الفرنسيون يصوتون اليوم لانتخاب رئيس في ظل إجراءات أمنية مشددة

الفرنسيون يصوتون اليوم لانتخاب رئيس في ظل إجراءات أمنية مشددة

هولاند يؤكد أن قرصنة موقع ماكرون لن تمر «من دون رد»
الأحد - 10 شعبان 1438 هـ - 07 مايو 2017 مـ رقم العدد [ 14040]
جنود في الجيش الفرنسي يؤمنون برج إيفيل عشية الانتخابات الرئاسية (أ.ب) ... و رجل يعدّ مكتب اقتراع في مونتروي خارج باريس أمس (أ.ف.ب)

وسط إجراءات أمنية مشددة، يعود الناخبون الفرنسيون اليوم إلى صناديق الاقتراع في الجولة الثانية والحاسمة للانتخابات الرئاسية التي سيتمخض عنها اسم الرئيس المقبل لولاية من خمسة أعوام. وبما أن ولاية الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولاند تنتهي في 14 الجاري، فإن الرئيس المقبل والمرجح بقوة أن يكون مرشح حركة «إلى الأمام» إيمانويل ماكرون قد يكون أصغر نزلاء قصر الإليزيه سنا منذ قيام الجمهورية الفرنسية قبل 170 عاما.

وحتى مساء أول من أمس (الجمعة)، كان مصير الحملة الرئاسية شبه محسوم بعد أن أجمعت استطلاعات الرأي أن ماكرون لم يحافظ فقط على تقدم مريح على منافسته مارين لوبان مرشحة الجبهة الوطنية، بل إنه حقق تقدما إضافيا عقب «المبارزة» التلفزيونية العنيفة التي تواجه فيها الطرفان ليل الأربعاء الماضي.

فضلا عن ذلك، فإن الاتهامات التي راجت على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي وفحواها أن ماكرون يمارس التهرب الضريبي، ويملك حسابات مصرفية سرية «أوف شور» في جزر البهاماس، انطفأت بسرعة بعد النفي الشديد للأخير، وبعد أن انعدم وجود أي دليل مادي يدعم تلك الاتهامات.

بيد أن المفاجأة الكبرى جاءت قبل ثلاث ساعات فقط من بدء ما يسمى في فرنسا «الصمت الانتخابي» الذي يمنع المرشحين وأنصارهم والوسائل الإعلامية من إطلاق أي تصريح أو نشر أي خبر من شأنه التأثير على الناخبين الـ47 مليونا، فقد نشر الموقع «4Chan» مجهول الهوية كمّا هائلا من الصور والعقود والرسائل الإلكترونية الخاصة والمهنية لمسؤولين من حملة ماكرون، قدرتها صحيفة «لوموند» بـ15 غيغابايت. وسريعا، تم الترويج لهذه الوثائق التي سميت «ماكرون ليكس». وما ساعد على انتشارها أن شبكة «ويكيليكس» التي أسسها المواطن الأسترالي الموجود في سفارة الإكوادور بلندن، جوليان أسانج، قامت بدورها بإيجاد رابط بالموقع الذي نشرها أولا. لكن «ويكيليكس» عمدت بعد وقت قصير إلى إصدار بيان يفيد بأنها ليست الجهة التي سربت الوثائق المنشورة التي تغطي فترة زمنية تمتد حتى 24 أبريل (نيسان)، أي بعد الجولة الرئاسية الأولى، مضيفة أنها لا تتضمن أي معلومات من شأنها التأثير على نتيجة الانتخابات.

وتبين الاستقصاءات التي جرت في الساعات التي تلت خروج الوثائق أن موقعين أميركيين، أولهما يديره جاك بوزوبيتش، الذي كان من أشد أنصار دونالد ترمب خلال حملته الانتخابية، والثاني «ديزوبيدنت ميديا»، ويديره ويليام كراديتش الذي أطلق قصة حسابات «الأوف شور»، هما من روجا للوثائق المقرصنة قبل أن تشير إليهما شبكة «ويكيليكس». وبعدها، وصلت الوثائق إلى مواقع اليمين المتطرف الفرنسي الذي روج لها بالوسائل كافة. وكان فلوريان فيليبو، وهو المساعد الأول لمارين لوبان من الأوائل الذين غردوا بشأنها، متهما الصحافة الفرنسية بـ«التغطية» عليها.

بدوره، قال الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند أمس إن عملية القرصنة الواسعة لوثائق فريق حملة المرشح الوسطي لن تمر «من دون رد». وأكد: «كنا نعرف أن مثل هذه المخاطر قائمة أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية، بما أنها حدثت في أماكن أخرى فلن يمر أي شيء من دون رد».

وأضاف: «إذا حدث فعلا عدد من عمليات التطفل والتسجيل، فستكون هناك إجراءات» من دون مزيد من التوضيح. وتابع، إثر زيارة لمتحف في باريس برفقة العاهل المغربي الملك محمد السادس: «يجب إفساح المجال للتحقيقات لتتم».

السؤال الذي طرحه مسؤولو «إلى الأمام» يتناول هوية الجهة التي قامت بعملية القرصنة، وسطت على هذه الكمية الكبيرة من الوثائق والرسائل والمستندات والصور. إزاء هذه العملية التي يبدو بوضوح تام أن غرضها التأثير على مسار الانتخابات الرئاسية على غرار ما شهدته الولايات المتحدة الأميركية، وما عانت منه المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، سارعت حركة «إلى الأمام» إلى نشر بيان ليلي جاء فيه أن حركة «إلى الأمام» وقعت ضحية عملية قرصنة واسعة ومنسقة أدت إلى نشر وثائق داخلية متنوعة (رسائل إلكترونية ومستندات وبيانات حسابية وعقود). وأضاف البيان أن الوثائق المنشورة تم الحصول «قبل عدة أسابيع» عليها من خلال قرصنة البريد الإلكتروني الشخصي والمهني لمسؤولين كثيرين، منبهة من أن «الذين يتداولون هذه الوثائق يضيفون إلى الوثائق الأصلية أخرى مزورة لزرع الشك والتضليل». ويخلص البيان إلى القول إن هذه العملية التي جاءت قبل ساعات قليلة من انتهاء الحملة الرئاسية رسميا «غرضها الواضح زعزعة الانتخابات الرئاسية وضرب المصالح الحيوية للديمقراطية الفرنسية»، مشيرة إلى وجود تشابه بين ما حصل في فرنسا، وما سبق أن جرى في الولايات المتحدة الأميركية مع المرشحة كلينتون.

وكان واضحا من عملية القرصنة أن المستهدف هو ماكرون. وسبق له ولمسؤولين في حركته أن اتهموا روسيا في شهري فبراير (شباط) ومارس بالسعي للتأثير على نتائج الانتخابات باللجوء إلى القرصنة الإلكترونية. كذلك فعل وزير الخارجية جان مارك إيرولت. وأفادت تحقيقات قامت بها مؤسسة «تريند مايكرو» اليابانية المتخصصة لصالح «إلى الأمام»، بأن محاولات تصيد احتيالي (فيشنغ) قامت بها مجموعة روسية ما يذكر بالنتائج التي توصلت إليها المخابرات الأميركية حول مسؤولية روسيا في قرصنة وثائق حملة كلينتون.

وبحسب ما جاء في تقرير الشركة اليابانية بتاريخ 25 أبريل (نيسان)، فإن مجموعة تسمى «باون ستورم» أو «فانسي بير» معروف ارتباطها بالكرملين هي المسؤولة عن الهجوم الإلكتروني على حملة ماكرون. وليس سرا أن الكرملين سعى لمساعدة المرشحة لوبان، إذ إن الرئيس بوتين استقبلها شخصيا في قصر الكرملين بتاريخ 24 مارس (آذار) لمدة تزيد على الساعة. كذلك، فإنه معروف أن مصارف روسية مرتبطة بالكرملين قد قدمت قرضا من تسعة ملايين يورو إلى حزب الجبهة الوطنية من أجل حملاتها الانتخابية. في المقابل، فإن لوبان لا تخفي «إعجابها» ببوتين وتقديرها لسياسته وتنديدها بالعقوبات الأوروبية المفروضة عليه، كما أنها تؤيد السياسة الروسية في سوريا.

منذ ليل الجمعة - السبت، سارعت حركة «إلى الأمام» إلى تقديم دعوة قضائية مستعجلة. وصباح أمس، حذرت اللجنة الوطنية لمراقبة الحملة الرئاسية وسائل الإعلام من نشر مضمون هذه الوثائق التي جاءت من «هجوم معلوماتي»، مذكرة بأن «نشر أنباء كاذبة يمكن أن يخضع لحكم القانون». لكن التأكد من المسؤوليات، وفق خبراء في المعلوماتية يتطلب وقتا طويلا قبل كشف الجهة التي قامت بالقرصنة. وبالتالي، فإن ما يقال اليوم هو «تخمينات» تحتاج إلى تأكيد لن يأتي إلا لاحقا. لكن استعجال الأوساط المرتبطة بلوبان لنشر هذه الوثائق يبين بوضوح أنها تتوخى كسبا سياسيا عن طريق زرع الشكوك وتلطيخ سمعة ماكرون من أجل قطع طريق الإليزيه عليه، أو حرمانه من فوز واسع ومريح بالرئاسة. لكن قصر المدة الفاصلة بين النشر وموعد التصويت سيجعل تأثير الوثائق المنشورة محدودا، خصوصا إذا لم تكن تكشف النقاب عن أفعال مخالفة للقانون أو عن «فضائح». وتؤكد حركة ماكرون أن الوثائق المقرصنة «تكشف النقاب عن معطيات داخلية، لكنها ليست مصدر قلق بالنسبة إلينا».

بموازاة «ماكرون ليكس»، جاء توقيف عسكري سابق يظن أنه متطرف صباح أول من أمس (الجمعة) قريبا من قاعدة جوية عسكرية قريبا من مدينة إيفرو على بعد نحو مائة كيلومتر شمال غربي باريس، ليعيد إلى الواجهة التهديد الإرهابي الذي يطأ بثقله على فرنسا، وليذكر بما حصل قبل ثلاثة أيام فقط من الجولة الأولى، حيث قتل شرطي في جادة الشانزليزيه وجرح اثنان قبل أن يردى المهاجم قتيلا.

وما زالت مجموعة من التساؤلات تدور حول شخصية العسكري الذي كان يحاول الدخول إلى القاعدة الجوية، ويبدو أنه يعاني من مشكلات نفسية، وكان معروفا براديكاليته لدى المخابرات الداخلية، واسمه موجود على لائحة الأشخاص الذين يشكلون تهديدا أمنيا. وبالتالي فإنه كان خاضعا للمراقبة منذ عام 2014.

وبالنظر إلى هذا الوضع، ستقوم وزارة الداخلية والدفاع والأجهزة الأمنية المختلفة بنشر عشرات الآلاف من رجال الشرطة والدرك والجيش، 12 ألفا في باريس وحدها، لحماية مراكز الاقتراع وضمان أمن الأماكن الحساسة ومواقع تجمهر المواطنين والسياح، تلافيا لأي حادث أمني يمكن أن يعكر حسن سير العملية الانتخابية. وتجدر الإشارة إلى أن الانتخابات التشريعية ستجرى يومي 11 و18 يونيو (حزيران) من الشهر المقبل، مما سيعيد الملف الأمني إلى واجهة الاهتمامات الرسمية.


فرنسا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة