أحلام أكراد سوريا.. وهواجسهم

حققوا مكاسب عسكرية وعززوا وجودهم الجغرافي والسياسي.. لكن الهدف التالي يبدو غامضا

أحلام أكراد سوريا.. وهواجسهم
TT

أحلام أكراد سوريا.. وهواجسهم

أحلام أكراد سوريا.. وهواجسهم

وضعت المكاسب الحربية التي حققها الأكراد في شمال شرقي سوريا، وتعزيز وجودهم الجغرافي والسياسي في البلد الذي مزقته الحرب، القوى الإقليمية في مأزق حقيقي. واختلفت الرؤى حول تلك الخطوة بين مؤيد ومتحفظ ومعارض، حتى بين الأكراد أنفسهم الذين رآها بعضهم على أنها انجراف إلى محور إقليمي يدعم الأسد ولكنهم ينفون ذلك.
وعانى الأكراد من الاضطهاد في عهد الرئيس السوري بشار الأسد ومن قبله والده ويعتبر بعضهم الحرب الأهلية بمثابة فرصة للحصول على نوع من الحكم الذاتي يتمتع به أبناء عرقهم في العراق المجاور.
وتدخل القضية الكردية بسوريا حاليا إلى منعطف تاريخي مع قرب إعلان وشيك لتشكيل إدارة ذاتية (حكومة مؤقتة) بالمناطق الكردية المحررة من قبضة النظام السوري، لإدارة شؤون المنطقة، وهو ما يثير المخاوف أكثر. وتستعد أحزاب الهيئة الكردية العليا، وهي تحالف عريض من مجموعة أحزاب كردية، لتشكيل الإدارة الجديدة، وظلت تعقد اجتماعات متواصلة من أجل تحقيق هذا الهدف.
وتتكون الهيئة الكردية العليا من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بقيادة صالح مسلم الذي يسيطر على مقاليد الأمور بالمنطقة، ويقود مجموعات مسلحة تحت اسم قوات الحماية الشعبية، وبين أحزاب تقليدية انضمت إلى المجلس الوطني الكردي ومجموعها 11 حزبا، انشقت عنه أربعة أحزاب وشكلت اتحادا سياسيا بقيادة رئيس الحزب الديمقراطي الكردي (البارتي) جناح عبد الحكيم بشار، الموالي للزعيم الكردي العراقي مسعود بارزاني.
ويؤكد الدكتور جعفر عكاش ممثل حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري لـ«الشرق الأوسط»، عزم الأكراد في تشكيل الإدارة الجديدة، ويقول في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، «نحن ماضون إلى مؤتمر السلام حول سوريا (جنيف2)، ولكن قبله سنعلن عن تشكيل الإدارة الذاتية بمناطقنا». وأشار إلى أن «الحزب ومجموعات أخرى من الأحزاب والفعاليات والمنظمات السياسية والشعبية والمهنية تجتمع منذ عدة أيام بمدينة القامشلي للتباحث حول وضع اللمسات الأخيرة لمشروع (الإدارة الذاتية) التي ستكون على شكل حكومة محلية ستتولى إدارة شؤون المناطق المحررة من قبضة النظام الحاكم بدمشق، وتضم الإدارة ممثلين عن جميع القوى السياسية والمكونات القومية والدينية مثل أحزاب المجلس الوطني والهيئة الكردية العليا وكذلك الفعاليات والتنسيقيات المحلية، إلى جانب ممثلين عن المكونات المسيحية والآشورية والسريانية والعرب أيضا، ومن خلال هذه الإدارة سيتم اختيار أعضاء الوفد الكردي الذي سيشارك بمؤتمر جنيف2».
ويؤكد عكاش أن مطالب الأكراد الأساسية تتركز في «تحقيق الديمقراطية وترسيخ الحقوق القومية المشروعة للكرد وتأكيد مبدأ الشراكة السياسية وحق ممارسة الثقافة الكردية ورفع الغبن الحاصل على هذا الشعب طوال السنوات الماضية، وإقرار مشاركتهم بإدارة الحكم في المستقبل وفقا لتمثيلهم الشعبي وحجمهم السكاني»، مشيرا إلى أن هذه المطالب ستكون أهم الأجندات أو المطالب التي سيبحثها الوفد الكردي مع الأطراف الدولية المشاركة في مؤتمر جنيف.
لكن الصدام بين الهيئة الكردية التي تضم معظم الأحزاب الكردية المنضوية تحت راية المجلسين الوطني الكردي السوري وشعب غرب كردستان، وبين حزب عبد الحكيم بشار الموالي لحزب بارزاني بإقليم كردستان، ما تزال مستمرة، وتقف عائقا أمام توحيد الجهود الكردية. يقول ممثل حزب الاتحاد الديمقراطي «الخلافات مستمرة، فهم لا يريدون العودة إلى البيت الكردي الموحد، بل إن لديهم رغبة حاليا بالمشاركة في مؤتمر جنيف بالانضمام إلى الائتلاف السوري وهم لا يريدون الذهاب معنا كفريق كردي واحد».
والأوضاع في المناطق الكردية بسوريا التي يعتبرها الأكراد الجزء الغربي من كردستان الكبرى، مرشحة لتطورات مذهلة في المستقبل القريب على أثر تداعيات الثورة السورية المندلعة منذ أكثر من سنتين والتي أحدثت تغييرا بطبيعة الخارطة السياسية المعروفة عن تلك المناطق وظهور قوة سياسية جديدة، كانت لفترة طويلة منزوية بعيدا عن الحراك السياسي هناك، ويقصد بها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي يعد حاليا جناحا سوريا لحزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا.
ومع وقع تلك الأحداث تنامت قوة هذا الحزب بشكل غير متوقع، حتى سبق دوره السياسي وتأثيره على الشارع الكردي أكثر بكثير من دور معظم القوى السياسية التقليدية التي تأسست بهذا الجزء السوري منذ عشرات السنين.
ويتجه هذا الحزب حاليا وبخطى حثيثة نحو إعلان حكومة مؤقتة، قد تقود في النهاية حسب المراقبين إلى إنشاء أول دولة كردية مستقلة بجزء من كردستان، أو على أقل تقدير تأسيس كيان كردي شبه مستقل على غرار تجربة إقليم كردستان العراق، ما يرشح لحدوث تغيير كبير على الخارطة السياسية والوضع الإقليمي.
وتعني مكاسب الأكراد بالنسبة للرئيس السوري بشار الأسد انتزاع المزيد من الأراضي من قبضة مقاتلي المعارضة، ومن ناحية أخرى تأمل القوى الأجنبية الداعمة للمعارضة في أن يوجه الأكراد ضربة للمقاتلين المرتبطين بتنظيم القاعدة الذين ظل نفوذهم يتصاعد في شمال سوريا على مدى شهور.
ولا تقف المكاسب الحربية الكردية عند حد تهديد وحدة سوريا فحسب بل كذلك تزعزع استقرار الدول المجاورة التي تعاني من نفس الانقسامات العرقية والطائفية.
ويزيد عدد الأكراد على 40 مليون نسمة موزعين على أربع دول، وغالبا ما يوصفون بأنهم أكبر جماعة عرقية لا دولة لها. وتضم الأراضي التي يهيمنون عليها وتعرف باسم كردستان أجزاء من تركيا وإيران وسوريا والعراق.
وبدأت تركيا عمليات الحفر لوضع أساسات جدار على طول جزء من حدودها مع سوريا الشهر الماضي، وعزت ذلك إلى دواع أمنية ولكنه أثار احتجاجات من الأكراد الذين قالوا إنه يهدف إلى الحيلولة دون تقارب العلاقات عبر الحدود بين المنطقتين الكرديتين في البلدين.
ولا شك أن تعزيز موقف الأكراد في سوريا يضع تركيا في موقف صعب في الوقت الذي تحاول فيه تحقيق السلام على أرضها مع حزب العمال الكردستاني الذي قاتل من أجل الحصول على حكم ذاتي أكبر للأكراد في جنوب شرقي تركيا طوال ثلاثين عاما.
وتزداد هواجس دول الإقليم التي ترى في نجاح أي تجربة بحكم ذاتي لأكراد سوريا تهديدا لأمنها الإقليمي وخاصة تركيا، على اعتبار أن تكرار تجربة مشابهة لإقليم كردستان العراق، قد يغري الجزأين المتبقيين من كردستان (تركيا وإيران) على التحرك نحو هدف مماثل، ما ينعش الآمال باستقلال الدولة الكردية الموحدة.
ولذلك فإن الدور التركي حاليا يعتبر عامل حسم للوقوف بوجه السقف الأعلى للتطلعات الكردية وخاصة بالجانب السوري.
ومن هذا المنطلق فإن الكثير من المراقبين والمحللين السياسيين يعتبرون أن ما يجري حاليا من تطورات ميدانية ووجود نشاطات معادية من قبل جبهة النصرة ودولة العراق والشام الإسلامية، وخوضهما حربا ضروسا ضد المواطنين الكرد بالجزء السوري، إنما هو بدفع من تركيا. وفي هذا الإطار تعتقد معظم القيادات الكردية السورية، أن تركيا في وقت تسعى فيه لعزل أكرادها عن الأكراد السوريين ببناء جدار عازل، تدعم في جانب آخر جبهة النصرة بحربها المعلنة ضد الأكراد، بدليل أن قوات هذه الجبهة استخدمت المدرعات والأسلحة الثقيلة في معاركها ضدهم. وتتهم تلك القيادات تركيا بفتح معابرها الحدودية بوجه تدفق المقاتلين الإسلاميين المتشددين المقبلين من أفغانستان وباكستان وغيرهما من الدول العربية التي تنطلق من مدينتي غازي عينتاب وأنطاكيا نحو الأراضي الكردية بسوريا.
الحرب الدائرة حاليا وبضراوة بين المقاتلين الإسلاميين وقوات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، من شأنها أن تكشف عن ملامح المرحلة المقبلة خصوصا مع النجاحات التي حققتها قوات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي بتحرير مساحة كبيرة من الأراضي الكردية من يد الجماعات الإسلامية المتطرفة (داعش والنصرة) وفشل هذين التنظيمين في إحكام سيطرتهما على المناطق التي تمكنا خلال الفترة الماضية من السيطرة عليها بسبب فقدانهما للحاضنة الشعبية، والتفاف المواطنين حول قوات الحماية الشعبية الكردية.
هذه الأحداث تكرس واقعا جديدا يصعب على بعض الأطراف الإقليمية والكردية استيعابها، وخاصة تركيا والأحزاب الكردية السورية الموالية لحزب بارزاني الذي يصطدم حاليا مع حزب الاتحاد الديمقراطي السوري على خلفية منع رئيس الحزب صالح مسلم من استخدام أراضي الإقليم معبرا له للسفر إلى الخارج.
وهناك جهود تبذل حاليا لإجراء مصالحة بين الحزبين من أجل توحيد الجهد الكردي في مؤتمر جنيف المقبل، ولكن المؤتمر القومي الكردي الذي كان يفترض انعقاده في 24 من الشهر الحالي والذي كان يتوقع أن يتولى مهمة المصالحة قد تأجل إلى إشعار آخر بسبب الصدام القائم بين قيادة الحزبين الكرديين.
وتبدو الخلافات عميقة بين حزب بارزاني وحزب الاتحاد الديمقراطي السوري، على الرغم من الموقف القوي الذي أبداه الزعيم الكردي العراقي مسعود بارزاني قبل عدة أشهر أثناء احتدام المواجهة بين حزب الاتحاد وجبهة النصرة واستعداده لتقديم كل أشكال الدعم لهذا الحزب لمواجهة الجماعات المتطرفة بالمناطق الكردية.
المتحدث الرسمي باسم المكتب السياسي لحزب بارزاني، جعفر إيمينكي أكد في تصريح سابق لـ« الشرق الأوسط» أن «قيادة إقليم كردستان لن تقبل تحت أي ظرف أن تعود جرائم الإبادة التي اقترفها النظام البعثي السابق بالعراق مرة أخرى وتهدد شعبنا بأي مكان كان، ولن نقبل مطلقا بالسكوت عن تحركات جهات أو منظمات إرهابية تحاول إبادة أو قتل أبناء شعبنا». ولخص إيمينكي نوعية الدعم الذي بإمكان قيادة كردستان أن تقدمه لأكراد سوريا قائلا «الدعم سيكون شاملا، بما فيه الدعم اللوجستي لمقاتلي حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (بي واي دي) وجميع الثوار الذين يدافعون عن أرض كردستان سوريا». لكن هذا الموقف المساند لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي تحول اليوم إلى ما يشبه العداء السافر من خلال وضع القيود على تحركات رئيس هذا الحزب عبر إقليم كردستان العراق، لم يمنع قيادة الاتحاد الديمقراطي من المضي بمشروعه في إقامة الحكومة المحلية الذي يرى شيرزاد اليزيدي الناطق الرسمي باسم مجلس شعب غربي كردستان وهو الواجهة السياسية لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي أنه «أمر لا بد منه وأصبح في غاية الأهمية، حيث إن المواطنين في المناطق الكردية بحاجة ماسة إلى إدارة محلية تنظم شؤونهم وتؤسس لمرحلة جديدة من حياتهم السياسية». ويضيف «علينا أن ننظم شؤوننا الاقتصادية والإدارية بما يلبي طموحات شعبنا ويتناسب مع التضحيات التي قدمها، فلا يمكن أن ننتظر منة أو صدقة من الآخرين، علينا أن نبادر بتنظيم أنفسنا وننشئ كياننا الإداري الذاتي، وعندما تتحرر سوريا من النظام الحالي عندها سننضم إلى مجموع الشعب لاختيار شكل النظام الذي يناسب البلد ويتفق عليه جميع السوريين».
ويقول الناشط الكردي بيروز بيريك من مدينة القامشلي السورية «ما ترونه هو انقسام أوضح لشمال سوريا بين حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات المعارضين الإسلاميين». وتقول التقارير الميدانية إن قوات حزب الاتحاد الديمقراطي سيطرت على أكثر من ثلثي الأراضي الكردية في سوريا ومعظمها في محافظة الحسكة بشمال البلاد حيث يشكل الأكراد 70 في المائة من سكان المحافظة والباقي من العرب. ويشير المراقبون إلى أن قوات الاتحاد قد تحاول السيطرة على بلدات شمالية يشكل فيها الأكراد أقلية مقارنة بالعرب مثل بلدتي جرابلس واعزاز الحدوديتين الاستراتيجيتين اللتين استخدمهما مقاتلو المعارضة كطرق لنقل الإمدادات من تركيا. ومن المرجح أن تثير مثل هذه الخطوة ردا عنيفا من مقاتلي المعارضة السورية. ويقول ريدور خليل المتحدث باسم الميليشيا الكردية المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي «لا أقول إننا سنفعل ذلك.. دعونا نأخذ الأمور في حينها. فلننتظر لنرى ما إذا كانت الجماعات المسلحة (مقاتلو المعارضة) ستضمن للأكراد حركة آمنة في تلك المنطقة أولا».
ويلتفت الأكراد الآن إلى مدينة تل أبيض التي تمثل طريقا مهما عبر الحدود مع تركيا يمكن استخدامه في نقل الإمدادات. ومدينة راس العين الحدودية التي سيطر عليها الأكراد بالفعل هذا الأسبوع لا تقل أهمية عن تل أبيض.
الحلم الكردي:
يقول شلال كدو القيادي بحزب اليسار الديمقراطي عضو المجلس الوطني الكردي «إن ما يشاع بأن الكرد يسعون إلى الانفصال عن سوريا وتقسيمها محض هراء، فهذه التهمة القديمة الجديدة - يستهدف مروجوها من وراء إطلاقها تأليب الرأي العام العربي على شعبنا الكردي وحقيقة طموحاته الهادفة إلى التعايش الأخوي بين مختلف المكونات السورية على أساس عقد اجتماعي يضمن حقوق الجميع في سوريا تعددية ديمقراطية برلمانية». وأضاف «لا يوجد فصيل سياسي كردي سوري واحد يطالب بالانفصال عن سوريا، بل إن الكرد عموما يفتخرون بانتمائهم الوطني رغم أن الآخرين يحاولون من الآن أن يبقوهم مواطنين من الدرجة الثانية في سوريا المستقبل، الأمر الذي يرفضه شعبنا جملة وتفصيلا».
ويقول كدو «إن تأسيس إدارة انتقالية تشاركية بين مختلف أطياف ومكونات إقليم كردستان سوريا في هذه المرحلة المصيرية أمر في غاية الأهمية، كون معظم المدن الكردية خارجة عن سيطرة النظام، وهناك فراغ إداري ومالي وأمني وقانوني كبير، ولا مناص من بذل الجهود لملء هذا الفراغ من خلال تشكيل إدارة انتقالية مشتركة، مهمتها وضع مسودة دستور والتحضير لانتخابات برلمانية نزيهة وشفافة تحت إشراف المنظمات الدولية، وبالتالي تأليف حكومة محلية لتسيير أمور سكان هذه المناطق البالغ عددهم زهاء أربعة ملايين نسمة، ويجب أن لا ننسى أن تشكيل هكذا إدارة يحتاج قبل كل شيء إلى تحقيق أقصى درجات التوافق الكردي الكردي بين المجلسين الكرديين».
من جهته يقول المنسق السياسي والإعلامي في الجيش السوري الحر، عضو الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، لؤي المقداد لـ«الشرق الأوسط» إن «الجيش الحر والمعارضة السورية ينظران إلى الأكراد على أنهم مكون أساسي من مكونات المجتمع السوري، وهم شركاؤنا في الوطن وفي المعاناة من نظام الأسد، الأب والابن، طيلة عقود». وأشار إلى «إننا نعلم جيدا كيف تعاطى النظام معهم، وكيف حرمهم من حقوقهم على مدى أعوام طويلة، ونحترم خصوصيتهم بشكل كامل».
ولفت المقداد إلى «وجود تشكيلات عسكرية، غالبيتها من الأكراد، على غرار (لواء الشهيد مشعل تمو) تقاتل في صفوف الجيش الحر»، مشيرا إلى «ارتكاب بعض التنظيمات الكردية المسلحة تجاوزات بحق مواطنيها نتيجة اتفاقها مع النظام السوري، على غرار ما قامت به تشكيلات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي لناحية قمعها المظاهرات الكردية التي خرجت في مناطقها».
وشدد المقداد على «إننا لا نقبل بسفك الدم الكردي، كما لا نقبل بسفك الدم العربي»، مؤكدا «الرفض المطلق لما ارتكبته جبهة النصرة وتنظيم دولة الإسلام في العراق والشام وبعض الكتائب غير المنضبطة بحق إخواننا الأكراد، وفي الوقت نفسه نناشد الإخوة الأكراد من مختلف الأطياف أن يستجيبوا لنداء الوطن ويغلبوا المصلحة العامة للقضية السورية على المصالح الضيقة والحسابات الآنية».
وآمل المقداد أن تكون المرحلة المقبلة، بعد توقيع اتفاق بين «الجيش الحر» و«الهيئة الكردية العليا»، مرحلة «وئام بين مكونات الشعب السوري وأن تكون البندقية موحدة وموجهة ضد نظام الأسد»، مؤكدا أن «الجيش الحر يتعامل مع سوريا ككتلة واحدة، ولا فرق لديه بين منطقة كردية أو علوية أو ساحلية، لأننا جميعا ثائرون على نظام واحد، من مختلف الأراضي السورية».
وقال المقداد «إننا حين ننظر إلى سوريا، فنحن ننظر إلى الدولة الديمقراطية التي يعيش فيها كل أبنائها بكامل حقوقهم وواجباتهم، ولا فرق بين سوري وآخر على أساس ديني أو قومي أو طائفي»، مشددا على أن سوريا هي «الوطن الأزلي لكل السوريين». وأكد رفض «انفصال أي فصيل أو مكون، سواء أكان كرديا أو علويا أو درزيا أو سنيا»، موضحا «إننا لن نقبل بتنظيمات عابرة للحدود ولا بتقسيم سوريا إلى كيانات عدة، لكننا في الوقت ذاته نصر على مسألة الحقوق والمساواة بين العرب والأكراد الذين يتمتعون بكامل خصوصيتهم القومية».
ويشير نواف خليل عضو الهيئة الإعلامية في الحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، إلى أن الأكراد في سوريا هم في رأس سلم المعارضة ضد النظام، وقال لـ«الشرق الأوسط» «نحن على تواصل مع المعارضة العسكرية المتمثلة بالجيش الحر ونقف مع كل مجموعة تقبل بوجودنا وحقوقنا، ولنا فيه لواء خاص يحمل اسم (لواء جبهة الأكراد)، وعلاقتنا جيدة مع عدد كبير من الفصائل، لكن نخوض معارك طاحنة ضد بعض المجموعات الإسلامية ولا سيما جبهة النصرة والدولة الإسلامية في الشام والعراق». ولفت خليل، إلى أنّ ما يعرف بـ«وحدات حماية الشعب» التابعة للحزب الديمقراطي الكردي خاضت معارك كثيرة إلى جانب الجيش الحر، ولا سيما في حلب وكان آخرها، اعتقال عدد من عناصر قوات النظام إثر معركة السيطرة على مطار منغ العسكري.
وأبدى خليل، استغرابه لما قال إنه تناقض في تصريحات المعارضة السورية، التي تدعم ما تقوم به جبهة النصرة حينا، وتتّهم النظام بدعمها حينا آخر، مضيفا «سبق لوحدات حماية الشعب وجبهة النصرة أن وقعا اتفاقا في فبراير (شباط) الماضي، ينص على عدم التعدي أو الدخول إلى المناطق الكردية إلا بالتنسيق مع هذه الوحدات، لكن لم يتم التقيد بهذا الاتفاق من قبل الإسلاميين».
وفي حين اعتبر الخليل أنّ الأكراد لم ولن يكونوا إلى جانب النظام السوري الذي عانوا من ظلمه أكثر من خمسين عاما، لفت إلى أنّ الهدف اليوم هو طرد الإسلاميين الذي اختاروا المنطقة والهدف الخطأ، مضيفا «نجحنا في طرد قوات النظام واليوم نعمل على طرد الإسلاميين، مع تأكيدنا على أننا ندافع عن أنفسنا ولا نهاجم أحدا». وفيما يتعلّق بالمعارضة السياسية، التي لا يزال الأتراك خارج ممثلها الأساسي، وهو الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، تمنى الخليل أنّ تعيد قوى المعارضة النظر في سياستها وتضع خارطة طريق جامعة للعمل مع كل الفرقاء للوصول إلى سوريا حرة ديمقراطية. ونفى الخليل أي «أهداف انفصالية» يسعى إليها أكراد سوريا، قائلا «مشروعنا اليوم هو الإدارة الذاتية لتأمين متطلبات شعبنا وليس الانفصال، وبعد سقوط النظام وإجراء الانتخابات لن يقبل الكردي إلا أن يكون كأي مواطن سوري مع تمسكنا بهويتنا القومية والحصول على حقوقنا».



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.

عاجل مسؤول إيراني لـ«رويترز»: مقتل نحو 2000 شخص في الاحتجاجات