جيفري لـ «الشرق الأوسط»: نهج ترمب عودة إلى السياسة الأميركية التقليدية

الدبلوماسي الأميركي السابق قال إن الإدارة الجديدة ترغب في التعاون مع السعودية ودول الخليج في سوريا واليمن والعراق

جيمس جيفري («الشرق الأوسط»)
جيمس جيفري («الشرق الأوسط»)
TT

جيفري لـ «الشرق الأوسط»: نهج ترمب عودة إلى السياسة الأميركية التقليدية

جيمس جيفري («الشرق الأوسط»)
جيمس جيفري («الشرق الأوسط»)

يملك الدبلوماسي الأميركي السابق جيمس جيفري رؤية ثاقبة وملمة بخبايا السياسة الأميركية من جانب، والتضاريس السياسية لمنطقة الشرق الأوسط من جانب آخر، بسبب المناصب الهامة التي تولاها في واشنطن وفي عواصم إقليمية مثل أنقرة وبغداد، إضافة إلى إدارته عدداً من الملفات المتعلقة بالمنطقة، وأبرزها الملف الإيراني، خلال عمله في إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن، مساعداً للرئيس ونائباً لمستشار الأمن القومي.
يعمل جيفري حالياً في «معهد واشنطن لدارسات الشرق الأدنى»، وله صوت مسموع في الكونغرس والأوساط السياسية الأميركية فيما يخص الاستراتيجيات الدبلوماسية والعسكرية في الشرق الأوسط، خصوصاً ما يتعلق بتركيا والعراق وإيران. ويتطرق في هذا الحوار إلى تصاعد التصريحات الأميركية المعادية لإيران، وإمكانية انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، واحتمالات وقوع مواجهات عسكرية في المنطقة. كما يشدد على ضرورة مساندة واشنطن لدول التحالف في اليمن. وفيما يلي نص الحوار:
* بعد 100 يوم من رئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ما تقييمك للسياسات والخطوات التي اتبعها حتى الآن في مجال السياسة الخارجية والتعامل مع الأزمة السورية و«داعش» وتحديات منطقة الشرق الأوسط؟
- أعتقد أن هناك أخباراً سارة وأخرى سيئة. الأخبار السارة أن سياسات ترمب الخارجية وأولئك الذين استعان بهم لتنفيذ سياساته يعملون في إطار المبادئ الرئيسية للسياسات الخارجية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية، التي شهدت سياسيين أكثر حدة أحياناً، أو متحفظين أحياناً، أو مثاليين في أحيان أخرى، لكنهم كانوا في النهاية، يتبعون نهجاً عاماً في قيادة النظام الأمني الدولي، وسيادة القانون والدفاع عن هذا النظام ضد التحديات، وأعتقد أن إدارة الرئيس ترمب تتبع هذا النهج، وهذه أنباء سارة.
من الأنباء السارة أيضاً أنه في بعض القضايا والمناطق التي ابتعد عنها الرئيس السابق باراك أوباما، ومعظمها في الشرق الأوسط، فإن الرئيس ترمب يعيدنا إلى السياسة الأميركية التقليدية التي تتمثل في العمل مع حلفائنا التقليديين في منطقة الشرق الأوسط في ظل نظام أمني عالمي، وهؤلاء الحلفاء هم بالطبع الدول العربية وتركيا وإسرائيل، وكذلك أفغانستان وباكستان. وهذه هي الخطوط العريضة التي تعكس السياسة الخارجية الأميركية التقليدية، وقد انحرف عنها الرئيس أوباما، وقد كان مخطئاً في ذلك من وجهة نظري، لأنه رأى أن تلك السياسات أدت إلى التزامات قتالية ضخمة في العراق وأفغانستان، ولم تنجح الجهود المبذولة في نشر الديمقراطية في الدولتين.
كان أوباما يعتقد أن تلك السياسات أدت إلى عزلة الولايات المتحدة عن العالم الإسلامي، ودفعت العالم الإسلامي إلى هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وقد عبر عن ذلك خلال خطابه في القاهرة عام 2009، وأعتقد أن تقييم الرئيس أوباما كان خطأ، والسبب وراء الوضع الرهيب الذي لدينا اليوم في الشرق الأوسط يرجع إلى أخطاء حدثت في ولايته الثانية، جنباً إلى جنب مع بعض الأخطاء في عهد الرئيس بوش، لذا لدينا إدارتان ابتعدتا عن التيار الرئيسي للسياسة الأميركية، وها هو الرئيس ترمب يعيدنا مرة أخرى إلى التيار الرئيسي.
الأخبار السيئة أن الرئيس ترمب لا يملك خبرة سابقة بالشؤون الخارجية، لكنه سريع في اتخاذ القرارات، وهذا أمر قد يكون جيداً، فلو كان الرئيس ترمب انتظر كما انتظر الرئيس أوباما للحصول على جميع المعلومات عن استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا، لما جاء الرد الأميركي القوي بالضربة العسكرية ضد النظام السوري.
ففي العادة عندما يحدث حدث خطير مثل استخدام الأسلحة الكيماوية، فإن أمام الإدارة الأميركية بضع ساعات فقط لتقوم بتصرف حاسم. وفي هذه الحالة اتجهت إدارة ترمب إلى الأمم المتحدة أولاً، فواجهت الاعتراض الروسي، ثم اتخذت قراراها بإطلاق صواريخ «توماهوك» ضد النظام السوري. وحقق الرئيس ترمب في هذا الأمر نجاحاً كبيراً وحاسماً وحصل على نجاح آخر عندما امتنعت الصين عن التصويت في الأمم المتحدة على هذا الأمر، فيما استخدمت روسيا «الفيتو». وأيضاً نجح ترمب في إطلاق سراح آية حجازي (الناشطة المصرية - الأميركية التي كانت تحاكم في بلدها الأم) وإعادتها من مصر إلى الولايات المتحدة.
أعتقد أن الأمر الذي نواجهه هو أن ترمب يتحدث بلا تحفظ، وبصفة خاصة عندما يتحدث للجمهور المحلي، لكن عندما يوجه حديثه إلى العالم، فإنه يعتمد في ذلك على وزير الخارجية ريكس تيلرسون أو وزير الدفاع جيمس ماتيس أو مستشار الأمن القومي الجنرال هربرت ماكماستر الذين يثق بهم الجميع. لذا يمكن القول إن الأيام المائة الأولى من إدارة ترمب كانت بداية جيدة.
* العالم رأى تحرك ترمب السريع للرد على النظام السوري في هجماته الكيماوية، فماذا عن التعامل مع دول مثل روسيا وإيران، وهما لاعبتان أساسيتان في الساحة السورية؟
- الضربة الأميركية ضد النظام السوري أرسلت رسالة بها قدر من المخاطرة، وتقول: لا تستهينوا بما يمكنني أن أقوم به، فقد أقوم بشيء مجنون. لذلك على روسيا أن تتعامل مع الوضع السوري، وعلى الصين أن تتعامل مع كوريا الشمالية، فسوريا ليست مصدر التهديد للاستقرار في الشرق الأوسط، وإنما إيران هي التي تعد أكبر تهديد للاستقرار في الشرق الأوسط.
أيضاً كوريا الشمالية ليست مصدر التهديد للاستقرار في منطقة شرق آسيا، رغم الدوافع الشريرة لديها، لكن كلاً من الصين وروسيا تستخدم هذه الدول بيادق في لعبة الشطرنج ضد الولايات المتحدة والقوى العالمية. والهدف في بكين وموسكو هو إسقاط القوى العالمية لأنها تقف في طريق توسعهما، وتجبرهما على العمل بموجب القانون الدولي. فعندما تنتهك روسيا القانون الدولي في شبه جزيرة القرم، أو تقوم الصين بانتهاكات في بحر الصين الجنوبي، فإن تلك الانتهاكات تواجه بإدانة دولية وتحركات عسكرية من الحلفاء. وقد أدانت المحكمة الدولية في لاهاي تصرفات الصين في بحر الصين الجنوبي. وفرض العالم عقوبات اقتصادية ضد روسيا بعد استيلائها على القرم، وهذا النظام العالمي هو الذي تحاول روسيا والصين تحطيمه.
الوضع صعب جداً لأنهما تترقبان خطوات الولايات المتحدة تجاه كوريا الشمالية وإيران وسوريا، وما إذا كانت أميركا ستعمل على تصعيد الأمور، وتحترسان من أي خطوة قد تؤدي إلى حرب تنجران إليها، لذا فالتصرف الأفضل هو دعوة كيم جونغ أون رئيس كوريا الشمالية إلى وقف استفزازاته، ودعوة بشار الأسد إلى وقف اعتداءاته، ودعوة قادة إيران إلى التهدئة. المشكلة أن هدف روسيا والصين هو استخدام كوريا الشمالية وسوريا وإيران لتعقيد الأمور أمام الولايات المتحدة والنظام العالمي، ومن الصعب إقناعهما بالتراجع، وهما تضعان مزيداً من الضغوط الدبلوماسية والعسكرية على بلدان أخرى في المنطقة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، وعلى الدول المحيطة بسوريا مثل العراق والأردن ولبنان.
* في ظل هذا الموقف، هل هناك احتمالات أن يؤدي الأمر إلى مواجهة عسكرية؟
- ما قام به الرئيس ترمب من ضرب سوريا بصواريخ «توماهوك»، وضرب أفغانستان بأقوى قنبلة غير نووية، وإرسال حاملة طائرات في منطقة شرق آسيا، يرسل رسالة تقول: ربما أقوم بمواجهة عسكرية، وإذا كانت سوريا وكوريا الشمالية لا تريدان مواجهة عسكرية، فإن عليهما التوقف عن سوء التصرف. التحدي هنا هو كيف سيتصرف ترمب إذا لم تتوقف سوريا أو كوريا الشمالية عن تصرفاتهما السيئة، فإما أن يظهر كأنه كان يخادع بتصريحاته وتحركاته، أو أن يقوم بتصعيد أكبر، مما يعني المواجهة. وعلى الولايات المتحدة أن تجد طريقاً للضغط على سوريا وروسيا والصين وإيران من دون إثارة حرب.
* ماذا ستكون الخطوة المقبلة لإدارة ترمب بعد نبرتها التصعيدية ضد إيران؟ هل يمكن أن يقرر الرئيس الانسحاب من الاتفاق النووي مع طهران بعد الانتهاء من مراجعته؟
- إدارة ترمب قالت إنها ستراجع الاتفاق النووي وخطة العمل المشركة ومدى امتثال إيران لالتزاماتها وفقاً للاتفاق، لكن ما قاله تيلرسون في خطاب للكونغرس الأسبوع الماضي يشير إلى أن إيران إلى الآن ملتزمة بالتزاماتها. والموقف هنا أن الرئيس أوباما رفض خلال المفاوضات مع إيران، كما رفضت بقية الدول، إدراج كل ما يتعلق بالتصرفات الإيرانية في الإقليم (من رعاية للإرهاب، إلى التدخل في شؤون دول، إلى غسيل للأموال، إلى انتهاك لحقوق الإنسان) في إطار الاتفاق النووي، لذا فالاتفاق لا يشمل هذه التصرفات الإيرانية السيئة، وإنما ينص على تخفيض أجهزة الطرد المركزي وتخفيض تخصيب اليورانيوم والسماح بالتفتيش الدولي، مقابل رفع التجميد عن أموالهم التي كانت تحتجزها الولايات المتحدة والسماح لهم بتصدير النفط مرة أخرى. وقد بدأ الإيرانيون بالفعل تصدير النفط وحصلوا على أموالهم أو معظمها، فلماذا نمزق الاتفاق، خصوصاً أننا لن نستطيع الحصول على اتفاق آخر. هذا الاتفاق تم إبرامه بسبب فرض عقوبات دولية قوية جداً ضد إيران، ولن يوافق المجتمع الدولي على تمزيق الاتفاق وسيوجه اللوم إلى الولايات المتحدة، وليس إلى إيران، ولن يدعم فكرة الدخول في مفاوضات جديدة.
* لكن الإدارة الأميركية تلوح بذلك بشكل غير مباشر من خلال تصريحاتها...
- أعتقد أن الإدارة تريد إثارة الذعر لدى روسيا وإيران لدفعهما إلى اتخاذ سلوك أفضل، لكنها لن تقدم على تمزيق الاتفاق والانسحاب منه.
* وماذا ستكون الخطوة التالية إذا لم تفلح إثارة الذعر في دفع إيران إلى تحسين سلوكها؟
- سيكون هذا موقفاً صعباً، وإذا كنت مكان الإدارة الأميركية، فإن جدول أعمالي سيكون تقديم الدعم العسكري للسعودية ودول التحالف في حرب اليمن لسببين؛ الأول لأن الولايات المتحدة في حاجة إليهم كحلفاء، والثاني لأن السعودية لا تريد الحوثيين ذراعاً لإيران يهددون حدودها الجنوبية. وخلال مساندتنا للمملكة وقوات التحالف علينا أن نجد طريقاً لفرض وقف إطلاق النار في اليمن، والتأكد من عدم وجود أي سبيل لإطلاق صواريخ على الحدود السعودية.
وفي سوريا، سيكون علينا أولاً هزيمة تنظيم «داعش»، وهذا أمر مهم جداً في حد ذاته، فطالما بقي «داعش» سيعطي الروس والنظام السوري عذراً للادعاء بأنهم يحاربون الإرهابيين. وعلينا العمل مع تركيا وتهدئة مخاوفها إزاء «حزب العمال الكردستاني»، والتعاون لإنشاء منطقة آمنة، ثم إعادة العلاقات مع جماعات المعارضة السورية وتسليحها، وتوجيه رسالة إلى الروس بأن الأسد ليس جاداً في التفاوض، وعليكم الضغط عليه مقابل الإبقاء على النفوذ الروسي في سوريا وكل القواعد الروسية.
وفي العراق، على واشنطن الإبقاء على وجود عسكري على المدى الطويل لمواجهة النفوذ الإيراني، فالعرب السُنّة لا يريدون الهيمنة الإيرانية. وفي مقابل ذلك كله، يمكن لإيران أن تحتفظ بصفقتها النووية وأن تحتفظ بالأسد. يجب أن ترى إيران أن هناك ثمناً غالياً تدفعه إذا لم تمتثل، ويجب أن نجعل الأمور صعبة على الإيرانيين حتى يتفاوضوا.
* تعهدت إدارة ترمب بالقضاء على «داعش». ما الذي يضمن بعد القضاء على هذا التنظيم الإرهابي ألا تظهر جماعة أخرى تتبع الأفكار نفسها؟ وكيف يمكن أن تؤدي هزيمة «داعش» إلى إعادة الاستقرار للمنطقة؟
- تنظيم داعش فريد لأنه يمتلك جيشاً ويخضع لسيطرته ما بين 4 إلى 5 ملايين شخص ولديه اقتصاد بمليارات الدولارات، ولا بد من القضاء على ذلك كله، وهذه هي أول خطوة.
الخطوة الثانية هي العمل مع دول المنطقة للقضاء على الأسباب التي أدت إلى ظهور «داعش»، مثل سوء الحكم في المناطق السُنيّة ومشكلات الأراضي الخارجة عن سيطرة الدولة (مثل سيناء في مصر)، وخلال عملي سفيراً لدى العراق، كان البغدادي يدير منظمة إجرامية صغيرة في غرب الموصل ولم تكن لديه أموال. وكل فترة يشن هجوماً على مقاطعة أو كنيسة أو جامع، فما الذي جعله زعيماً يملك جيشاً قوامه 35 ألف شخص ويسيطر على 5 ملايين إنسان؟ السبب أن 20 مليون سني بين بغداد ودمشق كانوا يعانون من حكم زعماء غير سنيين مثل المالكي والأسد تعاملوا بقمع مع الغالبية السنية. والطريقة الوحيدة لمنع ظهور «داعش» جديد هي ألا نسمح بقمع السنة مرة أخرى.
* هل يعني ذلك التخلص من الأسد ورحيله عن السلطة، كما تطالب بعض الأصوات في الكونغرس مثل السيناتور جون ماكين، بالتزامن مع التخلص من «داعش»؟
- الروس يتخوفون من أن إزاحة الأسد تعني أن تسيطر أميركا على دمشق. وهم يتذكرون عندما كانت لدى روسيا قوات تبلغ 400 ألف جندي روسي في شرق ألمانيا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا في 1989، ولا يريدون أن يتكرر في سوريا ما حدث في أوروبا الشرقية. لكن الأسد لا يستطيع السيطرة على سوريا بأكملها، ويجب العمل لوقف إطلاق النار وبدء عملية سياسية سلمية تتضمن الأغلبية العربية السنية.
* بعض المحللين السياسيين يرى أن تقسيم سوريا قد يكون الحل الأمثل، فما رأيك؟
- من الخطأ المطالبة بتقسيم بلد أو تغيير حدوده، فمن الناحية التطبيقية أين تبدأ هذه الحدود وأين تنتهي؟ هناك أماكن يختلط فيها السكان من العرب السُنة والأكراد والمسيحيين والشيعة والتركمان، فمن سيسيطر عليها؟ مثل هذه الحلول ليست واقعية، وعلينا أن تكون لدينا حلول مبتكرة، فعلى سبيل المثال، قوات «البيشمركة» هي التي تسيطر على كردستان العراق وليس الحكومة العراقية، والجميع راضون بذلك. وفي النهاية، فإن (رئيس إقليم كردستان العراق مسعود) بارزاني يرفع العلم العراقي.
* في تقديرك، ما مدى أهمية العلاقة بين إدارة ترمب والسعودية ودول الخليج، خصوصاً مع الحديث عن زيارة محتملة لترمب إلى المنطقة؟
- أعتقد أن العلاقة هامة للغاية، واجتماع ترمب بولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أظهر أن ترمب يحترم المملكة، ويحتاج التعاون معها فيما يتعلق بسوريا واليمن والعراق، وأعتقد أن السعوديين على استعداد لتقديم المساعدة، بل إن لديهم تقديراً لما تقوم به إدارة ترمب في التعامل مع منطقة الشرق الأوسط.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...