محمد باقر قاليباف فتى الحرس الثوري المدلل

مرشح الرئاسة المحافظ المهدد بصعود إبراهيم رئيسي

محمد باقر قاليباف  فتى الحرس الثوري المدلل
TT

محمد باقر قاليباف فتى الحرس الثوري المدلل

محمد باقر قاليباف  فتى الحرس الثوري المدلل

بعد 12 سنة من تجربة رئاسة بلدية طهران سيخوض محمد باقر قاليباف ثالث محاولة له للوصول إلى كرسي الرئاسة في إيران. وكان قاليباف خلال الشهور الأخيرة قد واجه تحديات مثل «فضيحة العقارات الفلكية» وانهيار مركز بلاسكو التجاري، في وسط المدينة، قبل تقديم أوراق الترشح رسميا.
من جهة ثانية، يعد الرجل من مئات آلاف المراهقين الإيرانيين الذين ابتلعتهم ماكينة غسل الدماغ الآيديولوجية للحرس الثوري الإيراني في بداية تأسيسه. كما يعد قاليباف المنحدر من قرية قريبة من مدينة مشهد ثاني كبرى مدن البلاد، واحداً من الفتيان القلائل الذين كتبت لهم النجاة بعد الحرب العراقية الإيرانية، ليجد طريقه لاحقا إلى أعلى المناصب العسكرية والقيادية في الجهاز المكلف بحماية ثالوث المرشد والنظام والثورة.

ولد محمد باقر قاليباف في أغسطس (آب) 1961 في بلدة طرقبة، قرب مدينة مشهد قاعدة خراسان وثاني كبرى مدن إيران، لأسرة متوسطة الحال. وتعني كلمة «قاليباف» (المركبة من قالي وباف) «حائك السجاد» بالفارسية. وكان عمره 17 سنة عندما أقر آية الله الخميني نظام ولاية الفقيه بعد الثورة الإيرانية عام 1979. ومع تأسيس الحرس الثوري في بداية الحرب العراقية الإيرانية في سبتمبر (أيلول) 1980 التحق قاليباف بصفوف المحاربين في جبهات جنوب غربي البلاد.
ثم بعد سنتين من التحاقه بالحرس الثوري، وجد قاليباف نفسه في قيادة لواء نواته من الخراسانيين اسمه «إمام الرضا» قبل أن يصبح قائد فيلق «نصر خراسان»، أبرز فيالق الحرس الثوري خلال سنوات الحرب في سن الـ22. ومع نهاية الحرب تولى قاليباف قيادة مجموعة «خاتم الأنبياء»، الذراع الاقتصادية للحرس الثوري، قبل أن ينتقل لقيادة القوة الجوية في الحرس بين عامي 1997 و2000. وكان قاليباف من قادة الحرس الذين تلقوا تدريبات عسكرية في كوريا الشمالية عام 1995، وخضع لفترة تدريبية في شركة إيرباص لقيادة الطائرات المدنية قبل تعيينه في منصب قائد جوية الحرس الثوري. وفي الفترة نفسها حصل على دكتوراه في الجغرافيا السياسية من جامعة «تربيت مدرس» أحد أهم معاقل المحافظين في المراكز العلمية الإيرانية.

* «جنرال الكماشة»
بعد أيام من انطلاق الاحتجاجات الطلابية في يوليو (تموز)  1999 وجه 23 من أبرز قادة الحرس الثوري رسالة شديدة اللهجة إلى (الرئيس يومذاك) محمد خاتمي، هددوا فيها بالتدخل إن لم توقف الحكومة الحراك الطلابي. ولكن الرسالة حملت ما هو أكبر من التهديد بالتدخل، حيث بدأت بـ«طفح الكيل» تهديداً صريحاً بالانقلاب العسكري ضد الحكومة «الإصلاحية». وكانت تلك من أوضح تدخلات الحرس الثوري في شؤون الحكومة منذ تأسيس الحرس. وفي تسجيل تسرب لاحقاً عبر المواقع الإيرانية يقول فيه قاليباف، إنه ترك مكتبه وأمسك بالعصا ونزل إلى الشارع لمواجهة الطلاب. كما يقول في التسجيل: «عندما وقعت اضطرابات الحي الطلابي 1999، كتبت الرسالة الموجهة إلى خاتمي أنا والسيد قاسم سليماني (قائد فيلق القدس)، وعندما تحرك الطلاب باتجاه بيت المرشد كنت قائد جوية الحرس الثوري». وفي إشارة إلى صوره يتابع: «عندما تكون هناك ضرورة ننزل إلى الشارع ونضرب بالعصا. نكون بين من يضربون العصا. نفتخر بذلك. لم أقل حينها أنا قائد القوات الجوية... ما شأنك بذلك؟».
بعد عام من أحداث الحركة الطلابية، وقع اختيار خامنئي على قاليباف لقيادة الشرطة الإيرانية. ويذكر عنه أنه قام بتحديث الشرطة الإيرانية عبر تعزيزها بأحدث التجهيزات، لكن كثرت المضايقات ضد الناشطين والفنانين والمثقفين في هذه الفترة، وأعاد قاليباف دوريات الآداب العامة التي كانت قد توقفت بعد حل اللجان الثورية عام 1991 ودمج عناصرها بالشرطة. وللعلم، في مناظرات الانتخابات 2013 حاول قاليباف توجيه ضربة للمرشح (الرئيس الحالي حسن روحاني) أثناء حديثه عن ضرورة الانفتاح السياسي متهما إياه بمنع إصدار تراخيص نشاطات سياسية عندما كان أميناً عاما لمجلس الأمن الوطني. ذلك الموقف رد عليه روحاني بضربة أقوى عندما قال: «أنا أستغرب جدا السيد قاليباف. صحيح يجب أن نتنافس لكن ليس بهذه الطريقة. قلبي لم يطاوعني قول ذلك لكنك تجبرني على قوله. أنتم مَن قال: اسمحوا بتقدم الطلاب. نحن لدينا استراتيجية الكماشة. نحن قلنا ليس طريقة مناسبة أن نصدر ترخيصا لكي تقوموا باعتقال بالجملة». ومنذ تلك اللحظة تحديدا تحولت تسمية «الكماشة» - «غازانبري» بالفارسية - إلى شبح يطارد اسم قاليباف في حله وترحاله.
هذه الخلفية العسكرية خدمت منافسي قاليباف في الانتخابات الرئاسية الثلاثة التي شارك فيها. حاول خصومه العزف على وتر سجله الأمني والعسكري للاستدلال على فقدانه للخطاب السياسي الواضح. تقديم قاليباف على أنه الرئيس الذي يجيد توجيه الأوامر بالطريقة العسكرية استهدف سلته الانتخابية بين أطياف المجتمع الذين يطالبون بتنمية الحريات السياسية والاجتماعية.

* أول فشل انتخابي
في عام 2005 قرر قاليباف ترك قيادة الشرطة الإيرانية والملابس العسكرية ودخول معترك السياسة رسمياً عبر الترشح للرئاسة الإيرانية، إلا أن التجربة فشلت تماماً، بعدما حل في المرتبة الرابعة بعد محمود أحمدي نجاد والرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني والزعيم «الإصلاحي» مهدي كروبي، وخرج من الجولة الأولى بعدما كان متقدما على المرشحين المحافظين الآخرين وفق استطلاعات الرأي. لكن دعم أحمدي نجاد من نجل المرشد الإيراني مجتبى خامنئي قلب المعادلة، وهكذا انحصرت الجولة الثانية بين أحمدي نجاد وهاشمي رفسنجاني.
بعد السقوط الأول استقرت مسيرة قاليباف في بلدية طهران. إذ بعد أقل من ثلاثة شهور من هزيمته في الانتخابات الرئاسية صوت مجلس بلدية طهران ذو الغالبية المحافظة لصالحه في منصب رئيس بلدية العاصمة خلفا لأحمدي نجاد وذلك بعد موافقة ثمانية ومعارضة سبعة من أعضاء المجلس.

* التجربة الرئاسية الثانية
بعد ذلك عاد قاليباف لفكرة المشاركة في الانتخابات الرئاسية عام 2013 تحت شعار «الحياة - الشعب - التغيير». وهذه المرة حاز المرتبة الثانية بستة ملايين صوت لكنه خسر بفارق كبير ‌‌‌أمام روحاني. ولقد أسهم ترشح غلام علي حداد عادل وعلي أكبر ولايتي (كلاهما من التيار المحافظ) بإضعاف موقف قاليباف، إذ أظهر عمق الخلافات بين «المحافظين».
وهنا، تجدر الإشارة، إلى أنه على مدى 12 سنة في منصب عمدة طهران عمل قاليباف على زيادة دخل بلدية طهران عبر بيع الأراضي في محيط طهران وتحويل الأراضي الزراعية إلى تجارية. وبالتالي، يواجه تهما بأن إجراءاته استهدفت الفقراء في العاصمة وضواحيها، ولا سيما، توسيع الطرق والقيام بمشروعات عملاقة تركت آثارا سلبية على الطبقة الفقيرة والعاملة في طهران كما تركت شبهات كبيرة بوقوع تجاوزات مالية.

* التجربة الرئاسية الثالثة
في انتخابات هذا العام تراجع قاليباف عن خطابه المعهود في السنوات الثماني الماضية، وتقمص شعارات الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد بتركيزه على القضايا التي تهم الطبقة المتوسطة والفقيرة، وتحديدا الوضع المعيشي الضاغط في إيران هذه الأيام. وبموازاة ذلك، حاولت وسائل الإعلام أن ترسم له صورة الرجل المتواضع الذي يفضل الحياة ببساطة على الرجل صاحب «الكاريزما» الخاصة وصاحب البدلات الثمينة. وهي الصورة التي يحرص قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، على الظهور بها أمام الإيرانيين. وخلال المناظرة الثانية التي أجريت في 5 مايو (أيار)  الحالي دافع قاليباف عن أداء حكومة أحمدي نجاد، وقال إنها اهتمت بالطبقات الفقيرة أفضل من إدارة روحاني. لكن ذلك لم يرق أحمدي نجاد الذي اتهم قاليباف بالسعي وراء خطف سلته الانتخابية.
وبعدما أعلنت الجماعات المحافظة تأسيس الجبهة الشعبية للقوى الثورية (جمنا) بهدف تفادي خسارة الانتخابات 2013، برز اسم قاليباف بين المرشحين الأساسيين للمحافظين، إلا أن حضوره لم يتأكد إلا في اللحظات الأخيرة من تقديم طلبات الترشح. وللعلم، قبل تقديمه الطلب بأسبوع أثار قاليباف يوم 5 أبريل (نيسان) تكهنات عن عزوفه، إثر بيان قال فيه إنه لا يوجد لديه أي مخطط لخوض الانتخابات لكنه سيعمل بكل طاقته لقدوم رئيس جديد من أجل تغيير أساسي في البلاد.
ومن ثم، قرأ المراقبون عودة قاليباف للترشح بأنه نتيجة خلافات عميقة بينه وبين «جمنا»، التي تشير التوقعات إلى أنها ستدعم ترشح المدعي العام السابق إبراهيم رئيسي مرشحا نهائيا ضد الرئيس المنتهية ولايته روحاني. ووفق بيان «جمنا» فإن مرشحيها وافقوا على الانسحاب لصالح المرشح الأصلح. وحقاً، مع دخول الحملات الانتخابية الأسبوع الأخير يتقدم رئيسي على قاليباف بعدما أعلنت جماعة «جبهة بايداري» وجمعية رابطة مدرسي وطلاب حوزة قُم العلمية ورابطة العلماء المجاهدين، أهم جمعيات رجال الدين الإيراني، تأييد ترشح رئيسي. في المقابل، لم يعلن أي حزب محافظ تأييد قاليباف بعد.
مع هذا، من النقاط الإيجابية لقاليباف قدرته على تنظيم الحملات الانتخابية في كل مناطق إيران، وهو يحافظ على هيكل حملاته الانتخابية منذ أول فترة شارك فيها عام 2005. كذلك فإنه يملك منابر إعلامية كثيرة تعبّر عن وجهة نظر جماعته من بينها موقعا «فردا نيوز» و«شفاف نيوز»، ثم إن صحيفتي «همشهري» و«تهران أمروز» التابعتين لبلدية طهران تعدان من المنابر المنحازة لاتجاه قاليباف السياسي. ويعتقد وجود أكثر من خمسين موقعاً نشطاً ضمن مجموعة قاليباف الإعلامية. أضف لما سبق أنه عرف عن قاليباف خلال السنوات الماضية قدرته على استقطاب المواهب الإعلامية والسياسية في الجامعات الإيرانية المعروفة وضمها إلى فريقه الإعلامي القوي.
مقابل ذلك، قبل أشهر من انطلاق الحملات الانتخابية واجه قاليباف تحديات مثل فضيحة العقارات الفلكية، إذ كشف موقع «معماري نيوز» عن بيع عقارات مملوكة لبلدية طهران لأعضاء في مجلس البلدية ومسؤولين وقيادات عسكرية بأقل من نصف سعر السوق. وجاءت الفضيحة بعد شهرين من تعرض حكومة روحاني لضغوط واسعة بسبب فضيحة «الرواتب الفلكية». وفي فبراير (شباط) أدى حريق في قلب طهران التجاري إلى انهيار أكبر مجمع لبيع الملابس مما أدى إلى مقتل أكثر من 15 من رجال الإطفاء و10 مواطنين.
اليوم، من أبرز الوعود التي يقطعها قاليباف هذه الأيام توفير أربعة ملايين فرصة عمل لتخلص البلاد من أزمة البطالة، فضلا عن رفع المساعدات المالية المقدمة للمواطنين نحو 2 - 5  إذا ما جلس على كرسي الرئاسة. ومع أن خصومه حاولوا اتهامه بأنه يهدد الحريات، وأنه «الجنرال» الذي يحاول إقصاء الإناث من الوظائف ويعيد الأجواء الأمنية إلى زمن أحمدي نجاد، فإن قاليباف يحظى بدعم بعض أقدم قادة الحرس الثوري والمتنفذين منهم. كذلك تربطه علاقات وثيقة بقاسم سليماني ويجمع في فريقه عددا كبيرا من المستشارين شغلوا مناصب قيادية في الحرس الثوري إبان الحرب. كذلك يحظى قاليباف بدعم قادة الحرس الثوري الصاعدين برافعة الآيديولوجيا.
مع هذا يرى مراقبون أن تأييد رئيسي من قبل آخرين من كبار قادة الحرس الثوري قد يتحول إلى عامل ضغط على قاليباف، قد يجبره على التنازل لصالح المنافس المفضل لخوض الانتخابات. ويذكر هنا أنه في بداية الحملات الانتخابية تردد أن قاليباف تلقى وعودا من «جمنا» بأن يكون نائب الرئيس إذا ما وصل إلى كرسي الرئاسة.
بناءً عليه يمكن القول إن طموح «فتى خراسان المدلل» في الحرس الثوري قد يتعثر بطموح إبراهيم رئيسي «فتى خراسان المدلل» في القضاء... وهو الذي يضع نصب عينيه منصب المرشد الأعلى، الذي يحتله راهناً خراساني ثالث هو علي خامنئي. ثم قد يلعب القدر لعبته في السنوات القليلة المقبلة فيرتدي رئيسي عباءة خامنئي... ويجلس قاليباف بدلا منه على كرسي الرئاسة.
 



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.