شعراء سادوا... فهل بادوا؟

صنعوا مجد القصيدة يوماً ما وشغلوا الناس

نزار قباني  -  عبد الوهاب البياتي  -  نازك الملائكة  -  صلاح عبد الصبور  -  بدر شاكر السياب
نزار قباني - عبد الوهاب البياتي - نازك الملائكة - صلاح عبد الصبور - بدر شاكر السياب
TT

شعراء سادوا... فهل بادوا؟

نزار قباني  -  عبد الوهاب البياتي  -  نازك الملائكة  -  صلاح عبد الصبور  -  بدر شاكر السياب
نزار قباني - عبد الوهاب البياتي - نازك الملائكة - صلاح عبد الصبور - بدر شاكر السياب

بقدر ما يرجع عدد من الكتاب المغاربة خفوت حضور الشعراء الرواد، إلى درجة النسيان، تقريباً، في المشهد الثقافي العربي، إلى تأثر سياقات تداول الأدب بـ«آليات الترويج والتسويق التي تلهث وراء الآني والجديد»، يشدد بعضهم على أن «النسيان لم يطل رعيل الريادة الشعرية، فقط، بل الأسماء اللاحقة عليها بسنوات قليلة، وكذا أجيال الستينات والسبعينات والثمانينات؛ مع التوقف عند مسألة على درجة كبيرة من «الالتباس»، تتمثل في أنه «في مقابل النسيان أو التّغييب، فهؤلاء الرّواد هم من يحضرون، وعلى نحو مهيمن، على المستوى الأكاديمي»، كما «تحوز متونهم نصيب الأسد في أقسام الدراسات العربية بالجامعات الأوربية والأميركية والآسيوية»؛ مع التشديد على أن الحديث عن «سطوة الرواية» واستئثارها بالعناية والتّداول، «ملمح عالمي»، يجد مبرراته في «انتقال البشرية إلى مجرى حياتي وعلائقي سمته الانتثار والتّشظي والسّهولة مما يستجيب له النثر، عكس لغة الشعر». وما بين حديث الالتباس، المرتبط بأسئلة النسيان وتزايد الحديث عن «سطوة» الرواية، ينتهي الكتاب المغاربة إلى انتقاد «الذاكرة القصيرة للأدب التي تريد أن تفرضها آليات السوق».
كانوا يوماً ما «مالئين الدنيا وشاغلين الناس»، وكانت قصائد بعضهم تردد في المقاهي والأماسي، ويتبادلها العشاق، ويُقبل النقاد على الكتابة عنها بشغف. ثم مع الأيام بدأ ضوء الحياة ينحسر عن ذكراهم، فمنهم من تحول على شكل مقاطع شعرية تنتشر مشوهة أحياناً في مواقع التواصل الاجتماعي، ومشبعة بالأخطاء الإملائية بحسب المستوى الثقافي لناقلها، وبعضهم الآخر ظل درساً في مناهج الطلاب يتذمرون منه في أوقات الامتحانات... هؤلاء هم بكل أسى شعراء الحقب الزمنية المعاصرة منذ أوائل القرن العشرين تقريباً... شعراء كثر لا مجال لأن نعددهم، ولكن نذكر أمثلة عليهم مثل نزار قباني ومحمد مهدي الجواهري وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور ونازك الملائكة وفدوى وإبراهيم طوقان ولميعة عباس عمارة... وغيرهم الكثير من الشعراء الذين لمعت بيارق أشعار ذات مرحلة ثم تلاشت مع الأيام، فما الأسباب التي أدت إلى ذلك، هل هو قطار العصر التقني السريع الذي اختزل الكلمات إلى 140 حرفاً في بعض مواصل التواصل الاجتماعي؟ أم أنه انصراف الأجيال الجديدة عن كل ما هو ثقافي، ولكن لو كانت هذه الأسباب صحيحة، فلماذا يزدهر عصر الرواية؟ وهل أن الرواية هي أحد أسباب خفوت صيت هؤلاء الشعراء بدليل ظهور أسماء روائيين على الساحة لم تغب حتى اليوم؟ بل ربما السؤال الأجرأ: «هل ما طرحناه في هذه المقدمة واقع حقيقي؟ أي هل فعلاً خفتت هذه الأسماء أم لا تزال متقدة؟
* الشعر الجوائزي
الأكاديمي السعودي الدكتور محمد الصفراني يرى أن: «رواد الشعر العربي الحديث أمثال السياب وصلاح عبد الصبور ونازك الملائكة وخليل حاوي وأمل دنقل والبياتي والفيتوري وغيرهم صنعوا القصيدة الحديثة وأسسوا معايير وتقنيات الشعر العربي الحديث وقدموا إلى ذائقة الشعر الحديث نصوصا تمثل في إبداعيتها وحضورها مستوى يماثل مستوى المعلقات في الشعر الجاهلي التي ظلت إلى يومنا هذا محط أنظار الشعر. وغيابهم عن الساحة بموتهم لا يعني غياب نصوصهم عن التداول النقدي».
ويقدم الصفراني الدليل على كلامه بالقول: «الدراسات النقدية التي تدرس الشعر العربي الحديث إنما استنبطت تقنيات دراسته من نصوصهم، وفي ذائقة ووعي كل ناقد أدبي رصين تقنيات إبداعية شعرية مستقاة من شعر الرواد يقيس إليها التجارب المعاصرة ليحدد مدى قربها أو تدنيها أو تجاوزها تلكم التقنيات، الإشكال الذي تطرحه أسئلتكم لا علاقة بالقراء أو بالرواية بقدر ما يتعلق برواج الشعر الجوائزي نسبة إلى الجوائز الشعرية التي تقام على مستوى الوطن العربي وكرست أسماء جديدة لها حظ متفاوت من الإبداعية وحظ وافر من الحضور الإعلامي أكبر من حظها الإبداعي».
عصر بيع الرواية
أما الأكاديمي البحريني الدكتور خليفة بن عربي فيقول: إن خفوت أسماء هؤلاء الشعراء أو قلة تعاطي الناس معهم، ليس بسبب ما ذكرنا، وباعتقاده ليست هي الأسباب المباشرة في هذه القضية، بل إن هؤلاء الشعراء لم يكونوا شعراء مرحليين، ولا تزال نصوصهم تدرس عند المتخصصين، في المناهج الدراسية، وما زال المحبون للشعر يرددون أصداء نصوصهم، بل على العكس يعتبرون مؤسسين للحركة الإبداعية الشعرية إلى تجمع بين القديم والجديد».
ويضيف: «نحن نفتقد اليوم إلى نصوص بحجم تلك النصوص السابقة، لهذا فإن نصوصهم لم تكن مرحلية، وإذا أردنا الحديث عن الحالة التي تطرحونها فهي لا تتعلق فقط بهؤلاء الشعراء، بل حتى القدامى كالمتنبي مثلا، أيضاً كنا نتحدث عن دور النقد، فالنقد قد يكون له دور في تحجيم نصوص هؤلاء الشعراء، أتكلم عن بعض سياقات النص التي قد أغرقت في المناهج النقدية والتي غربت عن اكتشاف جماليات النصوص، تلك الطرائق النقدية التي جعلت من النقد عملية رياضية جامدة، أو إحصائية باهتة.
ربما كان لبعض تلك السياقات النقدية دور في إغفال جماليات النصوص بشكل عام، لكن إن أردتم الجواب في تقديري، فهي قضية ثقافة، ثقافة مجتمع، فقد أصبحت ثقافة الناس اليوم ثقافة ضحلة تميل إلى السهولة، لذلك ذهبوا إلى الرواية، كما أشرتم أنتم، فأخذوا يقرأون الرواية واستسهلوها لأنهم لا يريدون أن يعملوا عقولهم بالشعر الذي هو بالأصل عبارة عن لغة منزاحة عن اللغة المباشرة، وهذا ليس عصر الرواية، بل هو عصر بيع الرواية، أما أن نقول بأن الرواية تزاحم الشعر فهذا لم يحصل أبداً، فالفنون لا تُحقق ولا تفاضل، بل هي يعدل بعضها بعضاً، ومع ذلك لا يزال الكثيرون يؤخذون بالنص الشعري، وما زال أبناء هذا الجيل يؤخذون بالقصيدة أياً كان شكلها، فالمسألة أعتقد أنها مسألة ثقافة ليس إلا».
وهنا يستشهد الدكتور بن عربي بالحادثة الشهيرة التي جاء فيها رجل إلى الشاعر أبي تمام فسأله: «لماذا تقول ما لا يفهم»، فرد عليه: «ولماذا لا تفهم ما يقال».
* سنة التدافع في الشعر
الشاعر العماني يونس البوسعيدي، له وجهة نظر يقول من خلالها: هذه إشارة مِنْ (الشِعر) في عالم غيبه اللطيف، إلى مخلوقاته الشعرية، أنّ مبدعيه الذين تخلد أسماؤهم قِلة. وقد لا يكون أنّ السبب يعودُ إلى وهن إنتاجهم الشعري، فماذا لو غاب عبقري شعري كالمتنبي عن الذاكرة آنا ما، هل يقال: إن المتنبي وهن، بل هي سنة التدافع في الشِعر كما هي سنة التدافع في الحياة، والمرحلية في الشِعر مثل (الموضة) تأتي وتذهب.
هناك أيضا مسببات منها الأساس الشعري بين المدارس والمناهج الشعرية التي يتخذها الشعراء (الآنيّون)، ووسائل أخذ ونشر الشعر، فمثلا لو جئنا إلى متذوقٍ للشعر أو ناقد أو شاعر حي بيننا من جيل عبد الوهاب البياتي، فإنه بطبيعة الحال للآن يتذوق شِعر تلك المدرسة، وقد لا يتذوق شِعر الشعراء الذين يفرزهم أي برنامج شِعري جماهيري، والشاعر الناشئ الآن لم يعُد يحتاجُ للعودة سوى للفيسبوك، الذي ينشر شِعر مجايليه، فيتلمّظ شِعرهم ويسير على مغناطيسية شِعرهم أو ربما يقلّدهم، وأولئك بدورهم فعلوا ما فعله غيرهم. أما بالنسبة للنقد الأدبي فلولا الدراسات الأكاديمية، فلا أظن أنّ النقد الأدبي الشِعري سيكون له وجود، وليس المسألة هو الذهاب للرواية واستسهال قراءتها والتعاطي معها عن الشِعر، فإنما هي حدائق، الكل يتجول حيث يشاء.
* طغيان المرحلة الجديدة
الشاعر عزان المعولي يعتقد أنه بالنظر إلى التسلسل الزمني لتطور الشعر، فإننا نجد أن «الشعر العربي تطور من الشعر الكلاسيكي القديم إلى مرحلة متقدمة تمثلت في شعر التفعيلة الذي أحدث طفرة متقدمة في السياق الشعري، شعراء تلك المرحلة مثلوا الصدارة في هذا النوع من الشعر والذي هو شعر التفعيلة وكونه طغى إعلاميا وفنيا بتميزه الجديد، فقد سيطرت أسماء على المشهد الشعري في تلك الحقبة. الشعر العربي لاحقا تعدى إلى مرحلة أخرى من التطور الزمني الذي تمثل في قصيدة النثر كشعر للحداثة أو ما بعد الحداثة».
ويضيف المعولي: «طغيان المرحلة الجديدة وسباق التنافس على الشعر النثري أضاف للمشهد الشعري أسماء جديدة سيطرت على واجهة النقد العربي وغيبت شعراء أضاءوا بكلماتهم الحقبة الماضية. ل
ا أتصور أن شعراء التفعيلة تقلص دورهم في مرحلة زمنية محددة بل دورهم ينبغي أن يظل أثره باقيا في ساحات النقد كونهم أسهموا في تطوير النمط الشعري القديم لذلك فلا يمكن اعتبار إنتاجهم مرحليا أو زمنيا فائتا».
وللشاعر المعولي نظرة حول النقد تختلف قليلاً عما طرحه الدكتور خليفة بن عربي في الجزئية نفسها، فيقول: بالحديث عن النقد العربي فالملاحظ في الكتابات النقدية غياب الصرامة في نقد الشعر والتحول إلى نقد إيجابي بالمطلق أو سلبي بالكلية لشخص الشاعر بدلا من المكتوب الشعري، واقعيا فجمهور قراء الشعر اليوم لا يزال يميل إلى شعراء تلك الفترة كالذين تم ذكرهم في السؤال وذلك لأسباب من بينها وضوح المعنى وغياب الغموض، فضلا عن الأغراض الشعرية المتناولة كالتأمل والوصف والقدرة على الغناء، في حين لا يزال شعراء الحداثة معزولين عن المتلقي أو الجمهور إلا ما ندر، بشأن الرواية فالناظر يجد أن الرواية العربية نجحت في سحب بساط الصدارة عن الشعر لاقتراب الروائي من القارئ العربي في مشاركة حياته اليومية لكن هذا لا يبرر إطلاقا غياب النقد الشعري فالشعر لا يزال يفرض نفسه كجزء من الفكر العربي الذي يجب أن تكون له الصدارة.



حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران
TT

حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة وما بعد الحداثة راح يصفق بكلتا يديه لثورة الخميني الظلامية المندلعة عام 1978. كان فوكو في ذلك الوقت أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. وذلك لأن سارتر كان على وشك الرحيل بعد أن عمي تماماً، ولم تبقَ له سنتان أو أقل لكي يموت. علاوة على ذلك، فقد كان فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون) ، ومعلوم أنه كان قد اتفق مع صديقه جان دانييل رئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية فرنسية وأكثرها استنارة «النوفيل أوبسرفاتور» على الذهاب إلى طهران لتغطية الأحداث المشتعلة هناك. وهكذا ركب فيلسوفنا الكبير الطائرة وذهب إلى طهران لكتابة تقارير صحافية عن الأحداث في وقت كان فيه الخميني ذاته لا يزال في ضواحي باريس. وهي تقارير نشرتها المجلة المذكورة، بالإضافة إلى الجريدة الإيطالية الشهيرة «كوريير ديلا سيرا». وقد سافر مرتين إلى طهران من 16 إلى 24 سبتمبر (أيلول) 1978، ومن 9 إلى 15 نوفمبر (تشرين الثاني): أي أقام ثمانية أيام وستة أيام في العاصمة الإيرانية. وقد قابل في كلتا الرحلتين ضباط الشاه الكبار، وقادة المعارضة العلمانيين. ثم قابل بشكل خاص كبار رجال الدين، ومن بينهم آية الله شريعة مداري. هذا ناهيك عن ممثلي المتظاهرين المليونيين، إلخ. يقول عنه أحد العارفين ما يلي:

كان فوكو شخصياً معجباً جداً بالعنف، ومبهوراً به. وكان يكره كل مجتمع مستقر. وكان معجباً جداً أيضاً بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والبراكين. وكانت عدميته النيتشوية قد وجدت إشباعاً لها في هذه الثورة العارمة التدميرية المدمرة. ولذلك رأى في هذه الثورة المتفجرة بالملايين نوعاً من الإنعاش الروحي في عالم دنيوي إلحادي فقد كلياً معنى القداسة الدينية، والتعالي الرباني. المقصود بذلك عالم الغرب الذي ينتمي إليه، لأنه هو شخصياً كان ملحداً عدمياً نيتشوياً.

لاحظوا المفارقة الكبرى هنا: هذا الرجل الملحد الذي يحارب الدين المسيحي بكل ضراوة في بلده إذا به يركع وينحني أمام متدينين آخرين، وفي بلد آخر. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ الله أعلم. وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: ماذا فعل فوكو في إيران؟ لقد انتصر للقدامة ضد الحداثة، وللثيوقراطية ضد الديمقراطية، وللنزعة اللاهوتية الكهنوتية ضد الفلسفة العلمانية التنويرية. لقد أبدى إعجابه الشديد بكيفية سيطرة رجل واحد على الملايين رغم أنه رجل دين قروسطي ظلامي. كان يسحرهم سحراً. فالخميني بشريط تسجيل واحد كان قادراً على تهييج إيران كلها عن بكرة أبيها. هذا ما أذهل فوكو، وأعجبه كل الإعجاب، وأخرجه عن طوره، بل وأفقده كل ملكاته العقلية، والنقلية. ثم أبدى إعجابه الشديد باستعداد هؤلاء المتظاهرين المليونيين للتضحية بأرواحهم ودمائهم من أجله. واعتقد فوكو أن ذلك أفضل من كل برلمانات العالم، وكل ديمقراطيات الغرب. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة.

لقد نشر فوكو مقالة بعنوان: «الشاه متأخر عن عصره مائة عام». لا حظوا المفارقة: الشاه الذي حدث إيران هو المتأخر عن عصر الحداثة، وليس الخميني. وراح فوكو يستخدم كل براعته السفسطائية لإقناعنا بأن حداثة الغرب العلمانية الديمقراطية هي المشكلة، وهي المتخلفة عقلياً، وسياسياً، وليس الخميني الذي يعيش كلياً في غياهب العصور الوسطى، وظلماتها. الشاه الذي أراد تحديث بلاده وتطويرها هو الرجعي، والخميني الذي أراد إعادتها إلى القرون الوسطى هو التقدمي.

لا ريب في أن فوكو كان على حق في إدانة الفساد الذي كان ينخر في نظام الشاه البائد، ومعلوم أن جماعته -بل وعائلته- كانت تسيطر على الصناعة الإيرانية، والموارد البترولية، ومعلوم أن فقر الشعب المدقع في عهده كان قد أصبح مقلقاً. والمقلق أكثر ميل الشاه إلى البذخ في الصرف على الأمجاد الساسانية الغابرة السابقة على الإسلام. وكل هذا استفز الشعب الإيراني المسلم المتدين أيما استفزاز. هذا ناهيك عن القمع السياسي للسافاك، إلخ. كل هذا صحيح. ولكن لماذا لا ترى نواقص الطرف الآخر المتمثل في الخميني؟ في الواقع أن فوكو كان يكره الغرب، ويكره الحداثة الرأسمالية. وبما أن الأصوليين الإيرانيين كانوا يكرهون الغرب، ويكرهون الحداثة الرأسمالية أيضاً، فإنهم نالوا إعجاب فوكو الشديد. لقد نالوا إعجابه إلى درجة أنه راح يقيم التضاد بين ملك طاغية مستبد من جهة وإنسان «قديس» ومنفي فقير من جهة أخرى. لاحظوا الأمر: الخميني تحول إلى قديس، أو ولي من أولياء الله الصالحين في نظر فوكو الملحد! وراح أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس يمجد الخميني ويقول: ما أروع هذا الرجل الروحاني المؤمن الذي يقود شعباً بأسره، ويتصدى بيدٍ عارية للطغيان المدجج بالسلاح... كلام فارغ سوف يدفع ثمنه غالياً لاحقاً. هكذا نلاحظ أنه في نظر هذا الفيلسوف العتيد فإن الشر أصبح كله في جهة، والخير كله في جهة أخرى. ثم بلغ العمى الفكري بميشيل فوكو مبلغه عندما راح يقول: هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: إن مفهوم الحكومة الإسلامية الذي ينادي به الخميني لا يعني أن رجال الدين هم الذين سيحكمون إيران. عندما كتب فوكو هذا الكلام كان الخميني لا يزال في ضواحي باريس، وفوكو يسرح ويمرح في طهران. ولكن كيف يمكن أن تصدق أن رجال الدين لن يلعبوا أي دور في النظام اللاهوتي الكهنوتي المقبل؟ فوكو يعتقد أنه يمكن للإيرانيين في ظل الخميني أن يصنعوا مستقبلهم الزاهر عن طريق العودة ألف سنة إلى الوراء...

يقول أحد العارفين أيضاً معلقاً:

الشيء الذي كان يسحر ميشيل فوكو في الثورة الإيرانية هو تشكيل مجتمع مستلهم من قبل التعالي الرباني، والقداسة الدينية. الشيء الذي كان يسحره هو الروحانية السياسية التي نسيناها نحن في الغرب منذ عصر النهضة، والأزمات الكبرى للمسيحية. ثم يردف فوكو قائلاً: أكاد أسمع الفرنسيين يقهقهون إذ يسمعون مني هذا الكلام. ولكنهم مخطئون. وراح يتوهم أن الحكومة الإسلامية سوف تجسد في السياسة شيئاً جديداً نسيه الغرب كلياً: ألا وهو الطابع الروحاني -بل والرباني- العالي المتعالي للسياسة. ما هذا الهراء؟ فوكو يريد العودة إلى ما قبل عصر النهضة، بل إلى ما قبل عصر التنوير. إنه يريد العودة إلى عصر الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية السابقة على النهضة، والأنوار. باختصار شديد، إنه يريد العودة إلى القرون الوسطى الثيوقراطية الكهنوتية. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة في الكوليج دو فرانس... أين نحن؟

ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه عندما كتب قائلاً:

الخميني ليس رجل سياسة. إنه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيران بعد الانتصار عليه. ولكن الأحداث اللاحقة كذبته كلياً. ففي الأول من فبراير (شباط) 1979 عاد الخميني إلى طهران، وشكل نظاماً ثيوقراطياً يتحكم رجال الدين بكل مفاصله. وراحوا يقطعون الرؤوس بالآلاف... والنتيجة معروفة للجميع.

هكذا نلاحظ أن فوكو أخطأ على طول الخط في تقييمه للثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فإن صديقه جان دانييل الذي أرسله إلى هناك راح يعتذر بشدة عن الخطأ الذي ارتكبه كلا الاثنين معاً. وهو خطأ لا يغتفر في رأيه. وأما فوكو الذي شاهد مجزرة المعارضين على يد آية الله الخلخالي، وسواه، فقد لزم الصمت وهو يتحسر، ويتمزق. وربما بصق على كل ما كتب، وفعل. ويقال إنه لزم بيته بضعة أسابيع قبل أن يتجرأ على الخروج في شوارع باريس خجلاً من نفسه، ومن الناس... كيف يمكن أن تخطئ إلى مثل هذا الحد يا رجل وأنت الفيلسوف الشهير؟ لقد عض على أصابعه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان. وهذا درس لكل المثقفين الذين يناصرون قضية أخرى غير قضيتهم، بل ومضادة لقضيتهم: نقصد قضية الأصولية الظلامية. نقول ذلك ونحن نعلم أن المثقفين اليساريين والشيوعيين -بل وحتى الليبراليين الإيرانيين- انضموا كلهم إلى صف الخميني، وساهموا في إنجاح حركته. ثم سرعان ما قطع رؤوسهم بعد أن وصل إلى السلطة، واستتب له الأمر. لا يريد مثقفين تقدميين متنورين في إيران الجديدة. يريد فقط مثقفين أصوليين من أشكاله.

أخيراً ابتدأ الشعب الإيراني يدفع الثمن الباهظ لهذه الثورة المتخلفة التي تحمس لها بالملايين قبل نصف قرن تقريباً. كل الثورات الكبرى التي صنعت الحداثة والازدهار والتقدم كانت مضادة للأصولية، ما عدا الثورة الخمينية... كلها من الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1688 إلى الثورة الأميركية عام 1776 إلى الثورة الفرنسية عام 1789 كانت ضد الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية. وحدها الثورة الإيرانية كانت الاستثناء. لقد كانت مضادة لحركة التاريخ. ولذلك لم ينتج عنها أي شيء مفيد، ولم تتقدم إلى الأمام، وإنما أعادتنا قروناً إلى الوراء. إنها ثورة معكوسة بالمقلوب كما قال المجدد الأكبر للفكر الإسلامي محمد أركون يوماً ما. والأنكى من ذلك أن أصحابها يريدون تصديرها إلى الشعوب المجاورة؟ ماذا يصدرون؟ هل يصدرون فكر العصور الوسطى وظلامياتها؟ هل يصدرون التخلف الفكري؟ هنا يكمن مقتل الثورة الإيرانية.


فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم
TT

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

تحمل فيروز معاني كثيرة داخل كل منا، فهي جمال الصوت المبهر وروعة الإحساس وذكريات الصبا ونسمة عذبة باردة تصفع وجوهنا برقة في صباحات رائقة ونحن نحتسي القهوة، لكنها ليست كذلك لدى الروائي السوري نبيل الملحم، إنها بالأساس طريقة لفهم الضوء حين يهبط على البحر، وطريقة لسماع الجبل وهو يتكلم، وطريقة لتصديق أن اللغة تستطيع أن تصبح بيتاً.

في كتابه «السيدة – تمرين على النجاة»، الصادر في نسخة إلكترونية حرة بعيداً عن دور النشر، يتساءل الملحم: هل من مغنية في تاريخ الإنسان تحمل كل هذه الأثقال؟ ويجيب بتأكيد قاطع: نعم، إنها السيدة فيروز، ثم يشرح فكرته مستعيناً بأدوات التشريح الفلسفي والرؤى الشاعرية والتحليل اللغوي والتأملات العميقة التي تمزج بين روح الشعر وبصمة النقد الموسيقي.

يشير الملحم إلى أنه ابن سوريا التي كانت تبحث منذ أزلها، عن نافذة تطل على البحر، فكانت فيروز ذلك البحر، حدث ذلك قبل أن تعرف الحدود السياسية طريقها إلى الأغنيات، حيث كان صوتها يعبرها كما يعبر الضوء زجاج النافذة.

في البيوت السورية، كما في البيوت اللبنانية، لم تكن فيروز ضيفة، كانت من أثاث الصباح، ومن رائحة القهوة، ومن برودة الماء في الجرار، ومن ذلك الحنين الذي يسبق الإنسان حتى قبل أن يعرف كيف يترجم مفردة «حنين» في طوايا نفسه.

يقول: «... كلما سمعت صوتها، شعرت أن المتوسط يغني نفسه، ليس البحر بوصفه ماءً، بل بوصفه ذاكرة، ذلك البحر الذي مر عليه الفينيقيون، والإغريق، والرومان، والعرب، والصليبيون، والعثمانيون، وكل من ظن أنه امتلكه، بينما كان البحر يحتفظ بسره كله في أغنية».

من هنا، يضيف: لم يصنع الرحابنة مدرسة موسيقية فحسب، بل أعادوا اختراع المكان، قبلهم كانت القرية مكاناً جغرافياً، وبعدهم أصبحت حالة روحية. لم تعد «بكفيا» أو «أنطلياس» أو «بشري» أو «زحلة» أو «بحيرية»، مجرد أسماء على الخرائط، صارت استعارات للإنسان نفسه، حتى الذين لم يزوروا لبنان قط، كانوا يعرفونه من خلال موسيقى الأخوين رحباني، كما يعرف المؤمن مدينته المقدسة من كتاب لم يزر أرضه.

ويذكر المؤلف أنه «حين يقول الرحابنة، لا يتحدث عن ملحنين فقط، بل عن فلاسفة أخفوا فلسفتهم داخل الأغنية، كانوا يعرفون أن الأفكار الثقيلة تموت سريعاً، بينما تعيش الفكرة إذا مشت حافية داخل لحن، ثم جاءت اللغة، ذاك الاكتشاف اللبناني العظيم، حين خرجت من المحكية كونها لغة البيوت إلى كونها لغة الشعر، فمن ميشال طراد مروراً بجوزيف حرب، وصولاً إلى طلال حيدر، لم تعد العامية لهجة، بل أصبحت وطناً آخر للقصيدة».

لقد كان هؤلاء، كما يضيف، يكتبون كما لو أنهم ينقذون الكلمات من عزلتها، ويعيدونها إلى فم الأم، وإلى رائحة التراب بعد المطر، وإلى الحجر الذي جلس عليه عاشقان على «صخرة الروشة»، وقد استبدلا بالانتحار العناق بعد أن استبدت بهما الأغنية. كانت فيروز الجسد الموسيقي لتلك اللغة، وبالتالي فإن الكتابة عنها ليست كتابة عن السيدة المطربة، بل عن الحضارة حين تنجو من الخراب.

إنه لهذا بالضبط تتجاوز فيروز التاريخ الرسمي، ذلك الذي يروي أسماء المنتصرين، أما الأغاني، فتروي أسماء الناجين، التاريخ الرسمي يشبه الجنرالات، يمشي وينظر إلى الأمام فقط، أما الثقافة، فإنها تمشي وهي تنظر في كل الاتجاهات، ولعل هذا ما جعل نبيل الملحم يشعر دائماً بأن الرحابنة لم يكونوا يكتبون للبنان وحده، كانوا يكتبون للمشرق الذي لم تستطع السياسة أن تصنعه، وأن هناك فرقاً هائلاً بين أن تؤسس دولة، وأن تؤسس خيالاً... الدولة تحتاج إلى حدود، أما الخيال، فيحتاج إلى نافذة.

الرحابنة فتحوا نافذة، دخل منها السوري، والفلسطيني، والأردني، والعراقي، والمصري، وربما اليوناني أيضاً، دون أن يسأل أحد عن جواز سفره، فهم لا يعترفون بالحدود إلا بوصفها سوء تفاهم مؤقتاً بين البشر.

المدهش أن الملحم كلما فكر في «فيروز»، اكتشف أنه لا يتذكر صوتها أولاً، بل صمتها. قد يبدو هذا تناقضاً، لكنه ليس كذلك، فهناك أصوات تملأ الفراغ، وهناك أصوات تكشفه. الأصوات الأولى تخيف الصمت وتضاده، أما الثانية فتتصالح معه، والفرق الحقيقي بين مغنٍّ عظيم ومغنٍّ خالد، هو أن الأول يملك صوته، أما الثاني فيملكه الصمت الذي يحيط بصوته.

ربما لهذا السبب لم تكن «فيروز» تغني كما يغني الآخرون. كانت تبدو في كثير من الأحيان، كأنها لا تؤدي الأغنية، بل تنصت إليها، بل تتكون في مكان لا تراه العين. لم تكن تفرض صوتها على الكلمات، بل كانت الكلمات هي التي تستدعي ذلك الصوت، كما تستدعي الأرض المطر حين تبلغ عطشها الأخير، ولعل هذه هي أول علامة على أن الفن تجاوز صاحبه، حين يتوقف الفنان عن قيادة العمل، ويصبح العمل هو الذي يقوده.

ويخلص المؤلف في كتابه الشيق قائلاً: «إنه من هذه الزاوية، تبدو (فيروز) أقرب إلى اختراع حضاري منها إلى موهبة فردية، الموهبة تفسر شيئاً واحداً: لماذا استطاعت أن تغني؟ لكنها لا تفسر لماذا أصغى إليها هذا العدد الهائل من البشر، على امتداد أكثر من نصف قرن، من دون أن يملوا؟».

هناك شيء آخر كان يعمل في الخفاء، شيء يتجاوز الصوت، وربما يتجاوز الموسيقى نفسها.

السر لم يكن في الحنجرة، بل في الثقة، ذاك الصوت كان يثق بالعالم، حتى حين كان العالم يفقد ثقته بنفسه، وهذه ليست صفة فنية، إنها صفة أخلاقية، ولهذا بقيت «فيروز» في أكثر اللحظات دموية في المشرق، تبدو وكأنها تتحدث من مكان لم تصله الحرب بعد.

ليس لأنها تجاهلت الحرب، بل لأنها كانت تعرف أن الحروب، مهما طالت، لا تملك المستقبل... الحرب تعيش في الزمن، أما الجمال، فيعيش خارجه، ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا، بعد كل هذه العقود، نتذكر أغنية، وننسى بياناً عسكرياً.


«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ
TT

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

في المجموعة القصصية «على هامش الحياة» للكاتب مصعب البدور الصادرة عن «الآن ناشرون وموزّعون» بالأردن (2026)، نشهد استحضاراً للذاكرة الجمعية لجيلٍ أردني عاش حياةً بسيطة وقيماً أصيلة تتجسد في التعاون والرضا والقدرة على التكيّف مع قلة الإمكانات.

والقصص الواردة في المجموعة، كما كتب الناشر، «ليست تسجيلاً لأحداثٍ وقعت لأشخاص بعينهم، وإنما هي صور فنية مستوحاة من الواقع الاجتماعي والذاكرة المشترَكة لذلك الجيل، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال لتجسّد تحولات الحياة من الماضي البسيط إلى الحاضر المعقّد، وتحافظ على تفاصيل وتجارب إنسانية تثير الحنين وتعبّر عن هوية المجتمع وقيمه».

يرى البدور الحياة بأكملها هي المتن الأساسي، ويعدّ كل القصص الواردة في مجموعته هوامشَ لهذا المتن الكبير، فتلك حكايات «على هامش الحياة»، حكايات أكثر إبانةً وكشفاً عن المكنون والذاكرة والنَّفس. انتظمت المجموعة في تسع حواشٍ، «تتّفق جميعها في التعبير عن ذاكرة الطفولة لجيل كامل».

يربط بين نصوص المجموعة حضور الطفل الذي يكبر جسده في حين تظلّ طفولته حاضرة في ذاكرته، فالخيال الطفولي يتحوّل وسيلةً لمقاومة الفقر والحرمان، ثم ينقلب مع الزمن تأمّلاً في آثار التربية والعائلة والمجتمع على النفس الإنسانية. وتظهر العلاقات الأسرية بوصفها المحور الأكثر تأثيراً؛ فالأب والأم والإخوة هم القوى التي تصنع الشخصية أو تجرحها أو تنقذها.

كما تشترك القصص في إبراز المفارقة بين براءة الطفولة وعنف الواقع، فألعاب الأطفال تتحوّل حروباً، والمنافسة رغبةً في الانتقام، والبرد رمزاً للقسوة، في حين يصبح الدفء رمزاً للأسرة والأمان. وفي المقابل، تحضر لحظات إنسانية مضيئة، مثل التعاون بين الجيران، والتضامن في مواجهة الأزمات، والصداقة العابرة للاختلافات الدينية والاجتماعية.