إسماعيل هنية على رأس حماس

تفوق على 5 منافسين ويستعد لمغادرة القطاع وقيادة الحركة من الخارج... وفتح تبارك

إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي الجديد لحركة حماس (أ.ب)
إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي الجديد لحركة حماس (أ.ب)
TT

إسماعيل هنية على رأس حماس

إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي الجديد لحركة حماس (أ.ب)
إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي الجديد لحركة حماس (أ.ب)

نجح إسماعيل هنية، رئيس حركة حماس السابق في قطاع غزة في الوصول إلى أعلى منصب في الحركة الإسلامية بعد إبعاد منافسيه على رئاسة المكتب السياسي، خلفا لخالد مشعل، الذي بقي عضوا في مجلس الشورى العام.
وأعلنت حماس رسميا، أمس، انتخاب رئيس حكومتها السابق في القطاع إسماعيل هنية رئيسا للمكتب السياسي الجديد. وقال خالد مشعل، الرئيس المنصرف، إنه يضع ثقته الكاملة في القيادة الجديدة للحركة، وإنه يصطف خلف «القائد الجديد إسماعيل هنية». وأضاف: «أنا وإخوتي جنود في هذه الحركة نصطف خلف القيادة على قلب رجل واحد». وبإعلان هنية رئيسا لحماس، تغلق الحركة باب الانتخابات الداخلية التي استمرت 4 شهور، وشملت 4 قطاعات، هي غزة والضفة والسجون والخارج.
وانتخاب هنية هو أبرز مخرجات الانتخابات، التي جاءت كذلك بالأسير محمد عرمان قائدا لحماس في السجون، ويحيى السنوار رئيسا للحركة في القطاع، في حين لم يعلن عن اسم مسؤول الضفة الغربية؛ خشية اعتقاله من قبل الإسرائيليين. وتكتمت الحركة على اسم مسؤولها في الخارج كذلك لأسباب لم تفصح عنها. وفي جلستها الأخيرة، عقدت حماس اجتماعا مغلقا شاركت فيه قيادة الحركة في العاصمة القطرية الدوحة، وقيادات من قطاع غزة، في حين تم إشراك قيادة الضفة بطرق لم يتم كشفها. وشكل المجتمعون مجلس الشورى العام، ويمثل 15 عضوا لكل قطاع، غزة والخارج والضفة، إضافة إلى رؤساء الهيئات الرقابية ورئيس مجلس القضاء الأعلى.
وشهدت الجلسة، بحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط»، مفاجآت في عدد الذين تم ترشيحهم لمنصب رئيس المكتب السياسي وكانوا 5، هم إسماعيل هنية (غزة) وموسى أبو مرزوق ومحمد نزال وصالح العاروري (جميعهم في الخارج) وخامس من الضفة الغربية جرى التحفظ على اسمه. وبحسب المصادر، فقد احتدمت المنافسة بشكل كبير بين هنية الذي قاد حماس لسنوات طويلة في غزة، وأبو مرزوق الذي انتخب أول رئيس للمكتب السياسي للحركة عام 1992، وقالت المصادر إن هنية نجح أخيرا في حسم الأمر بعد منافسة شرسة وصراع كبير؛ بسبب توجه قديم لدى قيادات نافذة في حماس بأنه الأنسب لقيادة المرحلة الجديدة.
وجاء انتخاب هنية بعد أيام قليلة من إعلان الحركة وثيقتها السياسية الجديدة التي أثارت جدلا. وقبلت حماس في الوثيقة الجديد بدولة فلسطينية على حدود 67، وأعلنت فك الارتباط بالإخوان المسلمين. وفسر ذلك على تحول كبير في نهج حماس وفكرها، وسط ترحيب بـ«براغماتية الحركة» مقابل انتقادات لنهج «التخلي عن فلسطين». وكان زعيم حركة حماس السابق خالد مشعل واضحا عندما أعلن أن وثيقة الحركة دليل على أن حماس حيوية متجددة تتطور في أدائها السياسي. والوثيقة مظهر طبيعي من مظاهر تطور وتجدد حماس. وتعول حماس الآن على قيادة هنية لها في مرحلتها الجديدة، وهو المعروف كذلك ببراغماتيته.
وكانت «الشرق الأوسط» نشرت في الخامس من سبتمبر (أيلول) الماضي حول توجه داخل حماس لانتخاب هنية لرئاسة المكتب السياسي للحركة بديلا لخالد مشعل؛ لما يحظى به من احترام داخلي وخارجي؛ كونه «دبلوماسيا». واستند أصحاب الفكرة إلى أن هنية يتمتع «بشعبية وجماهيرية كبيرة داخل الحركة، ويُعد من القيادات المعتدلة في نظر الكثير من السياسيين والكتاب والمحللين، وكذلك لدى الكثير من الشخصيات العربية والإسلامية».
ويعد هنية من التيار الذي يحاول في حماس كسب جميع الأطراف، بما في ذلك استعادة العلاقة مع النظام الإيراني وفتح علاقات جيدة مع النظام المصري ودول عربية وإسلامية أخرى.
وصعد هنية بسرعة على سلم حماس منذ ترشيحه على رأس قائمة حماس لانتخابات المجلس التشريعي عام 2006، ثم عينته الحركة رئيسا للحكومة الفلسطينية التي شكلها الرئيس الفلسطيني محمود عباس آنذاك، ثم بقي على رأس حكومة أخرى شكلتها حماس في غزة متحديا قرار لعباس بحل الحكومة، وظل على رأسها حتى انتخب نائبا لمشعل قبل سنوات، فترك الحكومة وتفرغ إلى العمل داخل الحركة.
ويفترض أن يغادر هنية قطاع غزة إلى القاهرة، ومن ثم إلى العاصمة القطرية الدوحة في أي وقت. وقالت مصادر حماس لـ«الشرق الأوسط» إنه يفترض أن يقود هنية الحركة من الخارج، وهو ما أشارت إليه «الشرق الأوسط» سابقا. وثمة اتفاق داخل حماس على أن يكون قائد الحركة العام مقيما خارج فلسطين؛ كي يكون أبعد قدر ممكن عن أيدي إسرائيل، ويتمكن من الحركة بسهولة ويسر لتمثيل حماس، وجلب كل دعم سياسي ومالي ممكن لها. ولا يعرف بالضبط متى سيغادر هنية، لكن قد يتم ذلك في أسرع وقت بعد التنسيق مع مصر.
وفوز هنية يقوي دفة قطاع غزة في قيادة الحركة؛ إذ ينحدر الرجل وعاش طيلة حياته داخل مخيم الشاطئ في القطاع، ويعزز من أخذ حماس بالشورى في قراراتها، بعد رحيل مشعل الذي كان يعد رجلا قويا داخل الحركة. وقال الناطق باسم الحركة فوزي برهوم «انتخاب هنية تأكيد على أن حركة حماس حركة قوية شورية مؤسساتية متجددة تؤمن بالديمقراطية وتحترم نتائجها». وأضاف برهوم «إن على سلم أولويات قيادة الحركة الجديدة مواصلة وتكثيف الجهود الرامية إلى تمتين وتقوية العلاقات الفلسطينية الداخلية وترتيب البيت الفلسطيني وتعزيز صمود شعبنا، إضافة إلى حشد كل الطاقات العربية والإسلامية والدولية للوقوف إلى جانب شعبنا الفلسطيني، وتعزيز صموده ودعم عدالة قضيته». وقال الناطق الآخر باسم الحركة، عبد اللطيف القانوع: «انتخاب هنية تأكيد على أن حماس حركة ولودة تضخ دماء جديدة، وتجدد قياداتها في كل المستويات التنظيمية واللجان والدوائر المختلفة بشكل دوري».
وفورا باركت حركة فتح لهنية منصبه الجديد. وقال عزام الأحمد، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الذي كان نائبا لهنية في أول حكومة وحدة استمرت 100 يوم عام 2006 «نتمنى له التوفيق. أنا متفائل به. لقد عملت معه من دون مشكلات. ونأمل أن تكون أول خطوة له هي تسيلم إدارة غزة إلى حكومة الوفاق الوطني كي نتمكن من إنهاء الانقسام». وفي إسرائيل لم يدل مسؤولون إسرائيليون بتعليق فوري بسبب عطلة يوم السبت. ولا يعرف بعد كيف سيؤثر فوز هنية برئاسة حماس على وعد كان قطعه وزير الجيش الإسرائيلي افيغدور ليبرمان باغتياله. وقبل أسابيع سئل ليبرمان عن مصير وعده باغتيال هنية، فقال لمستوطنين إن عليهم أن يراجعوه بعد انتهاء مهلته وزيرا، في إشارة على إصراره على اغتيال زعيم حماس.
* إسماعيل هنية.. في سطور
* ولد عام 1963، لأسرة فلسطينية لاجئة وفقيرة، في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة.
* عاش يتيماً بعد وفاة والده الذي كان يعمل صياداً.
* أصله من عسقلان التي تحتلها إسرائيل وخرج أهلها منها لاجئين إلى غزة.
* بدأ نشاطه السياسي في الجامعة نشيطاً في الكتلة الإسلامية التي كانت تمثل «الإخوان المسلمين».
* حصل على درجة البكالوريوس في اللغة العربية من الجامعة الإسلامية بغزة عام 1987 من قسم الأدب العربي.
* أيام شبابه كان معروفاً بحبه الشديد لكرة القدم، وقد لعب كثيراً من المباريات وتعمد المشاركة في بعضها حتى عندما كان رئيساً للحكومة.
* اعتقلته قوات الاحتلال عام 1989 لمدة 3 سنوات.
* برز كأحد قادة حماس الشباب، خلال الانتفاضة الأولى وذاع صيته كخطيب مفوّه.
* في 17 ديسمبر (كانون الأول) عام 1992 أبعده الاحتلال إلى جنوب لبنان مع العشرات من قياديي حركة «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، حيث استمر إبعاده لمدة عام.
* في عام 1996، لجأ مع مجموعة من قيادات «حماس» لتأسيس حزب «الخلاص الإسلامي» ليشكل واجهة سياسية لـ«حماس».
* عمل هنية إلى جانب مؤسس الحركة أحمد ياسين بعد الإفراج عنه عام 1997، وشغل منصب مدير مكتبه، وكان مرافقاً مخلصاً له، وقد شوهد مرات عددية وهو يجر كرسي الشيخ ياسين.
* تعرض لاحقاً لمحاولة اغتيال إسرائيلية بينما كان برفقة «ياسين» في 6 سبتمبر (أيلول) عام 2003، عندما ألقت طائرة حربية إسرائيلية قنبلة على منزل في غزة، غير أن هنية وياسين وسكان المنزل نجوا من القصف.
* ترأس هنية كتلة التغيير والإصلاح التابعة لـ«حماس»، خلال الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2006، والتي حصدت غالبية المقاعد، ليشكل الحكومة الفلسطينية العاشرة.
* في العام نفسه، تعرض لمحاولة اغتيال وهو عائد من جولة خارجية، وأصيب ابنه وقتل أحد حراسه داخل معبر رفح الحدودي.
* تمرد هنية على الرئيس الفلسطيني محمود عباس عندما أعلن الأخير عام 2007 حل الحكومة الفلسطينية، لكنه رفض قرار عباس، واستمر في منصبه رئيساً لحكومة حماس في غزة حتى عام 2014، حين تم التوصل إلى اتفاق مع حركة فتح عرف باسم «إعلان الشاطئ»، ونص على تشكيل حكومة الوفاق الوطني.
* انتخب قائداً لـ«حماس» في غزة عام 2012، ونائباً لرئيس حماس السابق خالد مشعل.
* استهدف في 2014 خلال الحرب الأخيرة على القطاع، عندما قصفت إسرائيل منزله، لكنه لم يكن بداخله، وقيل إن نائبه وأحد المقربين منه، وهو عماد العلمي الذي أصيب في القصف وكان قريباً من هنية، وقد بترت قدم العلمي لاحقاً.
* له 14 من الأبناء من بينهم عبد السلام، وهو نجله الأكبر، ويعد مسؤولاً في غزة عن الحركة الرياضية.



حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
TT

حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)

تفرض الجماعة الحوثية منذ أيام حصاراً أمنياً على منزل الزعيم القبلي حمير الأحمر، أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية، في حي الحصبة شمال العاصمة المختطفة صنعاء، في خطوة أثارت حالة من الاستنكار داخل الأوساط القبلية والسياسية.

وأفادت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، بأن القيادي الحوثي يوسف المداني وجّه، قبل أيام، بفرض طوق أمني مُشدد حول منزل الأحمر، مع نشر مسلحين مُلثمين على متن مدرعات وعربات عسكرية في محيط الشوارع المؤدية إليه، وإقامة نقاط تفتيش لتقييد حركة الدخول والخروج.

وحسب المصادر، فقد شملت إجراءات الجماعة التدقيق في هويات الزائرين، ومنهم مشايخ من قبيلة حاشد وقبائل أخرى، ومنع بعضهم من الوصول إلى المنزل، فيما أرغمت زواراً آخرين على توقيع تعهدات بعدم مُعاودة زيارة الأحمر؛ في تصعيد لافت ضد شيوخ القبائل في مناطق قبضتها.

الشيخ حمير الأحمر أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية (فيسبوك)

وأوضح سكان مجاورون لمنزل الأحمر شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، أن الحي شهد تعزيزات أمنية غير مُعتادة، الأمر الذي انعكس على الحركة اليومية وأثار مُخاوف كبيرة من تطور الموقف إلى اندلاع مواجهات قبلية، خصوصاً في ظل الاحتقان الشعبي المُتصاعد.

كما يخشى السكان من أن يؤدي ذلك التحرك الذي يصفونه بـ«الاستفزازي» إلى مزيد من الاحتقان القبلي، خصوصاً إذا طال أمد الحصار أو توسعت دائرة الاستهداف لتشمل شخصيات أخرى.

رسائل إخضاع

يُعد الشيخ حمير الأحمر من أبرز الوجاهات الاجتماعية في قبيلة حاشد، إحدى كبرى القبائل اليمنية وأكثرها تأثيراً في المشهد السياسي. ويرى مراقبون أن استهداف شخصية قبلية بهذا الوزن قد يُنظر إليه على أنه رسالة سياسية تتجاوز الإطار الأمني المباشر.

وعبّر وجهاء قبليون من عمران وصنعاء وريفها لـ«الشرق الأوسط»، عن استيائهم الكبير من الإجراءات الحوثية المُتبعة، معتبرين أن التضييق المُستمر على الرموز القبلية يُشكل تجاوزاً للأعراف الاجتماعية المُتعارف عليها، ويُهدد بإثارة حساسيات واسعة في محيط القبائل الشمالية.

وأشاروا إلى أن استمرار مثل هذه الإجراءات يُعد «استفزازاً مباشراً» للأعراف القبلية المتجذرة في المجتمع اليمني، التي تجرّم محاصرة المنازل بمختلف أنواع الأسلحة أو انتهاك حرمتها.

الحوثيون يفرضون قبضة أمنية على السكان خشية أي انتفاضة ضدهم (إ.ب.أ)

كانت مصادر محلية قد أفادت بأن مسلحي الجماعة اختطفوا الشيخ القبلي جبران مجاهد أبو شوارب، أحد مشايخ حاشد في إحدى نقاط التفتيش شمال صنعاء خلال عودته من زيارة منزل الأحمر، واقتادوه إلى جهة غير معلومة دون معرفة الأسباب.

تواصُل الزيارات

على وقع الإجراءات الحوثية المُشددة، تتواصل في صنعاء زيارات عدد من شيوخ القبائل ووجهائها إلى منزل الشيخ حمير الأحمر، غير آبهين بالقيود التي تفرضها الجماعة في محيط المنزل منذ أيام.

ووفق مصادر قبلية، فإن شخصيات اجتماعية بارزة حرصت على الوصول إلى منزل الشيخ الأحمر، تعبيراً عن التضامن ورفض ما وصفوه بـ«انتهاك الأعراف القبلية» في ظل استمرار انتشار المسلحين وإقامة نقاط تفتيش حول المنطقة.

وأكدت المصادر أن الزيارات تتم وسط أجواء من التوتر، إلا أنها تعكس تمسك القبائل بموقفها الداعم والمؤيد للشيخ الأحمر.

وأشار مراقبون إلى أن هذه التحركات القبلية تحمل رسائل واضحة برفض سياسة التضييق ومحاصرة المنازل، معتبرين أن الأعراف القبلية في اليمن تضع حرمة خاصة للبيوت وتحظر استهدافها بأي شكل من الأشكال.

لقطة من كاميرا مراقبة تُظهر عرضاً عسكرياً حوثياً سابقاً أمام منزل الشيخ الأحمر (فيسبوك)

تأتي هذه التطورات في سياق علاقة مُتوترة بين الحوثيين وعدد من شيوخ ووجهاء القبائل، منذ اجتياحهم صنعاء ومدن أخرى، حيث سعت الجماعة إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ القبلي وإخضاع القيادات التقليدية لسلطتها.

كانت الجماعة الحوثية، وفي سياق أعمال الاستفزاز المُتكررة، قد نظمت في أغسطس (آب) من العام الفائت، عرضاً عسكرياً أمام البوابة الرئيسية لمنزل الراحل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في صنعاء مع ترديد «الصرخة الخمينية».

Your Premium trial has ended


تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، الذي ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحضور عربي إسرائيلي وغياب للسلطة الفلسطينية، فتح الباب لأفكار عديدة، اختصرتها واشنطن في أموال إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، بينما كانت المطالب العربية مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع كاملاً ونشر قوات الاستقرار الدولية وتمكين لجنة التكنوقراط من عملها دون عراقيل من تل أبيب.

تلك المخرجات لهذا الاجتماع الذي حضره ممثلون من أكثر من 40 دولة، ومراقبون من 12 دولة أخرى، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، قد لا تنجح في اختبار التنفيذ، لأن هناك عراقيل عديدة أبرزها عدم الانسحاب الإسرائيلي، وعدم الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن نزع سلاح «حماس»، وهو ما سيعقد التنفيذ بصورة كبيرة وقد تقود الاتفاق لتعثر أو تجميد.

مخاوف

وأكد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، ضرورة توخي الحذر من جهود يمكن أن تقوض عملية السلام في غزة، حسب ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، عن وكالة «أنتارا نيوز» الإندونيسية، الجمعة.

ويحمل التحذير الإندونيسي مخاوف من التنفيذ غداة مشاركته في تدشين ترمب «مجلس السلام»، الذي شهد تركيزاً على إعادة إعمار قطاع غزة الذي مزّقته الحرب الإسرائيلية، وتشكيل قوة استقرار دولية فيه.

وأعلن ترمب أن بلاده ستتبرع بمبلغ 10 مليارات دولار للمجلس، مشيراً إلى أن السعودية وكازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر وأوزبكستان والكويت ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار للحزمة الإغاثية لغزة.

وشدّد ترمب على نزع سلاح «حماس»، بقوله إن الحركة ستسلم أسلحتها كما وعدت، محذراً من «ردّ قاسٍ» إذا لم تفعل. وقال: «العالم الآن ينتظر (حماس) وهي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا حالياً».

ولم يختلف معه وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، في كلمته، باجتماع مجلس السلام، معلناً دعمه خطة نزع سلاح «حماس» وغيرها من الفصائل، وسبقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتأكيد قبل الاجتماع أنه «لن يكون هناك إعادة إعمار قبل نزع سلاح غزة».

فيما أعلن الجنرال جاسبر جيفرز، قائد قوة الاستقرار الدولية التي تم تشكيلها حديثاً، في كلمته بالاجتماع، أن إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا تعهدت جميعاً بإرسال قوات للمشاركة في الجهود. بالإضافة إلى ذلك، وافقت مصر والأردن، البلدان المحاذيان لقطاع غزة، على تدريب قوات الشرطة والأمن.

بينما أكدت مصر في كلمتها التي ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أهمية الحفاظ على الارتباط بين الضفة الغربية وغزة، لتمكين السلطة الفلسطينية من استئناف مسؤولياتها في القطاع، داعياً لتمكين الفلسطينيين من مباشرة أمورهم، وتمكين «لجنة التكنوقراط»، من مباشرة أعمالها من داخل القطاع وبكل مناطقه.

وتعهد رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في كلمته، بتقديم الدوحة مليار دولار لدعم مهمة المجلس للتوصل إلى حل نهائي، مؤكداً أن مجلس السلام تحت قيادة ترمب «سيدفع للتنفيذ الكامل لخطة الـ20 بنداً دون تأخير».

الملاكمة الفلسطينية الهاوية النازحة فرح أبو القمسان أمام أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل في الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات، الدكتور سعيد عكاشة، أن ما تم طرحه في «مجلس السلام» لا يحمل خططاً واضحة، وسيقود لارتباك في تنفيذ الاتفاق وربما تعثر وجمود، مشيراً إلى أن ترمب سارع في تحقيق إنجاز بتدشين المجلس دون التركيز على إنهاء العقبات والوصول إلى تفاهمات لها أولاً.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، مشيراً إلى أن «تعهدات المجلس قد تتعثر في اختبار التنفيذ لأنه مُصَر على المضي في نقاط اقتصادية مثل جلب أموال للإعمار دون إعلان خطة واضحة أو نقاط أمنية مثل نزع سلاح (حماس) دون الحديث عن انسحاب إسرائيل أو مستقبل الحركة».

وتابع: «هذا البعد عن الالتزامات السياسية للمجلس يعد إشكالية وسيصطدم بتعقيدات أمنية تؤخر تنفيذ البنود الشائكة مثل نشر قوات الاستقرار أو انسحاب إسرائيل أو تمكين (لجنة التكنوقراط)».

أولوية «حماس»

بالمقابل، واصلت «حماس» عدم الصدام مع تصريحات ترمب التي يصدرها بشأن نزع سلاحها الأيام الأخيرة، معلنة في بيان الخميس، أن أي ترتيبات في قطاع غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان الإسرائيلي».

وتعقيباً على الاجتماع، أكدت «حماس»، في بيان، مساء الخميس، أن «أي مسار سياسي أو ترتيبات تُناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير».

فيما قال الوسيط الأميركي بشارة بحبح في تصريحات صحافية الخميس، إن نزع سلاح «حماس» مرهون بتقديم ضمانات وحماية عناصرها.

ويستبعد عكاشة أن يتوقف العدوان في غزة، كما تريد «حماس»، طالما لم يتم نزع السلاح، حسب ما تكشف عنه التصريحات الأميركية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن «هذا المسار التي ترسمه الحركة يقول إنها تريد البقاء وهو ما لن يسمح باستكمال بنود الاتفاق وقد نفاجأ بعودة للحرب، في ظل عدم حسم واشنطن صلاحيات وموعد نشر قوات الاستقرار».

ويعتقد نزال أنه «لا يمكن التفاوض مع (حماس) على انتهاء وجودها وتقبل، لا بد أن يتم بحث مستقبلها، وإنهاء معادلة المقايضات والتوجه لتفاهمات حقيقية وجادة».


الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
TT

الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)

شهدت خمس محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تعطيل عدد من المشاريع الخدمية الحيوية، في تطور وصفته مصادر حقوقية بأنه سعي من الجماعة الانقلابية لمفاقمة المعاناة الإنسانية والضغوط المعيشية على ملايين السكان.

وشملت عمليات الإيقاف والتعطيل مشاريع مياه وطرق رئيسية كانت تمثل شريان حياة لآلاف الأسر اليمنية، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر.

وتشير إفادات محلية إلى أن مشاريع عدة وصلت إلى مراحل متقدمة من التنفيذ بجهود مجتمعية وتمويلات محلية أو خيرية، قبل أن تتوقف بصورة مفاجئة نتيجة تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من قبل مشرفين تابعين للجماعة الحوثية، الأمر الذي تسبب في حرمان آلاف المواطنين من خدمات حيوية، وفي مقدمتها مياه الشرب ووسائل التنقل الآمنة.

ويرى مراقبون أن تعطيل هذه المشاريع يأتي في توقيت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل تدهور الاقتصاد وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي توقف في الخدمات الأساسية عاملاً مضاعفاً لمعاناة السكان.

نساء وأطفال في محافظة حجة يتدافعون للحصول على مياه للشرب تبرع بها فاعلو خير (فيسبوك)

في هذا السياق، تحولت أزمة المياه في محافظة عمران (50 كيلومتراً شمال صنعاء) إلى محور احتجاجات شعبية متواصلة في قرية ضحيان التابعة لمديرية خارف، حيث خرج السكان في مظاهرات غاضبة تنديداً بتعطيل مشروع مياه عمومي يخدم نحو ثلاثة آلاف نسمة. ورفع المحتجون لافتات تطالب بإعادة تشغيل المشروع ومحاسبة المتسببين في تعطيله، مؤكدين أن انقطاع المياه حوّل حياتهم اليومية إلى معاناة مستمرة.

وبحسب شهادات محلية، فإن المشروع توقف منذ أشهر طويلة نتيجة صراع بين مشرفين حوثيين على الإيرادات المالية الخاصة به، بعد اتهامات متبادلة بنهب العائدات وتحويلها لمصالح شخصية. وأدى ذلك الخلاف إلى توقف كامل للخدمة، تاركاً السكان دون مصدر منتظم لمياه الشرب.

ويؤكد أحد أبناء المنطقة (تحدث باسم مستعار) أن تجاهل مطالب الأهالي يعكس حجم الإهمال الذي تعانيه المناطق الريفية، محذراً من تداعيات صحية خطيرة مع استمرار انقطاع المياه، خصوصاً في ظل غياب البدائل وارتفاع أسعار نقل المياه من مناطق بعيدة.

وتشير مصادر حقوقية إلى أن أزمة المياه في عمران نموذج متكرر لواقع الخدمات في مناطق عدة، حيث تتحول المشاريع العامة إلى أدوات نفوذ وصراع، بدلاً من كونها وسائل لتحسين حياة السكان.

ابتزاز وتعطيل في إب

في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) أفادت مصادر محلية بتوقف مشروع مياه يخدم عشرات القرى في مديرية العدين غرب المحافظة، بعد ضغوط وعمليات ابتزاز تعرض لها القائمون على المشروع من قبل نافذين حوثيين. ويخدم المشروع سكان نحو خمسين قرية في عزلة «بني هات»، وكان يوفر المياه بأسعار منخفضة تتناسب مع الظروف الاقتصادية المتدهورة للأهالي.

وأوضحت المصادر أن القائمين على المشروع رفضوا دفع إتاوات مالية مفروضة عليهم، الأمر الذي أدى إلى إيقاف المشروع منذ مطلع الشهر الحالي. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه السكان أصلاً من نقص مزمن في الخدمات الحكومية، ما جعل المشروع يمثل شرياناً أساسياً للحياة اليومية.

الحوثيون يستهدفون بالطيران المسيّر معدات لشق طريق للسكان جنوب تعز (إكس)

ويقول سكان محليون إن توقف المشروع أجبر كثيراً من الأسر على شراء المياه بأسعار مرتفعة، ما استنزف دخولهم المحدودة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل والوقود. كما حذر ناشطون من أن استمرار تعطيل المشاريع المجتمعية قد يدفع المبادرات المحلية إلى التراجع خوفاً من الضغوط أو الخسائر.

ويرى مراقبون أن فرض الإتاوات على المشاريع الخدمية يهدد بوقف المبادرات التنموية القائمة على الجهود المجتمعية، والتي أصبحت تمثل بديلاً شبه وحيد لتعويض غياب المؤسسات الحكومية الفاعلة.

استهداف الطرق

في محافظة تعز (جنوب غربي) توقفت أعمال شق طريق حيوي في مديرية سامع جنوب المدينة عقب استهداف معدة هندسية بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى توقف كامل للمشروع الذي كان من المنتظر أن يسهم في ربط عدد من القرى المعزولة وتسهيل حركة السكان والبضائع.

وأثار الحادث موجة استياء واسعة بين الأهالي، الذين رأوا أن استهداف المشاريع الخدمية يمثل تهديداً مباشراً لحياتهم اليومية، مطالبين بتوفير حماية للمبادرات التنموية وضمان عدم تعرضها لأي أعمال عسكرية أو استهداف مباشر.

أما في محافظتَي ريمة وحجة (جنوب غربي وشمال غربي)، فقد اتهم مواطنون وناشطون الجماعة الحوثية بعرقلة مشاريع مياه وصيانة طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في تفاقم عزلة القرى الجبلية وارتفاع تكاليف التنقل والحصول على المياه. ويعاني أكثر من 120 ألف نسمة في حجة من شح حاد في مياه الشرب، في حين يواجه سكان ريمة صعوبات يومية بسبب تهالك الطرق ووعورة التضاريس.

جانب من احتجاجات سابقة أمام مبنى محافظة عمران الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأجبر تدهور الطرق كثيراً من المرضى على قطع مسافات طويلة للوصول إلى المرافق الصحية، كما عاق وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق نائية، ما فاقم الوضع الإنساني والصحي للسكان.

ويؤكد محللون أن تعطيل مشاريع المياه والطرق لا يقتصر أثره على الخدمات المباشرة فحسب، بل يمتد ليؤثر على قطاعات الصحة والتعليم والتجارة، ويعمق حالة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

وفي ظل هذه التطورات، دعا ناشطون ووجهاء محليون إلى تحييد المشاريع الخدمية عن الصراعات السياسية والعسكرية، والسماح باستكمالها باعتبارها ضرورة إنسانية مُلحّة.