ملتقى الشعراء الطلبة العرب في تونس يكسب الرهان

استعاد ألقه في دورته الثانية... واحتفى بالشعر والموسيقى واللوحة

مشهد من العرض المسرحي «حب ومسرح»
مشهد من العرض المسرحي «حب ومسرح»
TT

ملتقى الشعراء الطلبة العرب في تونس يكسب الرهان

مشهد من العرض المسرحي «حب ومسرح»
مشهد من العرض المسرحي «حب ومسرح»

رقص وغناء وموسيقى وفرح بالحياة والشعر والفن، مشهد فرض نفسه بحيوية وسلاسة على فعاليات الدورة الثانية لملتقى الشعراء الطلبة العرب، الذي نظمه المركز الجامعي للفنون الدّراميّة والأنشطة الثّقافيّة بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي التونسية، وانعقد على مدار ثلاثة أيام بالعاصمة تونس في الفترة من 28 إلى 30 أبريل (نيسان) الماضي تحت عنوان «رهانات الشّعر بين ما هو كائنٌ وما يجب أن يكون».
يستعيد الملتقى بهذه الدورة عمرا خصبا من الإبداع تشكل عبر 13 دورة سابقة، منذ انطلاقته في عام 1992، لكن مع تغير الأوضاع في البلاد بعد قيام الثورة توقف لبضع سنوات. وطيلة رحلته استهدف الملتقى تطوير إبداع الطلية وتنمية مواهبهم وقدراتهم الشعرية، من خلال تبادل الحوار واللقاءات والتجارب الحية بين طلاب تونسيين ونظرائهم من الطلاب العرب، إضافة إلى مجموعة من الشعراء التونسيين والعرب الضيوف من أصحاب التجارب الشعرية البارزة، وشارك في هذه الدورة من مصر كاتب هذه السطور والشاعرة غادة نبيل.
وفر الملتقى تربة خصبة للإبداع، وفضاء حر، حلقت فيه القصيدة والأغنية والموسيقى واللوحة، إضافة إلى عرض مسرحي ممتع، كما كرم الملتقى شعراء من تونس ساهموا سابقا في إنجاحه، وشعراء قدموا إضافات مميزة في مدونة الشعر التونسي. وشكلت الورشة الشعرية بالملتقى نموذجا يحتذى في الموضوعية والتقييم النقدي المبني على منهج علمي سليم، وكان لافتا مناقشة لجنة التحكيم للطلبة المتنافسين، من تونس وبلاد عربية، وذلك في شكل حوار شيق أمام الجمهور، بدا فيه الفرح بالخطأ وكأنه مقدمة للصواب، وامتلاك الخبرة والمعرفة.
تكونت لجنة تحكيم المسابقة من الناقد الأدبي الدكتور فتحي النّصري، والشاعر أشرف القرقني، والمسرحي محمد شعبان، وتبارى ثلاثون طالبا، بينهم 20 من تونس، و10 من دول عربية شقيقة على حصد جوائزها الثلاث، وحصل على الرّيشة الذّهبيّة سيف بن سعيد بن خلفان الحارثي من عمان عن قصيدته «أسئلة»، بينما ذهبت الرّيشة الفضّيّة لسوار غابري من تونس عن قصيدتها «رحيل» وحصل على الرّيشة البرونزيّة محمد عبد الودود أبغش من موريتانيا عن قصيدته «نشيد الحبور»، ونوهت اللجنة بثلاث قصائد أخرى حصل أصحابها على شهادة تكريم.
انعكست أجواء هذه الحميمية على أنشطة الملتقى خلال أيامه الثلاثة، وتشربت ببسمة حانية لم تفارق الوجوه، وكان لافتا شعور بالبهجة والانسجام، غمر الشعراء الضيوف والمنظمين الذين أكدوا على أهمية الملتقى، والعمل على توسيع آفاقه اعتبار من الدورة المقبلة، وتوفير الدعم الرسمي له بشكل أشمل بما يجعله ملتقى أفريقيا ودوليا، كما أكدوا على ضرورة إعادة النظر في توقيت انعقاد الملتقى، حتى لا يتزامن مع أداء الطلبة لامتحاناتهم الجامعية.
افتتحت اللوحة فعاليات الملتقى، بمعرض بسيط، ضم أعمالا تشكيلية لكوكبة من الطلاب، كشفت عن طاقات فنية وبصرية لدى الكثير منهم، وولع بالتجريب على مسطح الرسم، سواء في براح المنظر الطبيعي، أو إيقاعات الوجوه، والمشاكسات الطفلة للألوان والخامات، واللعب على المنظور من زوايا فنية متنوعة.
على المنصة (الركح) تغنى الشعراء بالجمال والحب والحرية والثورة، وارتفعوا بهمومهم وهواجسهم الخاصة إلى الأعلى والأرحب إنسانيا وجماليا. وبسلاسة شديدة التناغم تجاورت أشكال شعرية متباينة: العمودي، والتفعيلي، والنثري، كأنها جميعا تبحث عن حريتها الخاصة تحت سقف حرية أشمل وأعمق هي حرية الشعر، حرية الحلم بالحياة والتشبث بها، حتى في أبسط صور المشهد اليومي وتداعياته المتقاطعة مع شتى الرؤى والأفكار، التي تشكل حقيقة الوجود.
تحت مظلة هذا التناغم يقول الشاعر صابر العبسي، في قصيدته «بوسعك رسم الفراشة»، موحدا بين رمزيتها الشفيفة، ومتاهة الأسئلة الحيرى الشاردة في خطى الوجود والحياة:
«بوسعك رسم الفراشة رابعة،
ثم خامسة،
ولكن لسوف تحارُ
تحارُ
تحارُ إلى آخر الليل في أيما جهة سوف تطلقها،
والسماء مدججة بالسواطير
تومضُ ما صدئت.
بوسعك رسم الفراشة سادسة،
ثم سابعة،
ولكن لسوف تحارُ
تحارُ
تحارُ إلى آخر العمرِ
كيف تلوِّنها
أي لونٍ يليق بها،
بمفاتنها،
غير لون الدماء!؟»
لا تبتعد هذه الفراشة كثيرا عن قصيدة «الدراجة» التي يستعيد فيها الشاعر الشاب ناظم بن إبراهيم ومضا شجيا من مناخ طفولته وصورة أبيه:
«مثل إسباني عتيق تروِّض الدراجة للوصول
عانقني بني كي أرى حفرتي القادمة
أعانقك..
فتفتح المحفظة على ظهري ذراعيها
أياما يدور الكون منتشيا في رحى قدميكَ
ويوم أنزلتني
تغيَّر وجهُ العالم يا أبي
يوم أنزلتني عن مقودكِ
توقفت الأرضُ عن الدوران».
الهم نفسه، مشدودا إلى الأعماق، بمشهدية سردية خاطفة يلعب على وتره الشاعر أشرف القرقني، لاصطياد لحظات منسية من الدفء والنور الداخلي، قائلا في قصيدته «صُندوقٌ أسود»:
«صُندوقٌ أسود
عليهِ حروفٌ من غبارٍ ساكنٍ
كلمة تسقطُ إلى الدّاخلِ
كانت فيما مضى جناحا أبيضَ
ولمّا اهتزّ منفتحا فوق الأعشاب النّديّة
سُمعَ في الفضاء صريرٌ مكتومٌ
ثمّ...
لم يقل أي شيء».
تجلت هذه السلاسة والتناغم بترانيم وإيقاعات أخرى لها جاذبيتها الخاصة في قصائد الشعراء التونسيين المشاركين: أحمد شاكر بن ضبية، وحافظ محمود، ومنصف المزغني، والشاعرة غادة نبيل.
كان حفل ختام الملتقى بالمركز الثقافي الدولي بمدينة الحمامات بمثابة نافذة فاتنة على الشعر، في أحضان البحر والطبيعة الخلابة، وتبارى الشعراء في إلقاء الشعر وارتجاله، على مدرجات المسرح الدائري، تمهيدا لمشهد الختام، وتكريم الشعراء الفائزين في مسابقة الشعر والشعراء الضيوف. في مشهد يبقى كثير بالذاكرة على حيوية الروح، والقدرة على صناعة الجمال والفن.
يبقى العرض المسرحي «حبّ ومسرح» مفاجئا وممتعا، بباقة يانعة من الطلبة الموهوبين (ثلاث فتيات، وشابان) وإعداد وإخراج الفنان المسرحي منسق الملتقى عماد المي، الذي أكد أنه شاعر حتى النخاع برغم قوله فوق المنصة وهو يقدم العرض: «أنا لستُ شاعراً. لكنّني أحبّ الشّعر وأحياه في المسرح».
وظف المخرج الشاب تقنيات بسيطة في إيصال المعنى وتحقيق الاندماج بين الجمهور والعرض، معتمدا اللعب بعناصر الإضاءة، ورشاقة أداء الممثلين جسدا وروحا، وتوظيف قدراتهم الغضة بشكل جذاب، وتبادلهم الأدوار والأقنعة في حوارية درامية شيقة، اختفت فيها عناصر الديكور الباهظة، بينما ظلت ستارة المسرح السوداء بمثابة الخيط الوهمي الفاصل بين الحلم والواقع، والخيال والحقيقة، تدور في حلقات لا متناهية، جسدتها حركة أطواق المطاط اللاهثة في أيادي الممثلين في مشهد الختام، في مشاهد متنامية، تنفصل لتتصل دراميا، من أشعار محمود درويش، والثنائي أحمد فؤاد نجم والشيخ، والشاعر التونسي محمد الصغير (أولاد أحمد)، وغناء ياسين التهامي، وآخرين، أيضا غناء ياسين التهامي، بروائحه الصوفية الأخاذة.
كما لجأ المخرج الميّ، إلى كسر الإيهام بين منصة العرض والجمهور، ليصيح الجميع مشاركا في اللعبة المسرحية، الأمر الذي جعل أحد الشعراء الضيوف يتبادل مع الممثلين حوارا مرتجلا لافتا، ما أثار دهشة الجمهور، حتى ضجة قاعة المسرح بالتصفيق، تحية للمثلين على هذه المتعة المسرحية المفاجئة.
تبقى التحية واجبة لكل القائمين على هذه الملتقى، الذين تفانوا في أن يخرج بهذه الصورة الكاشفة والمضيئة، وفي مقدمتهم، إيمان أبو عصيدة، مديرة المركز الجامعي للفنون، والفنان الميً، منسق الملتقى، وأمانيهم الطموحة في أن يظل المشهد الثقافي التونسي من خلال هذا الملتقى وفعاليات أخرى، نافذة حية يتلاقح في ظلها شتى تيارات الإبداع والفن في العالم.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended