هذا الكتاب غيّر حياتي لأني لم أُكمل قراءته إلى اليوم

هذا الكتاب غيّر حياتي لأني لم أُكمل قراءته إلى اليوم

الخميس - 22 شعبان 1438 هـ - 18 مايو 2017 مـ
رحاب أبو زيد - غلاف «في بيتنا رجل»
رحاب أبو زيد
عملية التحوّل الناجمة عن قراءة الكتب لا تتوقف لدى مرحلة عمرية معينة أو ببلوغ مستوى فكري ما والثبات عليه، ولو حدث هذا فالقراءة لم تُعمل فيك تقدماً يُذكر، وأرى أن الكتاب ليس مسؤولاً عن تغيير حياتك ما لم تكن مستعداً لذلك في المقام الأول، ومن هنا أدين بالفضل لرواية «في بيتنا رجل» والأحداث المحيطة بها، ولكل كتاب قصة قراءة بلا شك، ليس لبراعة كاتبه الروائي والصحافي الكبير إحسان عبد القدوس، وليس لذاته في المجمل من لغة وحبكة وإثارة.. وإنما ثمة درس قاس حينذاك رافق بروز هذا العنوان - كلما برز في ذاكرتي - ويرافقني بعد سنوات طويلة وقراءات كثيرة غادرتُ بها البيت والتوقيت.. تسللتُ إلى قبو منزلنا، حيث مئات الكتب التي بقدر ما كانت ذات مكانة مقدسة بقدر ما كانت أكبر من عمرنا الصغير آنذاك، أو هكذا ظنوا، أسرتني لغة الجمع هنا «في بيتنا رجل» وأولجتني في عالم عبد القدوس النسوي بامتياز، علاوة على محاولة فهم الفرق بين بيت ومنزل، وأرض وأخرى، واحدة تبكيها وتقع فداءً لها وأرض لا تنال منها إلا الغبار العالق..
كما «جرّني» سحر ظرف المكان في البداية إلى تشييد مكان افتراضي لوقوع الحدث، أما «رجل» هكذا بلا أل تعريف كانت كفيلة بإثارة مخاوف شابة في مقتبل العمر وفضولها الطموح أيضاً، وقع الحدث منذ لحظة اعتناق العنوان لعينين نهمتين، فولوج «رجل» غريب في ذلك الزمان كان قبل أن تلج كل الناس حياتنا من ثقوب التربص والتلصص، كان قبل أن يصبح الأمر عاديا لهذا الحد المميت.. وإذا افترضنا أن البرجوازية والطفرة أبوان شرعيان لذاك الجيل، فجميعنا إذاً سكنا ذلك البيت مع زبيدة ثروت وعمر الشريف اللذين أديا الدورين الرئيسين في الرواية بعدما تم تحويلها إلى فيلم، الأمر الذي أنقذني لاحقاً، عندما تم اكتشاف الكتاب تحت وسادتي قبل استكماله، لأن سياسة الوصاية ومفهوم الحماية صورتني كبلقيس ملكة تدمر، وألقت لي بتوجيه «قبل أن تبتل قدميك.. احذري الخيال فالكتب أدغال محرمة».. وهكذا تعلمتُ من سحب هذا الكتاب أن عذرية «دماغي» ملك لي وأني وُهبت عقلاً يختلف عن غيري بحماقاته وسقطاته وجنوحه، وأن سطوة العيب ستندحر يوماً وستخدش براءتي المزعومة، علمتُ أن كتب إحسان عبد القدوس لا تعلم البنات الصغار التمرد ومواجهة نقاشات بائسة حول متى يكبرون، ووجدت السؤال الأهم على الدوام ليس كيف أو متى أو من بل لماذا.. وبين زمانين، ربما تبدو اليوم رواية عادية مكتنزة وجدانياً وسياسياً، في حين أن الأمر لم يعد متعلقاً بإحسان عبد القدوس وموقفه المتعاطف من قضايا المرأة، إنما باختيار التوقيت والطريقة المناسبة لرفع منسوب الإصرار والإرادة النابع من الظروف المقترنة بالقراءة وليس بالقراءة وحدها، هذه الظروف تشمل كيف ستتلقى ما قرأت، فكثيرون يقرضون الكتب ويلتهمونها ليحفظوها لا لتغيرهم..
السعودية

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة