برامج «الإسلامي للتنمية» تنشط اقتصاد دول المنطقة

3 مليارات دولار لمصر و100 مليون للأردن... ودعم القطاع المصرفي السوداني

جانب من الاجتماع السنوي الـ42 لمجموعة البنك الاسلامي للتنمية الذي عقد في جدة
جانب من الاجتماع السنوي الـ42 لمجموعة البنك الاسلامي للتنمية الذي عقد في جدة
TT

برامج «الإسلامي للتنمية» تنشط اقتصاد دول المنطقة

جانب من الاجتماع السنوي الـ42 لمجموعة البنك الاسلامي للتنمية الذي عقد في جدة
جانب من الاجتماع السنوي الـ42 لمجموعة البنك الاسلامي للتنمية الذي عقد في جدة

على هامش الاجتماع السنوي الـ42 لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية، الذي عقدت أعماله في مدينة جدة السعودية في الفترة بين 14 و18 مايو (أيار) الحالي، خرج عدد من العواصم العربية بمكاسب عدة انصبت في تنشيط اقتصاداتها ودعم القطاعات المتخلفة التي تسهم في تحسين المعيشة لمواطني المنطقة.
وفي هذا الإطار، التقت الدكتورة سحر نصر، وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي المصرية، بالدكتور بندر حجار، رئيس مجموعة البنك الإسلامي للتنمية، على هامش الاجتماع. وناقش الجانبان، دعم البنك الإسلامي للتنمية لجهود الوزارة في تحسين مناخ الاستثمار في مصر، وتحسين بيئة الأعمال بما يسهم في جذب مزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية وتعظيم فرص الشراكة مع القطاع الخاص، إضافة إلى بحث آخر إجراءات افتتاح مقر للبنك في القاهرة.
وأشادت الوزيرة، بحجم محفظة التعاون مع البنك التي وصلت إلى ملياري دولار، وفي هذا الإطار، أوضح رئيس البنك، أنهم بصدد إعداد استراتيجية تعاون جديدة مع الحكومة المصرية بإجمالي تمويل 3 مليارات دولار لثلاث سنوات في الفترة من 2017 إلى 2019. وأكدت الوزيرة ضرورة أن تضع هذه الاستراتيجية في أولوياتها تلبية احتياجات المواطنين وتتوافق مع برنامج الحكومة، بما يدعم الاقتصاد المصري ويحسن مستوى معيشة المواطن، سواء من الناحية الاجتماعية والصحية والاقتصادية.
وأشارت الوزيرة إلى أولويات الحكومة في التمويل لعام 2017، التي تتمثل في مجالات المشروعات الصغيرة والمتوسطة والصحة والإسكان والصرف الصحي والزراعة واستصلاح الأراضي.
عقب ذلك، التقت الوزيرة، مع المهندس هاني سنبل، رئيس مجلس إدارة المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة، حيث بحث الجانبان، تعزيز التعاون من خلال برنامج جسور التجارة العربية الأفريقية، الذي يهدف إلى تعزيز الشراكات الاستثمارية بين الدول العربية والأفريقية، واجتذاب استثمارات مباشرة لمصر التي تعد بوابة الدخول إلى السوق الأفريقية.
ووقعت وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي، أول من أمس (الخميس) مع خالد العبودي، الرئيس التنفيذي للمؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص، مذكرة تفاهم بشأن التعاون لتطوير وتمويل استثمار مشروعات البنية التحتية في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وأوضحت الوزيرة أن مذكرة التفاهم تأتي في إطار جهود الحكومة المصرية ممثلة في وزارة الاستثمار والتعاون الدولي في تشجيع الاستثمار ودعم وتوسيع دائرة مجموعة المستثمرين من القطاع الخاص في مصر وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص بما يسهم في تمويل مشاريع البنية التحتية والمشروعات الكبرى.
وذكرت الوزيرة أن برنامج التمويل يهدف إلى تخفيف الضغوط على الموازنة العامة للدولة وتسريع تنفيذ وتشغيل مشروعات البنية التحتية بمعدلات أعلى بواسطة القطاع الخاص، عبر حشد الموارد والخبرات الفنية لهذه المشروعات مثل مباني ومنشآت المدارس، ومباني ومنشآت الرعاية الصحية من مستشفيات ومراكز صحية رئيسية وعيادات قروية.
من ناحية أخرى، أعلنت وزارة التخطيط والتعاون الدولي الأردنية أمس (الجمعة)، عن موافقة البنك الإسلامي للتنمية على تقديم منحة وقرض ميسر بقيمة 100 مليون دولار أميركي لتمويل المشروع الصحي الطارئ في الأردن في إطار آلية التمويل الميسر العالمية.
جاء ذلك في بيان وزعته الوزارة وعرضت فيه نتائج مشاركة وزير التخطيط والتعاون الدولي عماد الفاخوري رئيس الوفد الأردني في الاجتماع السنوي لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية.
ووفق البيان يتوزع المبلغ بواقع 79 مليون دولار قرضاً ميسراً و21 مليون دولار منحة، فيما يأتي القرض ضمن مبادرة التمويل الجديدة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا المشتركة بين البنك الدولي والأمم المتحدة والبنك الإسلامي للتنمية الموجهة تحديداً للدول المتأثرة المستضيفة للاجئين والنازحين، الذي سيكون تمويلاً لدعم الموازنة.
وتم خلال الاجتماع التوقيع على الاتفاقيات المعدلة الخاصة بالمشاريع الممولة من منحة السعودية ضمن المنحة الخليجية للأردن وفي عدد من القطاعات، وذلك بهدف الاستغلال الأمثل للمبالغ المتوفرة في المنحة ووفق الأولويات الوطنية.
وتشمل الاتفاقيات مشروع إنشاء واستكمال الأبنية المدرسية ورياض الأطفال في مناطق مختلفة، ومشروع إنشاء وتجهيز المستشفيات الحكومية، ومشروع إنشاء وتأهيل شبكات المياه والصرف الصحي، ومشروع دعم سكة حديد، ومشروع استكمال البنية التحتية في المناطق الاقتصادية التنموية، ومشروع دعم الخدمات الطبية الملكية بالأردن.
كما تم الاتفاق على قيام المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة بزيارة فنية إلى الأردن في الأسابيع القليلة المقبلة بهدف بحث سبل تفعيل الاتفاقية الإطارية بين الأردن والمؤسسة، التي توفر مبلغ نحو 3 مليارات دولار لتمويل التجارة للمؤسسات والشركات الحكومية في الأردن، والاجتماع مع المؤسسات المعنية بالتجارة والصناعة والاستثمار للاستفادة من مبادرة مد الجسور مع الدول الأفريقية، باعتبار القارة الأفريقية من الأسواق الواعدة، التي يسعى الأردن للوصول إليها بهدف زيادة الفرص التصديرية المتوفرة في الأردن.
ويعد البنك الإسلامي للتنمية بمؤسساته المختلفة شريكاً تنموياً هاماً في دعم الجهود التنموية التي تبذلها الحكومة الأردنية، وبلغ حجم المساعدات التي قدمها البنك خلال الفترة من 1975 إلى 2017 من خلال عمليات التمويل الميسرة والقروض الحسنة والمنح نحو 975.6 مليون دولار، توزعت على قطاعات الصحة والمياه والزراعة والإسكان والتعليم والطاقة والبنية التحتية والطاقة، ومكافحة الفقر ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وفي إطار تحركاته لاستعادة التعامل المصرفي مع البنوك العربية والعالمية، استعداداً لرفع الحظر الكلي ضمن العقوبات الاقتصادية الأميركية في يوليو (تموز) المقبل، بحث محافظ بنك السودان المركزي مع محافظي عدد من البنوك المركزية والمؤسسات المالية العربية، تنشيط وتطوير العلاقات المصرفية، وذلك على هامش مشاركته في الاجتماعات السنوية لمجلس محافظي البنك الإسلامي للتنمية.
وابتدر حازم عبد القادر محافظ بنك السودان زيارته للسعودية، بلقاء الدكتور أحمد الخليفي محافظ مؤسسة النقد، الذي بحث معه الاتفاقيات السابقة بشأن انسياب تحويلات المستثمرين السعوديين والمغتربين السودانيين، وضرورة الإسراع في تنشيط التعامل بين الجهازين المصرفيين في البلدين.
كما التقى محافظ المركزي السوداني بالدكتور بندر حجار رئيس البنك الإسلامي للتنمية والمهندس يوسف البسام نائب الرئيس والعضو المنتدب بالصندوق السعودي للتنمية، حيث بحث معهم سير تنفيذ المشروعات الممولة بالسودان، وتم اطلاع المجموعة على التطورات في تنفيذ مشاريع «الإسلامي للتنمية» في السودان، حيث جرت مناقشة لبرنامج الإقراض المقترح تنفيذه من البنك للسودان خلال عامي 2017 و2018. وجدد السودان في الاجتماع التزامه بما عليه في جميع برامج البنك التنموي المقترح.



قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
TT

قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، ودفعت بحلفاء واشنطن إلى التعبير عن قلقهم، اتخذت إدارة الرئيس دونالد ترمب قراراً برفع العقوبات عن النفط الروسي المنقول بحراً لمدة 30 يوماً. وبينما تسعى واشنطن من خلال هذا الإجراء إلى كبح جماح أسعار الطاقة التي اشتعلت بفعل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ترى روسيا في هذا القرار «اعترافاً» دولياً لا غنى عنه، في وقت تحذِّر فيه كييف وعواصم أوروبية من أن هذه التنازلات قد تمنح الكرملين شريان حياة مالياً لتمويل حربه في أوكرانيا.

روسيا تحتفي

تسود حالة من الابتهاج في موسكو، بعد قرار وزارة الخزانة الأميركية السماح لتجار الطاقة بشراء النفط الروسي المحمَّل بالفعل على الناقلات، دون الخوف من «العقوبات الثانوية». وقد اعتبر المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون للاستثمار والتعاون الاقتصادي، كيريل ديميترييف، أن الولايات المتحدة «أقرَّت أخيراً بالواقع»، مؤكداً أن سوق الطاقة العالمية لا يمكن أن تبقى مستقرة من دون النفط الروسي.

وفي رسالة عبر «تلغرام»، توقع ديميترييف أن يكون المزيد من تخفيف القيود «أمراً حتمياً» مع ازدياد أزمة الطاقة العالمية، رغم ما سماه «مقاومة بيروقراطية بروكسل».

معضلة التمويل

كانت العقوبات التي فرضتها واشنطن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على عملاقَي النفط الروسي: «روسنفت» و«لوك أويل»، قد أجبرت موسكو على البيع بخصومات تصل إلى 30 دولاراً للبرميل، ما أدى إلى تقلص إيراداتها بنسبة 40 في المائة في فبراير (شباط). لكن الحرب على إيران قلبت الموازين؛ إذ تضاعف سعر مزيج «أورال» الروسي ليصل إلى 80 دولاراً للبرميل، وهو ما منح موسكو إيرادات إضافية تقدر بـ150 مليون دولار يومياً. ويرى اقتصاديون أن هذه الأموال ستسمح لموسكو بموازنة ميزانيتها، وحتى البدء في تراكم الفوائض في «صندوق الثروة القومي»، مؤكداً أنه «في الصراع بين أميركا وإيران، بوتين هو الرابح الأكبر».

رافعة مضخة نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان الروسية (رويترز)

غضب أوروبي

واجه القرار الأميركي انتقادات حادة من حلفاء واشنطن؛ حيث حذَّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن هذا التنازل قد يمنح موسكو 10 مليارات دولار إضافية لتمويل الحرب، واصفاً ذلك بأنه «لا يساعد على تحقيق السلام».

ومن جانبه، أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس موقفاً حازماً بقوله: «نحن نؤمن بأن تخفيف العقوبات الآن، لأي سبب كان، هو أمر خاطئ».

في المقابل، دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن القرار، مؤيداً وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي زعم أن التأثير المالي على روسيا سيكون «محدوداً»؛ لأن معظم إيرادات الطاقة الروسية تُستمد من الضرائب عند نقطة الاستخراج، وليس من بيع الشحنات العالقة.

«توازن هش»

يرى الخبراء أن هذا القرار يهدد بتعميق الانقسامات داخل مجموعة السبع، ويخشون من أن تراهن روسيا على أن هذا الإجراء هو مجرد بداية لتفكيك نظام العقوبات بالكامل.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، تظل موسكو في موقف «توازن هش»؛ فهي تحاول الحفاظ على تحالفها مع إيران، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى تجنب أي صدام مع إدارة ترمب، آملة في لعب دور الوسيط في صراعات الشرق الأوسط، رغم أن مراقبين يرون أن فرص القيام بوساطة حقيقية تبدو ضئيلة للغاية في ظل الظروف الراهنة.

وبينما يتطلع الصقور في الكرملين إلى الفوضى التي قد تلي إغلاق مضيق هرمز، يبدو أن الكرملين يفضل حالياً عدم استفزاز البيت الأبيض، مفضلاً الاستفادة المالية من أزمة الطاقة العالمية على الانخراط المباشر في تصعيد قد ينهي قنوات الحوار مع واشنطن.


«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
TT

«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)

ذكرت شركة «هندالكو إندستريز» الهندية، أنها أوقفت إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب نقص الغاز في أعقاب انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط.

وأظهر إشعار أن الشركة المملوكة لمجموعة «أديتيا بيرلا» أعلنت حالة القوة القاهرة لجميع عملاء منتجات الألمنيوم المبثوق في 11 مارس (آذار)، حسبما ذكرت «رويترز» نقلاً عن إشعار ومصادر مطلعة.

ويستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية.

وتعاني الهند من أسوأ أزمة غاز منذ عقود، بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؛ إذ خفضت الحكومة الإمدادات للصناعات، لتجنيب الأسر أي نقص في غاز الطهي.

وقالت الشركة في الإشعار: «اتخذت (هندالكو) وتواصل اتخاذ جميع الخطوات المعقولة للتخفيف من تأثير حالة القوة القاهرة».

وقال المصدران اللذان طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لأنهما غير مخولين بالتحدث إلى وسائل الإعلام، إن مصاهر الألمنيوم التابعة لشركة «هندالكو» تواصل العمل بشكل طبيعي.


كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
TT

كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)

بينما تثير التوترات في الشرق الأوسط مخاوف عالمية من ركود اقتصادي، يبرز الدولار الأميركي استثناءً مثيراً للجدل؛ إذ أدت الصدمة الحالية في إمدادات الطاقة إلى ارتفاع قيمته بنحو 2.5 في المائة وفقاً لمؤشر الدولار؛ مما يضع العملة الأميركية في موقع المستفيد الأول من نيران الحروب. هذا الصعود، الذي قد يبدو للوهلة الأولى منافياً للمنطق في ظلِّ الأزمات، يرتكز على معادلة اقتصادية معقَّدة جعلت من «العملة الخضراء» ملاذاً إجبارياً في وجه العواصف.

الدولار عملة ملاذ... ومحرك للأسواق

في جوهر هذا الصعود، تبرز طبيعة الدولار بوصفه عملة ملاذ آمن لا يُنافَس في أسواق المال العالمية. ففي أوقات عدم اليقين، وتحديداً حينما تلوح مخاطر إغلاق ممرات حيوية، يبادر المستثمرون عالمياً إلى التخلص من الأصول عالية المخاطر والتحوط بالسيولة الدولارية. وبالتالي، فإن من شأن عقلية الحفاظ على النقد هذه أن تحول الدولار إلى وجهة إجبارية لأموال ذعرت من تقلبات الأسواق، مستمدةً قوتها من عمق النظام المالي الأميركي، وقدرته الفائقة على استيعاب الصدمات مقارنة بأي اقتصاد آخر.

رجل يسير على طول الشاطئ بينما تصطف ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز (أ.ب)

لكن القصة لا تقف عند حدود الملاذ الآمن النفسي، بل تمتد إلى طبيعة التجارة الدولية ذاتها. فالدولار يظلُّ العملة المرجعية لتسعير النفط والغاز عالمياً؛ ومع كل قفزة في أسعار الطاقة الناتجة عن الصراع، يرتفع تلقائياً حجم الطلب العالمي على العملة الأميركية، حيث تضطر الدول المستوردة للطاقة - مثل الاقتصادات الآسيوية والأوروبية - إلى زيادة مشترياتها من الدولار لتسوية فواتير استيرادها المرتفعة، مما يخلق ضغطاً شرائياً مستمراً يرفع من قيمة العملة الخضراء مقابل عملات تلك الدول التي تعاني أصلاً من استنزاف احتياطاتها.

لغز الذهب

في مقابل صعود الدولار، شهدت أسواق الذهب «لغزاً» مربكاً؛ إذ فشل المعدن الأصفر في استغلال الاضطراب الجيوسياسي لتعزيز مكاسبه. فبعد صعوده عقب بدء العمليات العسكرية مباشرة من 5296 دولاراً إلى 5423 دولاراً للأونصة، تعرَّض لعمليات بيع مكثفة هبطت بسعره إلى 5085 دولاراً.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

يوضح روس نورمان، الرئيس التنفيذي لـ «ميتالز دايلي» لشبكة «سي إن بي سي»، أن قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة سحبا البساط من تحت الذهب؛ فالمستثمرون باتوا يجدون في الأصول الأميركية ذات العائد جاذبية أكبر من الذهب غير المُدر للدخل في ظلِّ بيئة فائدة مرتفعة.

وأضاف نورمان أن ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى تضخم مطوّل وربما ارتفاع أسعار الفائدة، في ظلِّ سعي البنوك المركزية لاحتواء تداعيات إغلاق مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي للنفط والغاز.

وتميل أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة جاذبية الأصول ذات العوائد، مثل السندات الحكومية، مقارنةً بالمعادن النفيسة التي لا تدرّ عوائد، مثل الذهب.

وقال نورمان: «تبدو تحركات أسعار الذهب والفضة ضعيفة في الوقت الراهن، ولكن ربما يكون هذا هو الشعور الطبيعي بعد بعض التحركات الهائلة التي شهدناها خلال الأشهر القليلة الماضية».

يُعزى تفسير آخر إلى أنَّ النزاعات تُثير موجة بيع مذعورة بين المستثمرين، مما يُسبب «تدفقاً مفاجئاً» يُجبر المتداولين على بيع مراكزهم مع انخفاض الأسعار، وفقاً لعامر حلاوي، رئيس قسم الأبحاث في شركة «الرمز».

وأضاف، في حديثه لـ«سي إن بي سي»: «في حال حدوث أزمة سيولة، سيتم بيع كل شيء حتى يستوعب الناس الوضع، وتُعاد توجيه الاستثمارات نحو الأصول المناسبة».

الفائدة من بين أسباب ارتفاع الدولار

من جهتها، تستعرض «وكالة الصحافة الفرنسية» الأسباب الكامنة وراء صعود العملة الأميركية أمام منافساتها في ظلِّ هذه الظروف، ووفقاً للوكالة، يرتكز هذا الصعود على 3 ركائز:

  • السيولة والملاذ الآمن: يظل الدولار الوجهة الأولى للمستثمرين الباحثين عن ملاذ آمن عالي السيولة، حيث يظل العملة الأكثر تفضيلاً في التجارة الدولية واحتياطات المصارف المركزية.
  • الاستقلال الطاقي الأميركي: الولايات المتحدة بمنأى عن أزمة الإمدادات كونها المنتِج الأكبر للخام عالمياً، حيث لا تستورد سوى 8 في المائة فقط من احتياجاتها من الخليج، مقارنة بثلثي احتياجاتها من كندا. هذا يجعل الاقتصاد الأميركي مصدّراً صافياً للمنتجات النفطية والغاز، مما يعزِّز ميزانه التجاري ويمنح الدولار حصانة مقارنة بالعملات الأوروبية والآسيوية التي تتلقى ضربات أقوى نتيجة اعتمادها المفرط على نفط الخليج.
  • توقعات الفائدة: من شأن ارتفاع تكاليف الطاقة أن يغذي مخاوف التضخم، مما يضطر «الاحتياطي الفيدرالي» لإبطاء وتيرة خفض الفائدة، وهو ما يعزِّز جاذبية الدولار على حساب الأصول الأخرى.
مضخة نفط في حقل مهجور شمال إسبانيا (أ.ف.ب)

بين سياسة ترمب وواقع الحرب

هذه التطورات تتعارض مع أهداف إدارة ترمب التي تعهَّدت بخفض أسعار الغاز ودعم صادرات «دولار ضعيف». وفي هذا السياق، أكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في نهاية يناير (كانون الثاني) 2026 تمسك الإدارة بـ «سياسة الدولار القوي»، موضحاً أن جوهر هذه السياسة يكمن في تهيئة بيئة اقتصادية داعمة للنمو عبر سياسات ضريبية وتجارية وتنظيمية تجعل من الولايات المتحدة أفضل وجهة لرأس المال في العالم، وذلك رغم التذبذبات الأخيرة في قيمة العملة.

يسير الناس قرب الأراضي الزراعية المجاورة لحقل الزبير النفطي في البصرة بالعراق (رويترز)

وفي الوقت الذي يرى فيه خبراء أن آراء الإدارة تبدو «متخبطة»؛ بسبب التناقض بين تصريحات ترمب المرحبة بضعف الدولار وسياسات بيسنت، تحذِّر المحللة المالية كاثلين بروكس من أن جاذبية الدولار قد تتضاءل إذا تفاقم العجز في الموازنة الأميركية نتيجة الإنفاق العسكري المتوقع للأشهر المقبلة، مما يضع الإدارة أمام معضلة حقيقية في إدارة التوازن بين القوة الاقتصادية والواقع الجيوسياسي.