آدامسون يعيد كتابة تاريخ الفلسفة في العالم الإسلامي

كانت الدولة فضاء تلاق عابر للطوائف والعواصم واللغات

صورة متخيلة للفارابي  -  غلاف الكتاب
صورة متخيلة للفارابي - غلاف الكتاب
TT

آدامسون يعيد كتابة تاريخ الفلسفة في العالم الإسلامي

صورة متخيلة للفارابي  -  غلاف الكتاب
صورة متخيلة للفارابي - غلاف الكتاب

قلما اعترف الغرب بمساهمة الشرق العربي الإسلامي في مجال الفلسفة. وإذا كانت هنالك استثناءات فإنها كانت على الأغلب مناقشات جانبيّة لتأثير الإسلام على الفلسفة الأوروبيّة في العصور الوسطى، أو سردا لسيرة حياة قامات الفلسفة المسلمين الكبار كالكندي (805 - 873) والفارابي (874 - 950) وابن سينا (980 - 1037)، مع التركيز دوماً على الضغوطات التي واجهها هؤلاء من قبل مجتمعاتهم المحافظة والنخب السياسية الحاكمة.
من هنا يأتي كتاب بيتر آدامسون «الفلسفة في العالم الإسلامي» (مطبعة جامعة أكسفورد - 2016) وكأنه ثورة تامة في مجاله، وإعادة صياغة مفصليّة لحكاية صنعة الحكماء كما عاشت في ظل الحضارة الإسلاميّة عبر عصورها وإلى القرن العشرين. فالفلسفة في العالم الإسلامي كما يصورها آدامسون كانت بمثابة فضاء فكري مفتوح تلاقت فيه أهم عقول هذا العالم من كل الأديان والطوائف واللغات لتصنع معاً مناخ جدل فلسفي حضاري، طرحت فيه أسئلة الوجود الكبرى، وحوكمت فيه كل الافتراضات والعقائد.
يقول آدامسون إنك لو تساءلت اليوم عن أهم فلاسفة بغداد في القرن العاشر لقيل لك «الفارابي». والفارابي بالطبع قامة فلسفيّة كبرى اشتغلت على إعادة صياغة فلسفة اليونان ونظرياتهم السياسيّة. لكن مثقفي بغداد في ذلك الزمان لربما ذكروا لك اسم تلميذ للفارابي يقال له يحيى بن عدي (893 - 974) وهو مسيحي من تكريت كان في وقته أهم أساتذة فلسفة أرسطو في العالم الإسلامي وربما بكل أرجاء المعمورة. ففي عهد الدولة العباسيّة كانت أغلبيّة معتبرة من الفلاسفة المطلعين على فلسفات اليونان ومنطقهم من المسيحيين، واليهود والأقليات الأخرى، وقد نقلت المصادر التاريخيّة العربيّة مراسلات فلسفيّة عميقة بشأن مسائل تحدث فيها أرسطو بين يحيى بن عدي وفيلسوف يهودي يدعى أبا سعيد الموصلي. فالدولة الإسلاميّة في عصورها الزاهرة - كما يذهب آدامسون - كانت بمثابة فضاء تلاق للفكر عابر للطوائف والعواصم وحتى اللغات. وهو يعرفنا بكتابه إلى جانب الفلاسفة المسلمين بمجموعة من الفلاسفة المسيحيين واليهود وغيرهم بوصفهم أيضاً فلاسفة من العالم الإسلامي، عاشوا وتفلسفوا وأنتجوا أعمالهم ضمن الحضارة الإسلاميّة، وهي ظاهرة إنسانيّة فريدة في تاريخ الفلسفة حين تلاقى المُفكرون من كل الأديان حول فكرهم، دون قيود مرجعيات طوائفهم أو قومياتهم ليقدموا للأمة جميعها خلاصة فلسفة البشريّة وخبرتها، وهي الظاهرة التي استمرت عدة قرون إلى ما بعد سقوط آخر معاقل الأندلسيين في غرناطة (1492). وآدامسون اختار من أجل ذلك بالتحديد أن يدعو كتابه الفلسفة في العالم الإسلامي - لا الفلسفة الإسلاميّة، قاصداً إلقاء الضوء على تجربة فضاء التشارك، هذا الذي قدمته الحضارة الإسلاميّة نموذجاً إلى العالم.
وبالتأكيد فإننا يجب ألا نذهب إلى التصور بأن كل قطاعات المجتمع الإسلامي في مراحلها المختلفة تعاملت مع الفلسفة والفلاسفة - مسلمين أو غيرهم - بتسامح وقبول، بل هم كانوا معظم الوقت أهدافاً ربما سهلة للمتزمتين، والمتطرفين والغوغاء، لكن الروايات التاريخيّة تتقاطع على حقيقة أن النخبة المتنورة وبعض الخلفاء والفلاسفة أنفسهم كانوا منفتحين على تقبل الآخر المغاير في فضاء العمل الفلسفي والفكري، وكان هناك نوع من إدراك مبكّر بين ذوي العقول الراشدة بأهميّة الاستفادة من حكمة الحضارات السابقة التي كانت مفاتيحها لغويّاً بأيدي العلماء البيزنطيين في سوريا، مما استدعى الاستفادة منهم لنقل تلك المعارف إلى العربيّة ومن ثم خوض نقاشات فلسفيّة حول ما ترجموه مع أقرانهم المفكرين من المسلمين. ويبدو - بحسب آدامسون - أنه كان هناك توجه عام في مؤسسة الدولة الإسلاميّة طوال أوقات كثيرة إلى تشجيع تلك الترجمات والمحاورات حرصاً على امتلاك أدوات الفكر - والمنطق اليوناني خاصة - لتوظيفها في الجدالات الدينيّة بين الفرق الإسلاميّة ومع أتباع الديانات الأخرى، بغرض دعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة. ويروي آدامسون أن يحيى بن عدي نقل عن الكندي نصاً – لم يعثر له على أثر في مكان آخر - كان يجادل به عقيدة التثليث اعتماداً على المنطق اليوناني، وقد نقله عنه ابن عدي في معرض دحضه لوجهة نظر الكندي. وهناك مصادر تاريخيّة تذكر أن الكندي – حتى في استخدامه للمنطق اليوناني للدفاع عن الإسلام – واجه انتقادات واسعة من مثقفين مسلمين محافظين اعتبروا المنطق سلاحا فاسدا، إذ إنه لم يمنع علماء بيزنطة من قبول عقيدة التثليث. لكن وعلى رغم ذلك فإن المشهد كله يشير إلى أجواء من النقاش المتحضر والمتنور تحكم جدالات فلسفية وفكريّة حساسة بين المثقفين منتصرين ومهزومين وتلك مسألة غير مسبوقة في تاريخ الفلسفة على هذا النسق الواسع والمستمر.
يقول آدامسون إن الفلاسفة في ظل الإسلام تجاوزوا حتى نظراءهم المسيحيين في جرأتهم على طرح الأسئلة الفلسفيّة الكبرى التي ما زال بعضها موضوع بحث فلسفي حتى اليوم: ماهية الشيء واللاشيء، هل ما يمكن تخيله موجود بالضرورة، هل يمكن فهم الله من خلال العقل أو أن العقل البشري عاجز عن استيعاب الخالق؟ هل الأخلاقيّات مطلقة في الزمان والمكان؟ وغيرها من القضايا التي كان اشتغال الفلاسفة في العالم الإسلامي عليها بمثابة رافعة بنى عليها فلاسفة العهود اللاحقة في الغرب.
ما قدمته عواصم الإسلام من فضاء لازدهار الفكر لم يقتصر بالطبع على الفلسفة، بل إن أجيالاً من العلماء والأطباء وأصحاب الصناعات والحرفيين والفنانين والمعماريين والموسيقيين من مختلف الخلفيات والمرجعيات عاشت أجواء تشارك مماثلة، أنتجت محصلتها روائع التراث الحضاري الإسلامي في مجالات الحياة كافة.
ولعل ما يميّز كتاب آدامسون إلى جانب نظرته البانورامية تلك، أنه لم يتوقف بتغطيته لتطور الفلسفة في العالم الإسلامي على عصور الإسلام الكلاسيكيّة في بغداد وحواضر الأندلس، بل تابعها لاحقاً عبر الهند وإيران والدولة العثمانيّة وإلى الأوقات المعاصرة، وقدم تعريفاً بمساهمات رجال - ونساء - من مختلف أنحاء العالم الإسلامي اشتغلوا في الفلسفة وأضافوا إليها.
وضع آدامسون كتابه في ثلاثة أقسام، اختص أولها بمرحلة التأسيس الأولى التي شهدت نشأة الفلسفات الإسلاميّة وتلاقحها مع فلسفات الأمم السابقة - لا سيما فلسفة اليونان - وهي المرحلة التي تصل قمتها في أعمال ابن سينا، ثم قسم ثان محوره الفلسفة في الأندلس الإسلاميّة حيث مرحلة ازدهار غير مسبوق للعمل الفلسفي بين أجيال من مختلف الديانات – وهي فترة تعد أيضاً عصراً ذهبيّاً للفلاسفة اليهود -، قبل قسم ثالث أخير خصص لمتابعة غير مسبوقة للفلسفة عند العثمانيين والمغول والصفويين وصولاً إلى القرنين التاسع عشر والعشرين، وهما قرنان شهدا تحديّات معرفيّة وسياسيّة صاخبة من قبل قوى الكولونياليّة الأوروبيّة إلى جانب التساؤلات الفلسفيّة المعتادة.
مادة الكتاب الأصليّة كانت نصوصاً ألقاها البروفسور آدامسون على شكل مدونات صوتيّة على الإنترنت عبر سنوات، ولذا تبدو مقاطع الكتاب الكثيرة مختلفة الأسلوب في تعاطيها مع الشخصيات والأفكار مع نوع من افتقاد سرديّة واحدة متناغمة فيما لو قرئ الكتاب بشكل متصل، مما يدفع للتعامل معه بوصفه مرجعا شموليا يُؤخذ منه بحسب الاهتمام والحاجة، ومن دون -حتى- ترتيب زماني. وربما من الأفضل كمقدمة لموضوع الكتاب الاطلاع على كتاب آدامسون الآخر المختصر «مقدمة قصيرة إلى الفلسفة في العالم الإسلامي». كما يُلحظ عموماً نوع من هيمنة غربيّة على سرد تاريخ الفلسفة دون استكشاف تأثيرات محتملة من اختلاط المسلمين بفلسفات الصين والهند وجنوب شرقي آسيا. ومع ذلك، فإن هذا المجلد الثمين يعدّ دون شك أشمل ما كتب عن موضوعة (الفلسفة في العالم الإسلامي) حتى الآن.



حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.