الأحد - 30 شهر رمضان 1438 هـ - 25 يونيو 2017 مـ - رقم العدد14089
نسخة اليوم
نسخة اليوم 25-06-2017
loading..

بين الحملة على الإرهاب والحملة على المؤسسة الدينية

بين الحملة على الإرهاب والحملة على المؤسسة الدينية

أشتات فكرية تتوه معها القضية
الاثنين - 4 شعبان 1438 هـ - 01 مايو 2017 مـ رقم العدد [14034]
مذبحة الكنيستين في محافظتي الغربية والإسكندرية راح ضحيتها عشرات القتلى والمصابين قبل عيد الفصح (أ.ب)
نسخة للطباعة Send by email
دبي: هاني نسيره
يوحّد الإرهاب العالم بعملياته إلا استثناءات قليلة لم تصبها ويلاته، لكنه يحاول، وبخاصة في منطقتنا استهداف الأقليات الدينية؛ لما له من أثر إعلامي كبير، وثارت منذ سنوات استشعارات الخطر على مستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط، خصوصا بعد حادث كنيسة سيدة النجاة أواخر سنة 2010، ثم كنيسة القديسين في الإسكندرية أول أيام سنة 2011، وهو ما استمر بعد صحوة الإرهاب والتطرف العنيف مع زلزال الانتفاضات العربية في هذا العام، فكانت مآسي مسيحيي الموصل، ثم إيزيديي سنجار، الذين ذاعت مأساتهم في العالم، وعرفهم الكثير في منطقتنا معها لأول مرة.
لكن، لا نبالغ إذا قلنا إن الاستقطاب المذهبي داخل الدين الواحد، السني - الشيعي مثالا - في منطقتنا منذ التوسع الإيراني في عراق ما بعد صدام حسين، وصعود التطرف الزرقاوي العنيف، ثم مع دخول إيران وميليشياتها العنيفة على خط الثورة السورية بالخصوص، ودخول قاعدة العراق - «داعش» فيما بعد - على خطها كذلك، ربما هو الأخطر والأكثر حضورا من الاستقطاب الملي بين الأديان المختلفة، ولعل أعداد الضحايا الذين وقعوا ضحية له أكثر بكثير مما وقع في النوع الآخر.
وعلى العكس من ذلك، في المجتمعات الأكثر تجانسا مذهبيا، وإن تعددت مِلّيا، يفشل الإرهاب في تحقيق رهانه على الاحتقان الطائفي أحيانا كثيرة، وفي بلد كمصر، تزيد تفجيراته واستهدافاته للإخوة المسيحيين المجتمع المصري وحدة وإصرارا على التعايش، والمصرية الجامعة بين المصريين، كما تحشدهم جميعا خلف الدولة وأجهزتها الأمنية، داعية لها للمزيد والمزيد من تطوير الأداء في مواجهة خطره الصاعد، كما تحفزهم في وجهه رفضا له ولخطاب المتعاطفين معه والموظفين لجرائمه في معارضتهم للدولة، ومحاولة نزع هيبتها وشرعيتها، كما يريد، شأن بعض أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، وبعض الأصوات الأخرى.
كانت محاولة من هؤلاء للتوظيف الرخيص بتحقيق هدف الإرهاب، الذي يدعون مفاصلته والبراء منه، في خلخلة هيبة الدولة ومنازعة شرعيتها، وهو ما لو صح لخلخل شرعيات كثير من دول العالم التي تعاني من ويلاته ومن توحش ودهسات ذئابه المنفردة فيها. إفشال كثير من دول العالم وأجهزته الأمنية معا في ظل معاناة عالمية وإقليمية عنيفة منه ومن ذئابه المنفردة وانتحارييه.
هكذا جاءت مذبحة الكنيستين، في محافظتي الغربية والإسكندرية، في التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، التي راح ضحيتها عشرات القتلى والمصابين أثناء قداس أحد الشعانين، الذي يسبق عيد الفصح، والذي آثار غضب عموم المصريين، دولة ومجتمعا، بمختلف أطيافه وألوانه ومؤسساته، إجماعا وإصرارا على اجتثاث شأفة الإرهاب والاحتشاد العام في مواجهة أخطاره.
ويبقى الهدف الإعلامي للتفجيرين الإرهابيين، الهدف الوحيد الذي تحقق، حيث يعلن فيه تنظيم داعش عن خطره المتصاعد، والذي يعني حضوره وعلامة حياته في أي مكان، وهو ما يحاوله في مناطق مختلفة، أزماته في بؤر تمكينه في سوريا والعراق التي تنال الاهتمام الدولي والإقليمي الأكبر بالخصوص.
صارت عادة مستقرة، بعد كل عملية إرهابية، يتوه السجال بأصحابه من المراقبين والكثير من وسائل الإعلام والمحللين، وتتشتت الرؤى لتخلط القضايا، فينجو الإرهاب من وضع استراتيجيات فكرية لمكافحته تلتحم نقديا وعلميا بأدبياته وأطروحاته، وتسبق وعيا للوقاية منه والتحصين ضد أمراض ونفاذ خطابه وشعاراته، وهو ما نضرب عليه عددا من النماذج فيما يأتي:
انجرفت وانحرفت بعض التحليلات ووسائل الإعلام في مصر، ونشط البعض على المواقع التواصلية، لشن حملة ضروس على المؤسسة الدينية التي يمثلها الأزهر في الحالة المصرية، وذلك في إطار حملتهم على الإرهاب والتطرف وغضبهم من استهداف إخوانهم في الوطن وتهديده في عمليات خطيرة يمكن أن تودي بسلمه الأهلي وتعايشه التاريخي.
رغم أنه ليس عيبا ولا مرفوضا النقد العلمي والموضوعي للمؤسسة أو لممثليها، فإنه في معركة الحرب على الإرهاب، يعني النقد المرتبط به ربطا بينهما، وهو خلط لا يصح في زمنيته، كما أنه خلط لا يصح في مضامينه.
ولعل أول أسباب هذا الخلط بين الحملة على الإرهاب، والحملة على المؤسسة الدينية، وهو ما يتكرر في دول أخرى عربية وإسلامية، حيث يتم التحول لا شعوريا من نقد الإرهاب إلى نقد المؤسسة الدينية أو لبعض المذاهب الفقهية، أو لبعض كتب التراث التأسيسية، من كتب الحديث إلى كتب الفتاوى والفقه، ومرده عدم المعرفة الأولى بخطاب وأدبيات الإرهاب الأساسية التي ينطلق منها، فمن يقولون بهذا الخلط والدمج بين حملتين متعارضتين، تلتقي فيها متعارضات، الأزهر و«داعش»، أو المؤسسة الدينية في السعودية أو المغرب وجماعات التطرف العنيف مثلا، يقعون في أربعة أخطاء رئيسية:
أولا: عدم اطلاع حقيقي وعميق على أدبيات التطرف «داعش» أو غيرها، وتناول خطابها انتقائيا وخلطا ينتجه التشابه اللفظي دون تطابق المضامين أحيانا.
ثانيا: تجاهل فاضح لدور هذه المؤسسات، اتفقنا أو اختلفنا معها، في كشف الإرهاب وضلال مقولاته وأسانيده.
ثالثا: خطأ اللاتاريخية، حيث تتجاهل مثل هذه الحملات تاريخية التراث وسياقاته، كما تتجاهل زمنية الإرهاب المعاصر وسياقاته الخاصة كذلك، والفارق بينهما.
رابعا: تتجاهل مثل هذه الحملات الهوجاء على المؤسسة الدينية أنها تضعف البعد الديني في المواجهة، حين تجير ممثليه الرسميين والمعارضين للتطرف والإرهاب والمدافعين عن الوطن لصالح التطرف والمتطرفين وتضعهم في صفهم، بل تعتبرهم أصلا لهم، ورافدا لأفكارهم.
لا نقول إن الحملة الأخيرة على الأزهر التي اشترك فيها بعض المحسوبين على المؤسسة والإعلام الرسمي والمؤيد للدولة؛ ظنا منهم بوجود خلاف يتصاعد بينها وبين النظام، وأنه ليست لدى المؤسسة الأزهرية الرغبة في تحقيق «ثورة الفكر الديني» التي دعا إليها الرئيس في أوائل يونيو (حزيران) من العام الماضي سنة 2016. وذلك لعدد من الأسباب، منها أن هذه الحملة مكررة دائما في بلاد أخرى، ومستمرة منذ فترة طويلة، خلطا غير مضبوط بين الجبهات، جبهة الإصلاح الديني وإصلاح المناهج وتطويرها وتطوير أداء المؤسسة - وهو مطلوب وواجب وقت دائما - وبين مجابهة التطرف الآني والمختلف، الذي لا علاقة له بأدبيات هذه المؤسسات ولا بشيوخها، بل يكفرها ويتخذ منها موقفا عدائيا صريحا منذ نشأته.
كما أن مثل هذه الحملات تعكس في الحقيقة أزمة مفاهيم عميقة لدى بعض تيار مكافحة التطرف الواسع عربيا، ويضم مدنيين وإصلاحيين ومختلف الاتجاهات الفكرية؛ فهو لا يدرك الفارق بين مناصحة ومجابهة الفكر المتطرف، وبين الإصلاح أو التجديد الديني بعموم، وهو ما يقع على عاتق كل منتجي المعنى والفكر الديني، وليس فقط المؤسسة الدينية، كما أنه يتخيل في مثل هكذا حملة أن الثورة المطلوبة في الفكر الديني هي طفرة ستنتج فجأة وليست عملية تراكمية طويلة وبعيدة المدى، لا يمكن تحقيقها بين يوم وليلة، بل تحتاج إلى وعي وتوافق وإصلاح وجسارة من المسؤولين عن الوعي الديني ومن مسؤولي الدولة والمجتمع نفسه. كما أن من أزمات الفهم لدى أصوات هذه الحملة اعتمادها على عدم تورط الأزهر في التكفير لتنظيمات التطرف والفئة الضالة، وهو ما يعكس عدم معرفتهم بتراث أهل السنة والجماعة، في رفضهم التكفير وأنهم يخطئون ولا يكفرون، وأنهم لا يقولون بكفر أحد من أهل القبلة، كما كان يقول الإمام الأشعري وابن تيمية وغيرهما؛ فالانجرار للتكفير ليس حلا، كما أنهم في السياق نفسه يتجاهلون دور الأزهر وفتاويه في تضليل الإرهاب واعتباره «حرابة» على الإسلام وعلى مجتمعاته وأهله كذلك. لكن الأخطر في مثل هكذا حملة، أنها تلتقي مع حملات معادية لها على المؤسسة الدينية، يطلقها الإرهاب نفسه؛ فهي تخدمه من حيث لا يدري الغاضبون والرافضون له، كما تلتقي الحملة على مؤسسة الأزهر التي كان لها دورها الكبير في مساري ما بعد 25 يناير (كانون الثاني) سنة 2011 و30 يونيو سنة 2013 من معارضي النظام الكارهين للمؤسستين الدينية الإسلامية والمسيحية معا ممن أيدوا إسقاط حكم جماعة الإخوان والرئيس المعزول، وتحمّل الأزهر في سبيل ذلك الكثير.
كما تجاهلت مثل هكذا حملة جهد الأزهر في تخطئة «داعش» ورصد مخالفات الإرهاب الشرعية، التي تجاوزت ما يقرب من 150 بيانا ورسالة في كشف هذه المغالطات، وكذلك جهوده المستمرة في حماية المدنية والمواطنة المصرية عبر عدد من الوثائق المعتبرة التي شاركه في وضعها منذ عام 2011 وحتى عام 2013 عدد من المثقفين المدنيين من مختلف التوجهات.
لدى البعض يتحول نقد الإرهاب إلى نقد الدين، ونقد الإسلام بصفته دينا ينسب الإرهاب إليه، كما هو حال بعض الأصوات المتطرفة في الغرب، وكان من أبرزها مؤخرا ستيف بانون - كبير مستشاري الرئيس الأميركي ترمب - الذي تمت إقالته مؤخرا، وأصوات أخرى كدانييل بايبز وبعض أصوات اليمين المتطرف في أوروبا.
وكذلك أنصار العلمانية الشاملة في المنطقة، الذين ينحرفون بالمعركة بعيدا عن الإرهاب إلى صدام مع المطلق ومع اللاهوت ومع النص، ومع التأويل الديني بمجمله، اعتقادا وفقهاً وتراثا ووعيا، وهؤلاء ولا شك يحاربون معركتهم الخاصة بعيدا عن المعركة الشاملة التي تخص المجتمع المتدين في غالبه، ولعل بعض هذا الطرح الذي يسرع من انتشاره أحيانا الزخم والثورة المعلوماتية والاتصالية يحرج المتدينين ويجيرهم في صف التطرف الذي يوظفه أيضا ويستثمر فيه، حيث يأخذ دور المدافع عن الدين نفسه.
إن البعض يتعاطى مع مشكلة ومعضلة الإرهاب المستفحلة والمتصاعدة بهواجسه وقناعاته التي تسكنه، فيقدم إجاباته الجاهزة التي تأتي بإرادة الآيديولوجية والتوظيف لا إرادة المعرفة والتعرف، شأن مذبحة الكنيستين، ليوجه نقده إلى ما يريد وفي غير موضع النقد ولا زمنيته حينها، مما يشتت الاحتشاد الذي يتم ويقوم بتصفية الصف المواجه للإرهاب من مختلف التوجهات والاتجاهات، لينشغل الناس بمثل هذه القضية الفرعية ويتفرغ الإرهاب صانعا حالته غير منشغل بغير تطوير أدواته، بينما يظل أعداؤه يدورون في دوائر السجال التي لا تنتج شيئا في مكافحته.
ومثل الإرهاب الذي لا يلتحم أصحاب مثل هكذا حملات بأدبياته ولا يعرفونها، كمثل المتنبي الذي ينام ملء العين عن شواردها، ويسهر الخلق جرّاها ويختصم.