كيري يؤكد أن بلاده «ليست عمياء» في التعامل مع طهران.. وباريس تثير غضب خامنئي

الرئيس الإيراني حسن روحاني يتحدث مع نواب خلال جلسة للبرلمان في طهران أمس (أ.ب)
الرئيس الإيراني حسن روحاني يتحدث مع نواب خلال جلسة للبرلمان في طهران أمس (أ.ب)
TT

كيري يؤكد أن بلاده «ليست عمياء» في التعامل مع طهران.. وباريس تثير غضب خامنئي

الرئيس الإيراني حسن روحاني يتحدث مع نواب خلال جلسة للبرلمان في طهران أمس (أ.ب)
الرئيس الإيراني حسن روحاني يتحدث مع نواب خلال جلسة للبرلمان في طهران أمس (أ.ب)

أكد وزير الخارجية الأميركي جون كيري أمس أن بلاده «ليست عمياء، ولا أعتقد أننا أغبياء» فيما يتعلق بالمحادثات النووية مع إيران. وجاءت تصريحات كيري في وقت تثار تساؤلات عن تفاصيل اتفاق لم يتبلور كليا بعد بين الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا من جهة وإيران من جهة أخرى حول ملف طهران النووي.
ويصل رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيا أمانو إلى العاصمة الإيرانية بعد يومين من انتهاء جولة المفاوضات النووية في جنيف دون إبرام اتفاق. ومن المنتظر أن يلتقي الياباني أمانو خلال الزيارة كبار المسؤولين في القيادة الإيرانية كما ينتظر التوقيع على اتفاق يعمل كجدول زمني للتعاون التقني اللاحق بين إيران والوكالة كما يتضمن هذا الاتفاق التفتيش على المنشآت العسكرية الإيرانية.
وشدد كيري في مقابلة مع قناة «إن بي سي» الأميركية على أنه «لا توجد أي ثغرات في التزام إدارة الرئيس باراك أوباما تجاه إسرائيل»، وسط توتر العلاقات الدبلوماسية بين البلدين الحليفين بسبب المحادثات النووية الإيرانية. وقال كيري، إن «عددا من أكثر الخبراء في حكومتنا جدية وقدرة ممن أمضوا حياتهم في التعامل مع إيران والأسلحة النووية والحد من التسلح النووي، يشاركون في وفدنا للمفاوضات». وأكد «نحن لسنا عميانا ولا أعتقد أننا أغبياء.. وأعتقد أننا قادرون على معرفة كيف نتصرف بطريقة تخدم مصالح بلادنا والعالم وخصوصا حلفائنا مثل إسرائيل ودول الخليج وغيرها من دول المنطقة».
وانتهت ثلاثة أيام من المحادثات بين إيران ومجموعة 5+1 (الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا) دون التوصل إلى اتفاق، ومن المقرر أن يلتقي الطرفان مجددا في 20 نوفمبر (تشرين ثاني) لاستئناف الجهود الدبلوماسية. وارتفعت الآمال في التوصل إلى اتفاق بشكل كبير بعد أن هرع عدد من وزراء خارجية الدول الكبرى إلى جنيف للمشاركة في المحادثات، إلا أن الآمال تضاءلت بعد أن بدأت الاختلافات تظهر بين الدول الكبرى بعد أن أعربت فرنسا عن مخاوفها.
وحتى الساعة الواحدة من فجر أمس لم يجزم أحد بفشل المباحثات النووية الوزارية التي جرت بطريقة سرية مكثفة وطويلة بين وزراء خارجية المجموعة الدولية برئاسة مفوضة الشؤون الدبلوماسية بالاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون وإيران برئاسة وزير خارجيتها محمد جواد ظريف. وهكذا ظل البعض ينتظر اختراقا وبيانا مشتركا يعلن توقيع الوزراء على ميثاق عمل يفتح صفحة جديدة في مسار قضية الملف النووي الإيراني التي تأزمت طيلة عقد من الزمان، إلا أن النتيجة كانت محبطة للوزراء المشاركين في محادثات عصيبة لم تخرج باتفاق ملموس. وأكد وزير الخارجية الإيراني أنه «لم يشعر بخيبة أمل» على الرغم من عدم التوصل إلى اتفاق، مضيفا: «نعمل معا وسنكون قادرين على التوصل إلى اتفاق عندما نلتقي المرة القادمة».
وشهدت جنيف تطورات مثيرة مساء يوم السبت حتى فجر أمس تمام الواحدة وفي مؤتمر صحافي مشهود وبلغة دبلوماسية منتقاة ومختصرة أعلنت آشتون وأيدها ظريف أنهم اتفقوا على بعض النقاط فيما لا تزال بعض القضايا عالقة، ولذلك فإنهما والمدراء السياسيين للدول الست سيواصلون التفاوض في لقاء جديد بجنيف بتاريخ 20 الحالي، مكتفيان بالقول في معرض ردهما على أربعة أسئلة فقط إن الخلافات في وجهات النظر أمر طبيعي. وتجنبت آشتون ومعها ظريف الحديث عن دور الوزير الفرنسي فابيوس الذي وصفت مصادر موقفه بـ«المتعنت» والذي كان السبب الرئيس الذي عرقل الوصول لاتفاق وأدى إلى عدم الخروج باختراق.
هذا وكان وفد المجموعة الدولية المكون من الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن زائد ألمانيا قد بدأ صباح الخميس الماضي جولته الثانية مع وفد إيراني بعضويتهما المعهودة من مدراء وخبراء يمثلون بلادهم ومن ثم اتخذت الجلسات منحى جديدا بانضمام، وليد لحظته وفجائي لوزراء خارجية دول المجموعة الدولية واندماجهم في لقاءات تنوعت ما بين ثنائية وثلاثية ورباعية وأحيانا جماعية، أجمعوا أنها حققت الكثير من التقدم وقربت بعض المواقف بين الأطراف وجعلت التوصل إلى اتفاق أمرا ممكنا خلال الأسابيع القادمة.
وحده خالف وزير الخارجية الفرنسي في تصريحات مباشرة قال فيها، إن «تأجيل المباحثات لوقت لاحق يعود لعدم العثور على حلول لبعض القضايا العالقة شديدة الأهمية والتي يجب التعامل معها»، نافيا ما تردد أن فرنسا هي التي عرقلت الوصول لبيان مشترك. وأضاف أن «بلاده مهتمة بالتوصل إلى اتفاق لكن يجب أن يكون مكتمل العناصر وهو ما سيدرسه الخبراء».
وعلى الرغم من فشل المتفاوضون في تحقيق هدفهم الأساسي أي الوصول إلى اتفاق فإنهم نجحوا نجاحا باهرا (ما عدا التصريحات الفرنسية) في الحفاظ على سرية تفاصيل ما دار بينهم وراء الأبواب المغلقة، مكتفين بتصريحات عمومية أن المباحثات تمحورت حول اقتراحات قدمتها إيران في جنيف 15 - 16 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وأن الجلسات حققت تقدما لم يرق لتقليص الخلافات والفوارق.
وانفرد وزير الخارجية الأميركي جون كيري بمؤتمر صحافي عقده الثانية بعد منتصف الليل وكان التعب ظاهرا عليه، وقال فيه إن القوى الكبرى أصبحت أقرب للوصول لاتفاق «جيد» يكبح البرنامج النووي الإيراني، محذرا إيران من أن نافذة العمل الدبلوماسي «لن تظل مفتوحة للأبد». وشدد كيري على أهمية التوصل إلى اتفاق، قائلا، إن «بلاده مؤمنة أن كل يوم يمر دون الوصول لاتفاق يعني يوما تزيد فيه إيران مما تخصبه من اليورانيوم»، مشيرا لأهمية اتفاق الأطراف كافة على لغة مشتركة وذلك في إشارة للاختلافات التي تبنتها فرنسا، مؤكدا على «سيادة كل دولة في اتخاذ قرارها». هذا وقد تحول فندق الإنتر كونتيننتال لمقر جمع كل رؤساء الوفود في محاولة لتقريب المسافات واللقاءات الجانبية على هامش الاجتماعات الرسمية. إلى ذلك ظهر بوضوح مدى الود والاحترام المتبادل بين ظريف وآشتون حتى بعد فشل المباحثات وأثناء مشاركتهما في المؤتمر الصحافي حيث سعى كل منهما لمنح الآخر الفرصة الأولى لدخول القاعة وللحديث. وفي خدمة خاصة توفرت للوفد الإيراني وجبات الطعام الحلال ليس ذلك فحسب بل حافظوا بدعوى احترام الوفد الإيراني «كما المرة الأولى» على ستار طويل عريض حجب لوحة حائطية تاريخية مستمدة من رسومات النحات الفنان مايكل أنجلو كانت بريطانيا قد قدمتها كهدية لتزيين مدخل مبنى الأمم المتحدة المعروف باسم «قصر الأمم» مما أثار سخط صحف محلية اعتبرت ذلك التصرف تدخلا في مبنى دولي لا سلطة للحكومة السويسرية أو الاتحاد الأوروبي عليه. وصباح أمس قال وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ، إن «المباحثات حققت الكثير من التقدم وقربت المواقف بين الأطراف وجعلت التوصل إلى اتفاق أمرا ممكنا وهناك فرصة لتحقيق ذلك خلال الأسابيع المقبلة».
وبعد ساعات على انتهاء المفاوضات، أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني أن بلاده لن تتخلى عن «حقوقها النووية بما في ذلك تخصيب اليورانيوم»، كما أوردت وسائل الإعلام الإيرانية غداة مفاوضات مكثفة في جنيف مع القوى الكبرى. وقال الرئيس الإيراني أمام مجلس الشورى الذي يهيمن عليه المحافظون «هناك خطوط حمر يجب عدم تجاوزها». وأضاف أن «حقوق الأمة الإيرانية ومصالحنا الوطنية تشكل خطا أحمر، وكذلك الحقوق النووية في إطار القوانين الدولية، وذلك يتضمن تخصيب (اليورانيوم) على الأرض الإيرانية». وقد وصلت وكيلة وزير الخارجية الأميركية ويندي شيرمان ومعها الوفد الأميركي المفاوض مع الإيرانيين إلى إسرائيل أمس، آتيين مباشرة من جنيف. وقالت صحيفة، «هآرتس»، إن «الوفد وصل على إثر التوتر الكبير في العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة. وسيلتقي الوفد بمسؤولين سياسيين وأمنيين يتابعون الملف الإيراني لوضعهم في صورة المفاوضات بشكل دقيق وتفصيلي».
من ناحيتها أطلقت إسرائيل الأحد حملة دبلوماسية للحيلولة دون التوصل إلى اتفاق مع إيران وصفته بأنه «سيئ وخطير». وطبقا لنتنياهو، فإن الاتفاق المطروح سيزيل العقوبات عن إيران وفي الوقت ذاته يمكنها من تخصيب اليورانيوم والمضي في العمل على مفاعل بلوتونيوم. وصرح وزير الاقتصاد الإسرائيلي نافتالي بينيت سابقا بأنه سيتوجه إلى واشنطن للتحدث مع الكونغرس الأميركي وحشد التأييد للحيلولة دون إبرام الاتفاق مع إيران.
وتعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بالعمل بكل قوة لمنع «اتفاق سيئ» بين القوى الكبرى وإيران قائلا، إنه «حذر قادة هذه الدول بأن الصفقة الآخذة بالتبلور مع إيران بشأن برنامجها النووي تشكل خطرا على العالم أجمع». وقال نتنياهو لوزرائه في مستهل جلسة الحكومة الإسرائيلية أمس: «تحدثت هاتفيا خلال نهاية الأسبوع مع كل من الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ومع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون وقلت لهم إنه وفقا للمعلومات التي وردت إسرائيل فإن الصفقة المزمعة مع إيران سيئة وخطيرة ليست بالنسبة لنا فحسب بل أيضا بالنسبة لهم وللسلام العالمي لأنها تخفف بلحظة واحدة من ضغط العقوبات الذي تفاقم خلال سنوات كثيرة، ومن الجهة الأخرى، فإنها تسمح بأن تحتفظ إيران بقدرتها على التخصيب النووي وعلى المضي قدما في مسار البلوتونيوم». وأضاف «أؤكد أن الصفقة المقترحة لا تشمل تفكيك ولو جهاز طرد مركزي واحد. وسألت الزعماء الذين تحدثت معهم لماذا هذه الهرولة؟ واقترحت عليهم أن ينتظروا ويفكروا بهذا الأمر جيدا لأن هذا متعلق بقرارات تاريخية. طلبت منهم الانتظار، وجيد أنه في نهاية الأمر هذا هو القرار الذي تم الوصول إليه (في جنيف)، ولكن لا أوهم نفسي ففعلا توجد رغبة قوية بالتوصل إلى اتفاق. وأنا آمل ألا يتم التوصل إلى اتفاق بغض النظر عن ثمنه». ويذكر أن الرئيس الفرنسي يعتزم زيارة إسرائيل الأسبوع المقبل، حيث سيكون الملف الإيراني على رأس أجندته.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...