نيران «بريكست» تلفح «جيوب البريطانيين» بقوة بعد طول صمود

نيران «بريكست» تلفح «جيوب البريطانيين» بقوة بعد طول صمود

تضخم قياسي وتحذيرات من آثار تراجع قدرات الإنفاق الاستهلاكي
الأربعاء - 20 شعبان 1438 هـ - 17 مايو 2017 مـ
القدرة الشرائية والاستهلاكية للبريطانيين تبقى وحدها «عمود» الاقتصاد لا يفرط فيه صناع السياسات المالية (رويترز)

يوماً بعد الآخر، تتزايد التقارير الاقتصادية التي تحذر من خطورة بقاء الوضع الاقتصادي في بريطانيا على حالته الحالية، وذلك بعد صمود الاقتصاد بقوة لأكثر من 6 أشهر أمام كل العوامل السلبية التي أعقبت الاستفتاء الشهير على الانفصال عن الاتحاد الأوروبي في شهر يونيو (حزيران) الماضي.
ويؤكد الخبراء والمراقبون أن أخطر العوامل التي تهدد مستقبل الاقتصاد البريطاني في الوقت الحالي هو تقلص القدرة الشرائية والاستهلاكية للبريطانيين بشكل متزايد في ظل ارتفاع قياسي للتضخم مع ثبات معدلات الأجور على حالها، أو زيادتها بما لا يتناسب مع ارتفاعات التضخم، مشيرين إلى أن «المحرك الاستهلاكي» هو أحد أبرز عوامل النمو الاقتصادي في بريطانيا، بالتوازي مع التصنيع والتصدير، إضافة إلى المكانة المالية للعاصمة لندن.
ومع الغموض الذي يكتنف مستقبل بقاء لندن كأهم مركز مالي في أوروبا عقب إتمام عملية الانفصال، خصوصاً مع التشدد الذي تبديه أغلب قوى أوروبا حالياً، وأيضاً الغموض حول إمكانية التوصل إلى اتفاقات تجارية «تفضيلية» مربحة للجانب البريطاني مستقبلاً مع الشركاء الأوروبيين، وما قد يتبعه من «تأثير ركودي» على القطاع الصناعي البريطاني، فإن القدرات الشرائية والاستهلاكية للبريطانيين تبقى وحدها «عمود» الاقتصاد الذي يجب ألا يفرط فيه صناع السياسات المالية.
لكن أيدي صناع السياسات المالية، في بنك إنجلترا (المركزي البريطاني) والوزارات ذات الصلة الاقتصادية، تبقى مكبلة بشكل كبير قبيل الانتخابات المحلية المرتقبة الشهر المقبل، وذلك خشية فقدان الأرضية الشعبية التي تعول عليها حكومة تيريزا ماي للحصول على أغلبية برلمانية تعينها على تمرير قراراتها خلال مفاوضات عملية «بريكست» مع الطرف الأوروبي، وهي القرارات التي يعتقد أن جانباً منها سيحتاج إلى مرونة برلمانية واسعة حتى لا تفشل عملية المفاوضات في التوصل إلى اتفاق رابح.
ووسط ذلك الوضع العصيب، يشهد الاقتصاد البريطاني تباطؤاً مقلقاً بالنمو منذ مطلع العام الحالي، إذ اقتصر على معدل 0.3 في المائة، وهو نصف الرقم المتوقع والمستهدف قبل ذلك من بنك إنجلترا.
وبالأمس، أظهرت بيانات رسمية أن معدل التضخم في بريطانيا سجل أعلى مستوى منذ سبتمبر (أيلول) 2013 في الشهر الماضي، مما يبرز الضغوط المتزايدة على المستهلكين. وقال مكتب الإحصاءات الوطنية إن أسعار المستهلكين زادت في أبريل (نيسان) 2.7 في المائة مقارنة بها قبل عام، وتجاوزت توقعات الاقتصاديين في استطلاع أجرته «رويترز»، والتي كانت تقتصر على زيادة سنوية تبلغ 2.6 في المائة.
وتسارعت وتيرة التضخم في بريطانيا في الأشهر الأخيرة نتيجة لضعف الجنيه الإسترليني، وارتفاع أسعار النفط الذي أجج التضخم في دول أخرى أيضاً. وباستبعاد أسعار النفط ومكونات أخرى تتسم بالتقلب الشديد، مثل المواد الغذائية، يكون التضخم الأساسي قد ارتفع إلى 2.4 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ مارس (آذار) 2013، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين البالغة 2.2 في المائة فقط.
وفي دليل موازٍ على انخفاض قدرات البريطانيين على الإنفاق، أعلنت شركة الطيران منخفض التكاليف الموجود مقرها في لندن «إيزي جيت» أمس (الثلاثاء)، وصول إجمالي خسائر التشغيل خلال النصف الأول من العام المالي الحالي حتى 31 مارس الماضي إلى 239 مليون جنيه إسترليني، مقابل خسائر قدرها 18 مليون جنيه إسترليني خلال الفترة نفسها من العام المالي الماضي. وبلغت خسائر السهم الواحد 48.9 بنس، مقابل 3.8 بنس خلال الفترة الموازية من العام الماضي.
كما بلغت خسائر الشركة الأساسية خلال النصف الأول من العام الحالي 212 مليون جنيه إسترليني، بما يعادل 5.65 جنيه إسترليني لكل مقعد، مقابل خسائر أساسية قدرها 21 مليون جنيه إسترليني خلال النصف الأول من العام المالي الماضي. وفي حالة تثبيت أسعار الصرف تنخفض الخسائر الأساسية للشركة قبل حساب الضرائب إلى 130 مليون جنيه إسترليني خلال النصف الأول من العام المالي الحالي.
في الوقت نفسه، زاد إجمالي إيرادات «إيزي جيت» خلال النصف الأول من العام المالي الحالي بنسبة 3.2 في المائة إلى 1.83 مليار جنيه إسترليني، في حين زاد إجمالي إيرادات الشركة لكل مقعد بنسبة 4.9 في المائة إلى 48.8 جنيه إسترليني خلال الفترة الموازية. وفي حالة استبعاد تأثير التغير في أسعار الصرف، تقل إيرادات الشركة لكل مقعد بنسبة 9.7 في المائة إلى 46.32 جنيه إسترليني لكل مقعد.
من ناحيتها، قالت «كارولين ماك كول» الرئيس التنفيذي لشركة «إيزي جيت» إن الشركة حققت أداءً قوياً خلال شهور الصيف من السيطرة القوية على النفقات وتحسين الأداء التشغيلي وفي إطار الخطوات الاسترشادية لتعزيز الإيرادات. وقد زادت الإيرادات الإجمالية بنسبة 3.2 في المائة سنوياً، في حين زاد عدد الركاب بمقدار 2.8 مليون راكب سنوياً. وجاءت خسائر النصف الأول متفقة مع توقعات السوق.
ويعد السفر أحد أبرز مظاهر الإنفاق للبريطانيين من كل الفئات، خصوصاً خلال العطلات السنوية، التي يحرص المواطنون في بريطانيا على برمجتها سنوياً والادخار من أجل توفير مدخلاتها. وبالنظر إلى تراجع القدرات الشرائية لعدد من المناحي الأساسية في الحياة اليومية، فإن تراجع الإنفاق على السفر منخفض التكاليف يدل على فداحة ما يعانيه المواطن البريطاني، الذي يعتبر الإجازة السنوية بمثابة تعويض وترفيه عن جميع ما يعانيه خلال العام.
ويؤكد عدد من الخبراء الاقتصاديين أن تقلص قدرة المواطن البريطاني على السفر أو التمتع بإجازة سنوية ترفيهية من شأنه أن يؤثر تراكمياً على سوق العمل بشكل بالغ، خصوصاً إذا تزامن مع زيادة كبرى بمعدلات التضخم لا توازيها ارتفاعات بمعدلات الأجور لفترة طويلة، وهو الوضع الذي يشهده الاقتصاد البريطاني بالفعل حالياً، ويأمل الجميع أن ينتهي سريعاً.
وفي سياق ذي صلة، واغتناماً لهبوط سعر الإسترليني، ارتفع مؤشر «فوتسي 100» البريطاني خلال تداولات أمس (الثلاثاء) فوق مستوى 7500 نقطة للمرة الأولى على الإطلاق، حيث صعد بنسبة 0.6 في المائة ليسجل 7503.5 نقطة بحلول الساعة 12:34 مساءً بتوقيت غرينتش، وذلك بدعم أساسي من أسهم قطاع التعدين.


المملكة المتحدة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة