الشيف تيري باماس: «صانعو الحلويات مهندسون من نوع آخر»

الشيف تيري باماس: «صانعو الحلويات مهندسون من نوع آخر»

تأثر بطعم حلويات جدته المغربية فحصد لقب التميز في فرنسا
الأحد - 25 شعبان 1438 هـ - 21 مايو 2017 مـ
حلوى لذيذة وجميلة - حلويات تشبه الأعمال الهندسية - الشيف تيري باماس مع حلوياته المميزة

التحدث مع شيف الحلويات الفرنسي تيري باماس هو بمثابة رحلة سفر تتنقل فيها ما بين المغرب وفرنسا. فباماس، الحائز على لقب التميز من قبل الدولة الفرنسية في عام 2011، المعروف عالمياً بـ«أفضل عامل فرنسي» (meilleur ouvrier de France)، مضى على مشواره في هذا المجال نحو 30 عاماً. إلا أنه، وكما ذكر لنا، ما زال يشعر بأنه هاو مبتدئ حريص على تقديم الأفضل، من خلال وصفات حلويات قديمة قام بتجديدها مرتكزاً على نكهات حلويات مغربية كانت تصنعها له جدته، عندما كان في العاشرة من عمره.
«هي حلويات بسيطة وشهية في الوقت نفسه، وكانت جدتي تصنعها على طريقتها بتقنيتها الغريزية. لم أكن أراقبها يوماً أثناء تحضيرها لتلك الحلويات، التي عادة ما كانت تتألف من البسكويت مع العسل، أو الكيك بالليمون واللوز. ولكن طعمها حفر في ذاكرتي حتى اليوم، وكان حافزاً غير مباشر لأقوم بتحديث حلويات فرنسية معروفة عبر التاريخ». يقول الشيف تيري باماس، الذي التقيناه في ملتقى «هوريكا» استضافته بيروت أخيراً، إنه على الرغم من كونه فرنسي الجنسية، فإنه لم يستطع أن يتخلى يوماً عن أصوله المغربية، ويضيف: «هي قصة حب وطن لا نستطيع أن نمحوها بين ليلة وضحاها، أحمل الكثير من الذكريات لبلد جذوري المغرب. وخلال زيارتي إلى بلدكم لبنان، لمست هذا التقارب الكبير بين البلدين، لا سيما تلك الخاصة بصناعة الحلويات».
عاش الشيف الفرنسي في مدينة مرسيليا الفرنسية، إلا أن أولى انطلاقاته في عالم الحلويات كانت من منطقة بيرينيه، وبالتحديد في مدينة جيرو لي بان، في مطعم يعود لجان بول هارتمن، أحد أشهر الطهاة الفرنسيين، الحائز على «نجمة ميشلان» العالمية. وعن ذلك، يقول: «هناك، كونت خبرتي الحقيقية في عالم صناعة الحلوى، فمهما جاهدنا ودرسنا في مهنتنا، تبقى ممارسة العمل في المطاعم هي الأهم للتزود بخبرة حقيقية نابعة من الأرض مباشرة، وليس من الكتب الكلاسيكية التي يدرسوننا فيها في المعاهد والجامعات».
وأضاف إلى خبرته هذه أخرى أمضاها إلى جانب طاه فرنسي آخر مشهور، باتريس دي مانجيل، مما عزز لديه هذه الموهبة، وساهم في تطورها. «لقد تعلمت الكثير من وقوفي إلى جانب أشخاص كالذين ذكرتهم لك، فالعمل في المطاعم لا يشبه أبداً ذلك الذي نمارسه في محل صغير لبيع الحلوى، فالآفاق تكون أوسع، وقدرتنا على الابتكار تأخذ حيزاً أكبر، مما يدفعنا إلى تقديم الأفضل»، يقول الشيف باماس.
ويضيف: «من الجيد جداً أن نطور في وصفاتنا، ونعطيها طابعاً حديثاً شرط المحافظة على أصولها وهويتها. فنحن نمارس نوعاً من لعبة معينة، ونقوم بعملية تتبيل الخلطات ونسيج الأطباق، ويبقى الطعم هو سيد الموقف دائماً».
تقول إن الطعم هو الأهم، ولكننا نلاحظ اليوم اهتماماً كبيراً بالشكل الخارجي لطبق الحلوى، فما رأيك؟ «لا شك أن مجال صناعة الحلويات تطور بشكل لافت، إلى حد جعلنا نخفف من طعم السكر، ونكثر من المذاق الأسيدي في المقابل. كما أن استخدام الألوان والأشكال الجميلة هما أيضاً من عناصر تطور الحلويات الحديثة. شخصياً، لا يزعجني هذا التطور ما دام يدور في فلك الحلوى الخفيفة غير الدسمة، كما أننا نشعر بتجددها هذا من خلال ارتدائها زياً مغايراً تماماً عن الذي عرفناها فيه في الماضي، والذي تعبنا من مشاهدته لسنوات طويلة. فصار يحمل في طياته كثيراً من النضارة والأناقة معاً، وهما بمثابة مرآة الشيف الذي يحضرها. فهذا الأخير أصبح يتمتع بمستوى تعليمي أهم، وبثقافة عالية، وحتى بخطوط عريضة هذبت أعماله، وزادت من تألقها».
تجربة هذا الشيف، الحائز على بطولة العالم لصناعة الحلويات مع المثلجات خلال مسابقة أقيمت في إيطاليا (ريميني) عام 2010، ورغم النجاح الكبير الذي حقّقه فيها، يرى أن وصفات الحلوى التي ابتكرها هي التي تسبق اسمه، ويوضح: «أنا أقف دائماً وراءها، فهي التي صنعت اسمي. وعندما أجدد في وصفاتي، تكون هي ملهمتي، من خلال مواد ومكونات أصادفها يومياً في عملي».
علم تيري باماس أجيالاً جديدة من طلاب الجامعات الخاصة في هذه المهنة، وحالياً يملك محلاته الخاصة «التي تحمل اسم تيري باماس للحلوى»، في منطقة بيرينيه (مدينة Anglet) الفرنسية، وهي تلقى إقبالاً شديداً من قبل الزبائن الذين يقصدونه خصيصاً لتذوق حلوياته المستحدثة، من «ماكارون» و«تورتة الليمون الحامض» و«إيكلير بالشوكولاته»، المشهور بصنعها.
أما قواعد صناعة الحلوى، حسب رأيه، فترتكز على أمرين مهمين: السماكة والأوزان. «هي قصة خليط متكامل من الكريمة والسكر الخفيف والنسيج المتجانس تطرز الرسائل التي أرغب في إيصالها إلى الزبون في طبق حلوى ما، وأن يتلذذ في تذوقها».
إذن هو عمل يشبه إلى حد ما مهنة الكيميائي؟
«لا، بل أجده قريباً، إلى حد كبير، من الهندسة. فالحلواني يضع هيكلية خاصة بأطباقه، لتكون متماسكة بحيث لا تفقد أيا من عناصرها. هي عمل هندسي من نوع آخر، يتعلق بالمذاق أولاً، الذي من شأنه أن يروي قصصاً صغيرة ورسائل حلوة نتلقاها بواسطة حاسة الذوق، فإما نتأثر بها، وإما العكس».


فرنسا المغرب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة