مسألة «بونتورمو» أو لوحة «الرجل ذو القبعة الحمراء» تربعت على عرش الجدل في الدوائر الثقافيّة البريطانيّة بشأن التأثيرات المحتملة على الحياة الفنيّة والفكريّة والعلميّة في البلاد، بعد قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي أو ما يعرف بـ«البريكست».
كانت أولى نتائج تصويت الأغلبيّة البسيطة من البريطانيين في الاستفتاء الشعبي - 23 يونيو (حزيران) الماضي - لمصلحة مغادرة الاتحاد هبوطاً حاداً في قيمة الجنيه الإسترليني وصلت إلى معدل 15 في المائة من قيمته مقابل الدولار والعملات الرئيسية الأخرى، وهو ما كانت له انعكاسات متباينة على قطاعات الاقتصاد البريطاني المختلفة، وحتماً على الحياة الثقافيّة والفنيّة في المملكة. لكن تراجع قيمة العملة لن يكون بالطبع وحيداً ضمن سلسلة تأثيرات ممكنة في حال تنفيذ الخروج الفعلي من الاتحاد الأوروبي - وهو الأمر الذي يتوقع الآن حدوثه في غضون عامين من المفاوضات -، وإن اختلفت وجهات نظر الصناعات الثقافيّة والمعرفيّة فيما إذا كانت تلك التأثيرات في مجموعها ستكون بمثابة فرصة ذهبيّة للمملكة المتحدة، أو أنها ستكون مصدراً لتراجع مكانتها وكساد إنتاجها الثقافي والمعرفي الذي، طوال العقود الأخيرة، شكّل جزءا مهما من البنية الكليّة للإنتاج القومي.
«الرجل ذو القبّعة الحمراء»، وهي لوحة رسمها فنان عصر النهضة الفلورنسي جاكوبو بونتورمو، تحكي قصة ذلك الغموض والتأثيرات السلبيّة الجانبيّة للطّلاق الأوروبي - البريطاني. فهذه اللوحة باعها مالكها الحالي نيكولاس أليكسندر للبليونير وجامع اللوحات الأميركي جيه. توميلسن هيل، لكن سلطات الجمارك البريطانيّة أوقفت العمليّة ومنعت تصديره اللّوحة خارج البلاد، وعرضت بالمقابل على مالكها الحالي بيعها بالسعر الذي اشتراها به (بالدولار الأميركي) لمصلحة الناشيونال غاليري في لندن، أي ما يعادل ثلاثين مليون جنيه إسترليني في ذلك الوقت. وقد تضافرت جهود عدة جهات ثقافية بريطانيّة خلال أشهر لجمع المبلغ المطلوب، لكن هبوط الجنيه الإسترليني بعد إطلاق مشروع (البريكست) جعل قيمة الثلاثين مليوناً التي جُمعت أقل من السعر الذي دفعه الرجل ثمناً للوحة، مما حدا به إلى إلغاء موافقته على البيع. ونقلت الصحف عنه قوله: «الإسترليني هو الذي خسر قيمته، لا اللوحة». وهكذا انتهى «الرجل ذو القبعة الحمراء» ضحيّة للبريكست، عالقاً في المخازن، دون أن يمتلك أي طرف حلاً مقبولاً للأطراف الأخرى، وكإنذار عملي للصناعات الفنيّة البريطانية من الصعوبات والتعقيدات التي تحيط بها الأيّام المقبلة.
من ناحية نظريّة محضة، فإن خفوت هيبة الجنيه الذي رافق مشروع البريكست منذ يومه الأوّل - وإن أصاب القدرة الشرائيّة للمواطنين البريطانيين بضربة قاسية - بدا وكأنه أخبار واعدة للصناعات المعتمدة على التصدير واستقطاب الأموال الأجنبيّة. ثقافيّاً، كان ذلك يعني مثلاً تراجع التكلفة الكليّة لإنتاج الكتب والمجلات والأفلام السينمائيّة والإعلانات وأسعار التذاكر والأقساط الجامعيّة، وحتى قيمة ما يُدفع للمنتجين الثقافيين مقابل النصوص المكتوبة - حصراً بالطبع بالنسبة للسياح القادمين من الخارج وللشركات خارج البلاد - وهو أمر سيزيد من تنافسيّة الاقتصاد المعرفي البريطاني، وسيفتح أبواباً لمزيد من التدفقات النقديّة إلى المملكة. المؤسسات الثقافيّة المعتمدة على السيّاح الأجانب كالمتاحف والمعارض الفنيّة وصناعة المؤتمرات والمهرجانات اعتبرت البلاد صارت أكثر جاذبيّة للسياح عموماً نتيجة لتراجع قيمة الجنيه، وإنّها بالتالي مقبلة على مواسم مبشّرة. ناشرو الكتب البريطانيّون بدورهم عبّروا في نقاش لهم على هامش معرض لندن للكتاب الشهر الماضي عن ملاحظتهم ملامح تأثير إيجابي للبريكست من هذه الناحية، بالنظر إلى أن أسواقهم الأساسيّة خارج البلاد ليست في أوروبا تحديداً، بل هي تجمعات الناطقين بالإنجليزّية في أميركا الشماليّة وأستراليا وآسيا، ولذلك كان تراجع الإسترليني بمثابة بيضة ذهبيّة هبطت عليهم فجأة، وهم يبحثون الآن عن أفضل الطرق للاستفادة منها. وكذلك الناشرون الدّوليون العابرون للقارات، يرون بدورهم الفرصة متاحة لتكثيف إنتاجهم في المملكة مستفيدين من الظروف المواتية.
لكن، وبعد الشروع الفعلي في تنفيذ البريكست، بدأت تعقيدات متشابكة تطفو على سطح مياه صناعات أخرى حرمتها من مشاركة الناشرين تفاؤلهم (المفرط) هذا، لا سيما تلك الصناعات التي بَنت عبر العقود الأربعة الأخيرة علاقات بنيويّة وثيقة مع دول الاتحاد الأوروبي، سواء من ناحية الأسواق الأساسيّة لمنتجاتها أو حتى القوى العاملة المنتجة فيها. فكثير من المؤسسات الثقافيّة البريطانيّة كصناعة الأفلام والمسرح وحتى الجامعات توظف وتستقطب استثمارات وزبائن ومبدعين وفنيين من القارة، وانعدام الوضوح حول مستقبل هؤلاء بسبب (البريكست) بدأ يتسبب بضغوط ملموسة على هذه المؤسسات. الجامعات مثلاً بدأت تفقد بعضاً من (نجومها) من الأكاديميين الأوروبيين الّذين بدأ بعضهم فعليّاً بالانتقال إلى جامعات أوروبيّة أخرى أو على الأقل التخطيط لذلك، وتلك بالطبع مسألة كبرى إذا علمنا أن نسبة الأكاديميين الأوروبيين في بعض التخصصات الدقيقة تتجاوز الثلث من مجموع المدرّسين. صناعة الأفلام التي تفاءلت بتكريس مكانة بريطانيا مركزا للإنتاج السينمائي والتلفزيوني العالمي - الأهم بعد هوليوود - بالنظر إلى تراجع القيمة الكليّة لتكلفة التصوير والإنتاج في البلاد، بدأت تشتكي من تراجع جاذبيّة المداخيل وصعوبات الإقامة المحتملة على نحوٍ جعل استقطاب الكوادر الأوروبيّة المهمة للصّناعة أكثر صعوبة من أي وقت مضى، وهو ما يهدد أي مكاسب محتملة من وراء (البريكست)، ويعطي تنافسّية أفضل لدولٍ مثل إسبانيا وآيرلندا (وربما اسكوتلندا مستقبلاً، في حال نجاحها بنيل الاستقلال عن المملكة)، إضافة إلى فقدان الدّعم المالي والاستثمار المباشر من مؤسسات الاتحاد الأوروبي الرسميّة، الأمر الذي يستحيل تعويضه من المصادر المحليّة بأي شكل.
صناعة تجارة الأعمال الفنيّة خاصة تقف في موقع حرج بعد انطلاق البريكست. فبريطانيا التي تسيطر على 21 % من التبادلات التجاريّة الفنيّة العالميّة مهددة الآن بتراجع كبير في مكانتها بصفتها سوقا عالميّة لمصلحة عواصم الفن الأخرى كنيويورك وباريس وهونغ كونغ وميلان وغيرها، إذ إن لندن نجحت عبر العقود الأخيرة - وبالاستفادة من السوق المشتركة التي خلقها الاتحاد الأوروبي - بالتحوّل إلى عاصمة التجارة الفنيّة الأوروبية، وأصبحت قطباً لا يتفوق عليه في العالم سوى نيويورك. فالتغييرات المحتملة بشأن تشريعات التصدير والضّرائب والجمارك لن تكون بالتأكيد لصالح هذه الصناعة بأي حال، وستضع بريطانيا في مواجهة سوق محميّة لا تشجّع تشريعاتها على التبادل التجاري خارج حدود الاتحاد الأوروبي، وهو ما يتكهن المراقبون أنه وراء قرار دار كريستيز المعروفة - وثاني أكبر منظّم للمزادات الفنيّة عبر المعمورة - بإغلاق معرضها في لندن، وتقليص عملياتها البريطانيّة إلى الحد الأدنى. وأضاف آخرون أن تراجع جاذبيّة العقارات الفخمة في لندن نتيجة البريكست عنى بالضرورة تقلص حجم سوق التحف وقطع الأثاث الكلاسيكيّة واللوحات الثمينة، وبالتالي فإن الأجواء لن تكون بالضرورة إيجابية لكريستيز وللمتداولين في مزادات الأعمال الفنيّة عموماً لعقد من السنوات على الأقل.
لكن مثقفين بريطانيين وعدّة أكاديميين رأوا أن تعقيدات البريكست وتأثيراته الشائكة على المديين المتوسط والطويل، ينبغي ألا تقيم من ناحيّة ماديّة وتجاريّة بحتة فحسب، إذ إن انغلاق البلاد على ذاتها ثقافيّاً ومعرفيّاً، وتراجع الفضاء الإيجابي الذي ساعدت عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي في بنائه، وخفوت جاذبية المملكة المتحدة بوصفها عنصر جذب ثقافي لـ500 مليون من الأوروبيين، كل ذلك سيعني تهميشاً وانعزالا وانغلاقا وتقوقعاً ثقافي سيحوّل بريطانيا خلال عقود قليلة مقبلة إلى مجرد جزيرة هامشيّة منقسمة بين عدّة كيانات صغيرة متنافسة، ومتحفٍ مفتوح في الهواء الطّلق يُلقّن العابرين درساً: كيف تندثر الإمبراطوريّات بعد مجد وسؤدد؟!
ليس «الرجل ذو القبعة الحمراء» وحده عالقاً في تعقيدات البريكست. إنها الأمة البريطانيّة كلّها.
«الرجل ذو القبّعة الحمراء» ليس وحده ضحية {بريكست} الثقافية
خفوت جاذبية المملكة المتحدة بوصفها عنصر جذب ثقافي لـ500 مليون أوروبي
لوحة «الرجل ذو القبعة الحمراء» لفنان عصر النهضة الفلورنسي جاكوبو بونتورمو
«الرجل ذو القبّعة الحمراء» ليس وحده ضحية {بريكست} الثقافية
لوحة «الرجل ذو القبعة الحمراء» لفنان عصر النهضة الفلورنسي جاكوبو بونتورمو
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

