ملتقى الشعراء الطلبة العرب في تونس يكسب الرهان

ملتقى الشعراء الطلبة العرب في تونس يكسب الرهان

استعاد ألقه في دورته الثانية... واحتفى بالشعر والموسيقى واللوحة
الأحد - 10 شعبان 1438 هـ - 07 مايو 2017 مـ
مشهد من العرض المسرحي «حب ومسرح»

رقص وغناء وموسيقى وفرح بالحياة والشعر والفن، مشهد فرض نفسه بحيوية وسلاسة على فعاليات الدورة الثانية لملتقى الشعراء الطلبة العرب، الذي نظمه المركز الجامعي للفنون الدّراميّة والأنشطة الثّقافيّة بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي التونسية، وانعقد على مدار ثلاثة أيام بالعاصمة تونس في الفترة من 28 إلى 30 أبريل (نيسان) الماضي تحت عنوان «رهانات الشّعر بين ما هو كائنٌ وما يجب أن يكون».
يستعيد الملتقى بهذه الدورة عمرا خصبا من الإبداع تشكل عبر 13 دورة سابقة، منذ انطلاقته في عام 1992، لكن مع تغير الأوضاع في البلاد بعد قيام الثورة توقف لبضع سنوات. وطيلة رحلته استهدف الملتقى تطوير إبداع الطلية وتنمية مواهبهم وقدراتهم الشعرية، من خلال تبادل الحوار واللقاءات والتجارب الحية بين طلاب تونسيين ونظرائهم من الطلاب العرب، إضافة إلى مجموعة من الشعراء التونسيين والعرب الضيوف من أصحاب التجارب الشعرية البارزة، وشارك في هذه الدورة من مصر كاتب هذه السطور والشاعرة غادة نبيل.
وفر الملتقى تربة خصبة للإبداع، وفضاء حر، حلقت فيه القصيدة والأغنية والموسيقى واللوحة، إضافة إلى عرض مسرحي ممتع، كما كرم الملتقى شعراء من تونس ساهموا سابقا في إنجاحه، وشعراء قدموا إضافات مميزة في مدونة الشعر التونسي. وشكلت الورشة الشعرية بالملتقى نموذجا يحتذى في الموضوعية والتقييم النقدي المبني على منهج علمي سليم، وكان لافتا مناقشة لجنة التحكيم للطلبة المتنافسين، من تونس وبلاد عربية، وذلك في شكل حوار شيق أمام الجمهور، بدا فيه الفرح بالخطأ وكأنه مقدمة للصواب، وامتلاك الخبرة والمعرفة.
تكونت لجنة تحكيم المسابقة من الناقد الأدبي الدكتور فتحي النّصري، والشاعر أشرف القرقني، والمسرحي محمد شعبان، وتبارى ثلاثون طالبا، بينهم 20 من تونس، و10 من دول عربية شقيقة على حصد جوائزها الثلاث، وحصل على الرّيشة الذّهبيّة سيف بن سعيد بن خلفان الحارثي من عمان عن قصيدته «أسئلة»، بينما ذهبت الرّيشة الفضّيّة لسوار غابري من تونس عن قصيدتها «رحيل» وحصل على الرّيشة البرونزيّة محمد عبد الودود أبغش من موريتانيا عن قصيدته «نشيد الحبور»، ونوهت اللجنة بثلاث قصائد أخرى حصل أصحابها على شهادة تكريم.
انعكست أجواء هذه الحميمية على أنشطة الملتقى خلال أيامه الثلاثة، وتشربت ببسمة حانية لم تفارق الوجوه، وكان لافتا شعور بالبهجة والانسجام، غمر الشعراء الضيوف والمنظمين الذين أكدوا على أهمية الملتقى، والعمل على توسيع آفاقه اعتبار من الدورة المقبلة، وتوفير الدعم الرسمي له بشكل أشمل بما يجعله ملتقى أفريقيا ودوليا، كما أكدوا على ضرورة إعادة النظر في توقيت انعقاد الملتقى، حتى لا يتزامن مع أداء الطلبة لامتحاناتهم الجامعية.
افتتحت اللوحة فعاليات الملتقى، بمعرض بسيط، ضم أعمالا تشكيلية لكوكبة من الطلاب، كشفت عن طاقات فنية وبصرية لدى الكثير منهم، وولع بالتجريب على مسطح الرسم، سواء في براح المنظر الطبيعي، أو إيقاعات الوجوه، والمشاكسات الطفلة للألوان والخامات، واللعب على المنظور من زوايا فنية متنوعة.
على المنصة (الركح) تغنى الشعراء بالجمال والحب والحرية والثورة، وارتفعوا بهمومهم وهواجسهم الخاصة إلى الأعلى والأرحب إنسانيا وجماليا. وبسلاسة شديدة التناغم تجاورت أشكال شعرية متباينة: العمودي، والتفعيلي، والنثري، كأنها جميعا تبحث عن حريتها الخاصة تحت سقف حرية أشمل وأعمق هي حرية الشعر، حرية الحلم بالحياة والتشبث بها، حتى في أبسط صور المشهد اليومي وتداعياته المتقاطعة مع شتى الرؤى والأفكار، التي تشكل حقيقة الوجود.
تحت مظلة هذا التناغم يقول الشاعر صابر العبسي، في قصيدته «بوسعك رسم الفراشة»، موحدا بين رمزيتها الشفيفة، ومتاهة الأسئلة الحيرى الشاردة في خطى الوجود والحياة:
«بوسعك رسم الفراشة رابعة،
ثم خامسة،
ولكن لسوف تحارُ
تحارُ
تحارُ إلى آخر الليل في أيما جهة سوف تطلقها،
والسماء مدججة بالسواطير
تومضُ ما صدئت.
بوسعك رسم الفراشة سادسة،
ثم سابعة،
ولكن لسوف تحارُ
تحارُ
تحارُ إلى آخر العمرِ
كيف تلوِّنها
أي لونٍ يليق بها،
بمفاتنها،
غير لون الدماء!؟»
لا تبتعد هذه الفراشة كثيرا عن قصيدة «الدراجة» التي يستعيد فيها الشاعر الشاب ناظم بن إبراهيم ومضا شجيا من مناخ طفولته وصورة أبيه:
«مثل إسباني عتيق تروِّض الدراجة للوصول
عانقني بني كي أرى حفرتي القادمة
أعانقك..
فتفتح المحفظة على ظهري ذراعيها
أياما يدور الكون منتشيا في رحى قدميكَ
ويوم أنزلتني
تغيَّر وجهُ العالم يا أبي
يوم أنزلتني عن مقودكِ
توقفت الأرضُ عن الدوران».
الهم نفسه، مشدودا إلى الأعماق، بمشهدية سردية خاطفة يلعب على وتره الشاعر أشرف القرقني، لاصطياد لحظات منسية من الدفء والنور الداخلي، قائلا في قصيدته «صُندوقٌ أسود»:
«صُندوقٌ أسود
عليهِ حروفٌ من غبارٍ ساكنٍ
كلمة تسقطُ إلى الدّاخلِ
كانت فيما مضى جناحا أبيضَ
ولمّا اهتزّ منفتحا فوق الأعشاب النّديّة
سُمعَ في الفضاء صريرٌ مكتومٌ
ثمّ...
لم يقل أي شيء».
تجلت هذه السلاسة والتناغم بترانيم وإيقاعات أخرى لها جاذبيتها الخاصة في قصائد الشعراء التونسيين المشاركين: أحمد شاكر بن ضبية، وحافظ محمود، ومنصف المزغني، والشاعرة غادة نبيل.
كان حفل ختام الملتقى بالمركز الثقافي الدولي بمدينة الحمامات بمثابة نافذة فاتنة على الشعر، في أحضان البحر والطبيعة الخلابة، وتبارى الشعراء في إلقاء الشعر وارتجاله، على مدرجات المسرح الدائري، تمهيدا لمشهد الختام، وتكريم الشعراء الفائزين في مسابقة الشعر والشعراء الضيوف. في مشهد يبقى كثير بالذاكرة على حيوية الروح، والقدرة على صناعة الجمال والفن.
يبقى العرض المسرحي «حبّ ومسرح» مفاجئا وممتعا، بباقة يانعة من الطلبة الموهوبين (ثلاث فتيات، وشابان) وإعداد وإخراج الفنان المسرحي منسق الملتقى عماد المي، الذي أكد أنه شاعر حتى النخاع برغم قوله فوق المنصة وهو يقدم العرض: «أنا لستُ شاعراً. لكنّني أحبّ الشّعر وأحياه في المسرح».
وظف المخرج الشاب تقنيات بسيطة في إيصال المعنى وتحقيق الاندماج بين الجمهور والعرض، معتمدا اللعب بعناصر الإضاءة، ورشاقة أداء الممثلين جسدا وروحا، وتوظيف قدراتهم الغضة بشكل جذاب، وتبادلهم الأدوار والأقنعة في حوارية درامية شيقة، اختفت فيها عناصر الديكور الباهظة، بينما ظلت ستارة المسرح السوداء بمثابة الخيط الوهمي الفاصل بين الحلم والواقع، والخيال والحقيقة، تدور في حلقات لا متناهية، جسدتها حركة أطواق المطاط اللاهثة في أيادي الممثلين في مشهد الختام، في مشاهد متنامية، تنفصل لتتصل دراميا، من أشعار محمود درويش، والثنائي أحمد فؤاد نجم والشيخ، والشاعر التونسي محمد الصغير (أولاد أحمد)، وغناء ياسين التهامي، وآخرين، أيضا غناء ياسين التهامي، بروائحه الصوفية الأخاذة.
كما لجأ المخرج الميّ، إلى كسر الإيهام بين منصة العرض والجمهور، ليصيح الجميع مشاركا في اللعبة المسرحية، الأمر الذي جعل أحد الشعراء الضيوف يتبادل مع الممثلين حوارا مرتجلا لافتا، ما أثار دهشة الجمهور، حتى ضجة قاعة المسرح بالتصفيق، تحية للمثلين على هذه المتعة المسرحية المفاجئة.
تبقى التحية واجبة لكل القائمين على هذه الملتقى، الذين تفانوا في أن يخرج بهذه الصورة الكاشفة والمضيئة، وفي مقدمتهم، إيمان أبو عصيدة، مديرة المركز الجامعي للفنون، والفنان الميً، منسق الملتقى، وأمانيهم الطموحة في أن يظل المشهد الثقافي التونسي من خلال هذا الملتقى وفعاليات أخرى، نافذة حية يتلاقح في ظلها شتى تيارات الإبداع والفن في العالم.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة