السابقة الطيبة

السابقة الطيبة

الأحد - 18 شعبان 1438 هـ - 14 مايو 2017 مـ

عملت في ديوان الخدمة المدنية في السعودية بين عامي 1984 و1990، قبل أن يتحول فيما بعد إلى وزارة خدمة معنية بتوزيع القوى العاملة، وكان رئيسه في ذلك الوقت تركي بن خالد السديري، وكان يعمل جاهدا لتحقيق العدالة بين الموظفين، فقد كانت محاضر ترقيات الموظفين ترفع من الجهات الحكومية، وديوان الخدمة يفاضل بينهم ويفوز الأفضل، وحينما يتقدم الخريجون لطلب وظائف يخضعون لمفاضلة من نوع آخر، فيفوز من كان تخصصه أقرب لطبيعة عمل الوظيفة، فإن تساووا، فيفوز الأعلى تقديرا، وهكذا تستمر شروط المفاضلة.
وللأمانة، كنت معجبا بعدالة تركي السديري الذي يسعى جاهدا لتحقيقها بين موظفي القطاع العام. وكان ينتابني شعور أن ديوان الخدمة المدنية لا يمكن أن يغشاه الفساد، والسبب ضعف الميزانية التي لا تشجع على السرقة، ثم إنك تتعامل مع طالبي وظائف، وإذا لم تحقق العدالة بينهم فإنهم سيشتكون لمن هو أعلى منك الذي سينصفهم، وكان هذا الشعور يقينيا لديّ، لكنني اكتشفت أنني على خطأ، إذ بإمكاني لو كنت وزيرا للخدمة المدينة أن أفتتح مكتبا للتوظيف وأسجله باسم أخي أو ابني ثم أحدث برنامجا لتوظيف الكفاءات الوطنية بحكم منصبي، وأدع مكتبي يعلن عن وظائف برواتب مغرية، فإذا تهافت لدي طالبو الوظيفة، أجمعهم وأوقع معهم عقودا، ولنفترض أنني جعلت مرتب كل فرد 37.500 ريال (10 آلاف دولار)، ثم أعيد توظيفهم لدى الحكومة بحكم منصبي كوزير بمرتبات أعلى وآخذ الفرق. كما بإمكاني أن أوظف على هذا البرنامج كل أقربائي حتى وإن كانت مؤهلاتهم الثانوية العامة أو كما يسميها البعض في عالمنا العربي «البكالوريا»! وأستبعد كل كفاءة ليس من أقربائي حتى ولو كان تخصصه في الذرة.
ومن لم يتعاون معي من الوزراء في تحقيق أهدافي أعطل محاضر ترقيات موظفيه لدي حتى يستجيب لمطالبي التي تخدم فسادي، وكما يقول خبراء الجنايات إن المجرم لا بد أن يترك أثرا، فقد نسيت أن بإمكان هؤلاء الوزراء أن يخبروا من هو أعلى مني فيقوم بمحاسبتي أو إحالتي للتحقيق لكشف تجاوزاتي. كما بإمكاني أن أطلب من القيادة مبلغ 400 مليون ريال لتحقيق أي مشروع أخترعه في وزارتي، وأسخر هذا المبلغ للصرف علي أو أسرقه وبذلك أحقق كل مآربي.
أما الاكتشاف الثاني، وإن كان متأخرا، فإنني اكتشفت أنني أعمل مع رجل شريف وصادق اسمه تركي بن خالد السديري، كما أنني اكتشفت أن أسوأ فساد هو التلاعب بالموارد البشرية التي هي العنصر الثالث من عناصر الإنتاج الاقتصادي، وتقول الروايات إن أحد أسباب سقوط الاتحاد السوفياتي هو وزير الخدمة المدنية، إذ كان يعمل عميلا للغرب... وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي، قال له أحد رجال الأمن، كنت أراقبك ولكنني لم أكتشف أنك كنت تعمل عميلا، فماذا كنت تفعل؟ فقال الوزير ببساطة كنت أضع كل طالب وظيفة في المكان غير المناسب له، وبذلك ترهلت الحكومة وسقط الاتحاد السوفياتي.


السعودية

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة