الفلفل الرومي ... من المكسيك إلى موائد الكون

متعدد الألوان لم يعرفه القدماء حتى أواخر القرن الرابع عشر

الفلفل الرومي ... من المكسيك إلى موائد الكون
TT

الفلفل الرومي ... من المكسيك إلى موائد الكون

الفلفل الرومي ... من المكسيك إلى موائد الكون

يعرفه البعض بأنه الفلفل الرومي أو الفلفل الأخضر أو الفلفل حلو المذاق أو غير الحار، وفي كل الأحوال فهو من الخضراوات التي وردت حديثاً نسبياً إلى دول العالم القديم، حيث لم يعرفه القدماء حتى عام 1493 حينما تم استيراده من المكسيك إلى إسبانيا. ومنها انتشر إلى شمال أفريقيا وأنحاء أوروبا وآسيا. واليوم تعد الصين هي أكبر منتجة له في العالم، ثم تأتي بعدها المكسيك وإندونيسيا.
وهو ينمو بأحجام وألوان متعددة منها الأخضر والأحمر والأصفر والبرتقالي والأبيض. ويأكل سكان أميركا اللاتينية كل أجزاء ثمار الفلفل، وإن كان البعض لا يستسيغ طعم البذور والعنق الأخضر لمرارتهما.
ويحتاج الفلفل إلى تربة دافئة، وينمو في درجات حرارة ما بين 21 و29 مئوية تكون رطبة ولكنها غير مشبعة بالماء وجيدة التهوية. وهو نبات حساس ضد حرارة الطقس الشديدة وضد التربة سيئة الصرف.
الغريب أن الفلفل اكتسب اسمه بالخطأ من الأوروبيين الذين كانوا يعرفون ويقدرون الفلفل الأسود، وهو من أهم التوابل التي كانت ترد إلى أوروبا عن طريق الهند. وكان الأوروبيون يطلقون الاسم على أنواع أخرى من التوابل لها الطعم الحريف. وعندما أحضر كريستوفر كولومبوس نبات الفلفل الأخضر معه من المكسيك أطلق عليه الأوروبيون اسم الفلفل؛ نظراً لطعمه الحريف. ومن ناحية علم النبات يعتبر الفلفل من أنواع الفاكهة، ولكنه في عرف عالم الطبخ الحديث يدخل ضمن الخضراوات. وفي موطنه الأصلي، المكسيك، يعرف الفلفل باسم «تشيلي».
وهو الوحيد بين أنواع الفلفل الأخضر الأخرى الذي لا يحتوي على مادة كيماوية اسمها «كابساسين» تكسبه الطعم الحريف الذي يلهب الفم عند تناوله. ويختفي الجين المسبب لهذا الطعم من الفلفل الرومي. وتنتج المكسيك أنواعاً من هذا الفلفل حريفة الطعم بإضافة الجين الناقص بينما تفضل دول أوروبا النوع غير الحريف.
ويعمم اسم الفلفل الرومي على كل أنواع الفلفل بغض النظر عن لونها. ويتم إطلاق اسم الفلفل المقرون بلونه لكي تنقسم أنواعه إلى فلفل أخضر وفلفل أحمر وهكذا. وتتعدد الألفاظ التي تطلقها الدول المختلفة على الفلفل مثل «بابريكا» في هولندا، و«بيبروني» في إيطاليا، و«بيفرون» في فرنسا، و«بيمينتو» في إسبانيا والبرتغال.
وأثناء نمو ثمار الفلفل يكون لونها الموحد هو اللون الأخضر، ثم تتغير الألوان عند النضج إلى الأحمر أو الأصفر أو البرتقالي. وهناك أنواع نادرة لها ألوان مغايرة مثل الأبيض والبني ولون اللافندر والبنفسجي. ويختلف طعم كل لون من الفلفل عن اللون الآخر، وأحلاها طعما هو اللون الأحمر ثم الأصفر ثم الأخضر. كما أن الطعم يتحسن بترك الثمار لكي تنضج تحت الشمس على سيقان النبات بدلاً من حصادها مبكرا وتركها في التخزين فترة تنضج خلالها.
وللفلفل الكثير من المزايا الغذائية، حيث إنه مضاد للأكسدة، وغني بفيتامين «ج»، ويحتوي الفلفل الأحمر خاصة على مادة الكاروتين وبنسبة تسعة أضعاف أنواع الفلفل الأخرى، وضعف فيتامين «ج» بالمقارنة بالفلفل الأخضر. وتحتوي كل مائة غرام من الفلفل الرومي على 20 سعراً حرارياً ونحو خمسة غرامات من الألياف وغرامين من السكر ونسبة هامشية من الدهون والبروتينات، ومجموعة كبيرة من الفيتامينات والأملاح. وأهم الأملاح التي يحتوي عليها الفلفل كل من الكالسيوم والماغنيسيوم والفوسفور والبوتاسيوم مع نسب أقل من المنغنيز والصوديوم والحديد والزنك.
وينتج العالم وفق إحصاءات عام 2007 نحو 26 مليون طن من الفلفل سنوياً، وتعد الصين هي أكبر دول العالم إنتاجاً له بمحصول يبلغ حجمه 14 مليون طن، تليها المكسيك بحجم إنتاج يصل إلى 1.7 مليون طن ثم إندونيسيا بإنتاج حجمه 1.1 مليون طن. وتأتي بعد إندونيسيا كل من تركيا وإسبانيا والولايات المتحدة على التوالي. وبين أكبر عشر دول منتجة للفلفل الرومي في العالم تأتي مصر في المركز الثامن بحجم إنتاج يبلغ 475 ألف طن سنويا.
وينصح خبراء التغذية بأكل الفلفل طازجا، حيث يفيد الجسم بكثافة الفيتامينات فيه، مع عدم احتوائه على دهون أو سعرات حرارية تذكر. وهو يمكن أن يدخل ضمن مكونات وجبات غذائية صحية يمكن تناولها يومياً.
من الفوائد التي يضيفها الفلفل على الغذاء اليومي احتوائه على نسبة من الألياف تساعد على سهولة الهضم، وتقي من أمراض القلب ومن مرض السكر. وتساهم الألياف في الحفاظ على الوزن أو خفضه لأنه يقلص من الشعور بالجوع.
من أهم الفيتامينات التي يحتويها الفلفل فيتامين «ج» الذي يحمي من العدوى، ويحافظ على صحة الجلد والأسنان والشرايين. ويحتوي كوب من الفلفل المقطع على ما يحتاجه الجسم من فيتامين «ج» خلال اليوم. وتوجد نسبة أيضاً من فيتامين «هـ» الذين يحافظ على صحة الخلايا، ويقوى من نظام المناعة الطبيعية.
موانع الأكسدة في الفلفل معروفة وهي تصل أعلى معدلاتها في الفلفل الأحمر، ولكن للفلفل الأخضر فوائد إضافية في الحفاظ على صحة العيون وتأخير عوامل الشيخوخة.
من النصائح والأفكار الجديدة حول وصفات وجبات الفلفل إضافته إلى صلصة الاسباغيتي أو إلى مكونات اللازانيا وعلى سندوتشات اللحوم. ويمكن إضافة الفلفل على الشوربة وعلى أطباق النودل الصينية، كما يدخل ضمن مكونات السلطات بأنواعها. وعند اختيار ثمار الفلفل يجب انتقاء الثمار ذات الألوان المصقولة والجلد المشدود والملمس الصلب.
من الملاحظ أن ثمن الفلفل الأخضر يقل في العادة عن ثمن أنواع وألوان الفلفل الأخرى؛ والسبب في ذلك ليس اختلاف الطعم وإنما لأن الفلفل الأخضر يتم حصاده مبكراً وقبل اكتمال نموه، بينما ألوان الفلفل الأخرى تبقى على شجيراتها حتى يكتمل نموها، ولذلك تستغرق وقت نمو أطول، وتباع في العادة بأسعار أعلى. ولكن كل ألوان الفلفل تتبع الفصيلة نفسها. وتشمل الفصيلة عدة أنواع أخرى من الخضراوات منها الباذنجان والبطاطس والطماطم.
وتتاح ثمار الفلفل الرومي في الأسواق طوال شهور العام، ولكنها تصل إلى ذروة نوعيتها وطعمها خلال شهور الصيف وبداية الخريف. وفي بعض البلدان مثل تركيا يتم شواء قطع الفلفل مع اللحوم على الفحم على أسياخ الكباب. ولكن هذه الطريقة في طهي الفلفل على درجات حرارة عالية تفقده الكثير من مزاياه الغذائية. والأفضل هو الطهي على درجات حرارة أقل ولفترات قصيرة أو تناول الفلفل طازجا. ومثل الكثير من أنواع الخضراوات الأخرى مثل القرنبيط يحتوي الفلفل على مضادات للسرطان خصوصا الأنواع الطازجة منه.
من أهم الوجبات التي يدخل الفلفل ضمن مكوناتها في الكثير من أنحاء العالم الفلفل المحشي بالأرز، وهي وجبة بدأت مكسيكية ولكنها الآن تدخل ضمن وجبات البحر المتوسط. ويمكن اختيار الفلفل متعدد الألوان لهذه الوجبة، وبدلا من السلق يمكن طهي الفلفل المحشي بالأرز في البخار في أوانٍ مخصصة له. ويقدم دافئا مع أطباق اللحوم والباذنجان المقلي والكوسة مع جبنة موتزريلا مشوية. ويمكن أيضاً حشو الفلفل باللحم المفروم وتغطيته بالجبن.
من الوجبات الأخرى التي تنتشر في جنوب آسيا تقطيع الفلفل مع الخضراوات الأخرى، وقليها السريع مع الجمبري أو شرائح اللحم بأسلوب «ستير فراي»، وتؤكل هذه الوجبة ساخنة فور تحضيرها. ويضاف الفلفل أحياناً إلى وجبات السمك وإلى صلصات الباستا، وإلى وجبات يونانية مثل المسقعة ومكسيكية مثل الفاهيتا. ومثل دوائر البصل المقلية يمكن أيضاً طهي دوائر الفلفل المقلية التي تؤكل ضمن المقبلات مع الجبن والزيتون.



أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».