع الحدث. على سيبل المثال أثناء مباراة «ديربي» الشهيرة بين الهلال والنصر، انظر إلى عدد التغريدات حول المباراة وملايين الأشخاص المتابعين. ونستثمر كثيرا من وقتنا لتطوير منصتنا ومحتواها ليتناسب مع تطلعات مستخدمي «تويتر» واتجاهاتهم. أما الاتجاه الثاني فهو العمل مع المطورين وجميع العلامات التجارية المحلية أو العلامات التجارية العالمية أو الإقليمية. حيث نحرص على ربطهم بالمناسبات المهمة مثل شهر رمضان، حيث يكون مناسبة مهمة جدا للمعلنين لبيع منتجاتهم عن طريق تحسين محتوى منصتنا، خاصة الفيديوهات.
* كثير من مستخدمي «تويتر» في المنطقة يطالبون برفع الحد الأقصى لعدد حروف التغريدة، ما خططكم لتلبية احتياجاتهم في هذه الخاصية؟
- نهتم دائما في «تويتر» بآراء رواد المنصة واقتراحاتهم، ولدينا في «تويتر» طريقة جيدة لمساعدة المستخدمين على كتابة تغريدات أطول ولو ببضعة حروف فقط، وذلك من خلال عدم احتساب الروابط التي تتم مشاركتها داخل التغريدات. قامت الشركة أيضا بخطوة مهمة لإفساح المجال للمشتركين للتعبير عن أنفسهم بشكل أكبر، وهو إمكانية إضافة تعليق على التغريدة المعاد تغريدها دون احتسابها من عدد حروف التغريدة الأصلية، كما كان يحدث في السابق. كما عملنا على تحسين مستوى خدمة مشاركة الفيديو على الشبكة، وبث الفيديو المباشر على المنصة.
* هناك شكوى مستمرة من الحكومات وحتى الأشخاص العاديين، من وجود حسابات على «تويتر» مزيفة. كيف ستتعاملون مع تلك الشكاوى؟
- مفهوم الأمن بالنسبة لنا على المنصة هو أننا نحرص على الحفاظ على منظومة قيم ومعايير للشخص الذي يمتلك حسابا لدينا على «تويتر»، سواء كان مُعرَّف الهوية أو غير معرف. نحن نؤكد أننا لا نسمح بوجود مستخدمين لـ«تويتر» لديهم سجل من التورط في أعمال غير قانونية أو سلوكيات عدائية، ونناهض التنمّر، والتهديد، والتحرش، وانتحال الشخصيات أو صفات الشركات، وسرقة الأعمال المحمية بالملكية الفكرية. ولدينا نظام داخلي آلي وشخصي عن طريق موظفينا لمراقبة محتوى الحسابات كافة، سواء كانت لأشخاص حقيقيين أو بأسماء مستعارة، لتحسين المحتوى وضمان الالتزام بسياسة الخصوصية الخاصة بمنصتنا. وعندما نكتشف محتوى تغريدات أو نشاطات لأشخاص تخرق المعايير الموضوعة، فإننا نقوم بإلغاء الحساب ومنعهم.
* «تويتر» واحدة من المنصات التي تستخدمها «داعش»، وكثير من الحكومات تشتكي من ردة الفعل البطيئة مع هذه الحسابات، بماذا تفسر ذلك؟
- مقتنعون بأنه من دون تأمين قوي لمنصتنا فلن يأتي مستخدمون لدينا أو معلنون ومطورون من العلامات التجارية. فيما يتعلق بالإرهاب نحاول جاهدين عن طريق فريق عملنا حجب أي نشاطات غير قانونية يتم اكتشافها بشكل سريع ومباشر. وبسبب العمليات الإرهابية، قمنا بحجب 600 ألف حساب من «تويتر» لها علاقة بالأنشطة الإرهابية في الفترة من مارس (آذار) إلى نهاية العام الماضي 2016. ومستمرون في المراقبة والعمل على إيجاد حلول ناجحة لنمنع تحديداً خطابات الكراهية بشكل عام، وتصوير الأعمال الإرهابية وانتهاكات حقوق الإنسان، ونوفر لمستخدمي منصتنا خاصية حجب أو حذف أي محتوى يراه غير مناسب.
* إلى أي مدى يوجد تعاون بين شركة «تويتر» وحكومات المنطقة في الجوانب المتعلقة بنشر المعلومات أو باطلاعهم على بيانات الحسابات غير المعرَّفة؟
- نتعاون مع الحكومات لضمان أفضل طريقة لتسهيل عمل المنصة داخل الدولة المعنية، والاتفاق على الأمور الفنية المتعلقة بتشغيل المنصة وشكلها. ونتعاون أيضا في هذا الإطار مع بعض المنظمات في كل دولة لمعرفة طبيعة المستخدمين والأنشطة الأكثر رواجا. لكن في الجانب الآخر هناك ما نفعله أيضا لمستخدمينا على مستوى العالم، وهو نشر تقرير للشفافية نصدره كل 6 أشهر، والذي نظهر فيه كل الطلبات التي نتلقاها من الحكومات في مُحاولة للسماح للمستخدمين بمعرفة مدى ما تريده حكومات العالم من بياناتها.
* أطلقتم في الفترة الأخيرة نسخة خفيفة لمنصتكم مناسبة لمناطق الاتصال الضعيفة، كيف تقيمون أداء هذه النسخة؟ وفي أي دولة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تخططون لها؟
- أطلقنا هذا التحديث الرائع نتيجة لزيادة عدد المستخدمين كما ترى 14 في المائة في أوروبا، وما يقرب من 9 ملايين في الشهور الأخيرة في الربع الأخير من العام. وتأتي هذه النسخة في سبيل إتاحة خدمة «تويتر» لأكبر قدر ممكن من المستخدمين مهما كانت الأجهزة التي يمتلكونها. وهذا مفيد بشكل خاص لتصفح الموقع من الهواتف المحمولة وخاصة القديمة منها، ومفيد أيضاً في التصفح عبر شبكات الإنترنت البطيئة، حيث أصبح من الممكن تصفح الموقع بشكل أسرع على تلك الشبكات، بالإضافة إلى التحسينات في السرعة. وبدأنا تجربة إطلاق التحديث من الهند لاحتياجها لهذه الخدمة، ونحن حريصون على أن نوفر لهم الفرصة للتعبير عن أنفسهم كباقي رواد شبكة التدوين المصغر في جميع أنحاء العالم.
أما بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، فسرعة الإنترنت بها ممتازة، ولكن يمكنهم الاستفادة أيضا من هذا التحديث. دعني أضرب لك مثالا بمصر والمغرب، سرعة الإنترنت بهما ليست بجودة السرعة بالسعودية، ولكن المستخدم يستطيع استخدام هذه الميزة عندما يكون داخل إحدى هذه الدول التي تتوفر بها الخدمة الجديدة.
* كم عدد مستخدمي «تويتر» في منطقة الشرق الأوسط؟
- لدينا نمو كبير في عدد المستخدمين، والذي قفز بزيادة وصلت لـ9 ملايين مستخدم، لنقترب من 328 مليون مستخدم على مستوى العالم. أود أن أؤكد لك أن السوق السعودية من أكبر 10 أسواق لدينا على مستوى العالم، ومنطقة الشرق الأوسط مهمة للغاية بالنسبة لنا.
* ما وضع الشركة المالي هذا العام، في ظل ما سمعناه من أن رئيس الشركة جاك دورسي اشترى نصف مليون سهم مؤخرا، هل لذلك تأثير على الشركة وأدائها وإيراداتها في المستقبل القريب؟
- في الحقيقة لا يمكنني الحديث بالنيابة عن جاك. ما أستطيع قوله، هو تعليق جاك نفسه على هذا الأمر، عندما صرح بأنه فعل ذلك لثقته في منتجنا؛ لأننا لدينا خريطة طريق واضحة علينا تنفيذها والمضي قدما بها. الآن لدينا منتج يستخدمه أكثر من 328 مليون شخص حول العالم، وكل يوم في زيادة؛ لأن الناس يغردون في كل مكان، لذلك فهذه الخطوة من مديرنا تعكس مدى ثقته في خطتنا وفريق عملنا، وفي قوة منصتنا.
* ما أحدث مشروعاتكم؟
- نعم، أود إخبارك أننا قد أعلنا في شركة «تويتر» عن تعاون جديد مع موقع «بلومبيرغ» الأميركي، كجزء من خططنا لبث مقاطع الفيديو المباشرة على مدار 24 ساعة. وتنص الشراكة الجديدة على أن موقع «بلومبيرغ» سيعمل على إنتاج برامج إخبارية خصيصا لـ«تويتر»، تمزج بين الأخبار المباشرة المقبلة من مكاتب «بلومبيرغ» العالمية ومقاطع الفيديو التي يتم نشرها من قبل مستخدمي «تويتر»، وبهذا الشكل سيكون هناك تدفق للأخبار على مدار الساعة، وسيتم دعم الخدمة من قبل الإعلانات على نطاق واسع. وسوف تركز الخدمة على أهم الأخبار بالنسبة للجمهور في جميع أنحاء العالم، وهذه الخطوة ستساعد في الوصول إلى الجماهير التي لا تشاهد التلفزيون. نحن نعمل في «تويتر» على الدخول أكثر في عالم البث المباشر والحصول على شراكات مع كثير من المؤسسات الإخبارية المختلفة.



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.