معسكر غوانتانامو السابع يضم أعتى الإرهابيين ويخضع للاستخبارات الأميركية

المعتقلون يقبعون في 3 معسكرات و«المنضبطون» يحصلون على مزايا مشاهدة القنوات الترفيهية

مدخل معسكر دلتا شديد الحراسة في غوانتانامو («الشرق الاوسط»)
مدخل معسكر دلتا شديد الحراسة في غوانتانامو («الشرق الاوسط»)
TT

معسكر غوانتانامو السابع يضم أعتى الإرهابيين ويخضع للاستخبارات الأميركية

مدخل معسكر دلتا شديد الحراسة في غوانتانامو («الشرق الاوسط»)
مدخل معسكر دلتا شديد الحراسة في غوانتانامو («الشرق الاوسط»)

على مدى خمسة عشر عاما من افتتاح معتقل غوانتانامو في يناير (كانون الثاني) 2002، تطورت القاعدة العسكرية الأميركية في كوبا، وتزايدت أعداد العسكريين العاملين فيها وتوسع البناء في الخدمات الرئيسية في داخل القاعدة لتضم مساكن وقاعات طعام ومقاهي وملاعب ومدارس لجميع المراحل التعليمة وأماكن للعبادة وأخرى للترفيه.
وفي جانب آخر بعيد، يقبع المعتقل الشهير الذي ضم في جنباته عددا كبيرا من الإرهابيين والمعتقلين الذين امتلأت الصحف بأخبارهم بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وكثرت القصص حول ما يلاقونه من انتهاكات وتعذيب. وتزايدت أعداد المعتقلين فيه لأجل غير مسمى دون محاكمة لتصل إلى 780 معتقلا في وقت ما، وخلال عهد الرئيس الأسبق جورج بوش تم ترحيل 540 معتقلا، وفي عهد الرئيس السابق باراك أوباما تم ترحيل 201 معتقلا، لتتقلص أعداد المعتقلين ولا يتبقى سوى 41 معتقلا حاليا يحمل معظمهم صفة «محتجز إلى الأبد».
ويتكون المعتقل من عدة معسكرات في جوانب متفرقة من القاعدة، حيث تقبع المعسكرات والسجون التي يتم فيها احتجاز المعتقلين في مكان منعزل وبعيد ومؤمن تأمينا عاليا. وقد تم إغلاق معظم هذه المعسكرات التي كانت تؤوي في السابق عددا كبيرا من المعتقلين. ويتوزع المعتقلون الباقون في غوانتانامو حاليا (41 معتقلا) على ثلاثة معسكرات هي كامب ايكو والمعسكر السادس والسابع (الذي يضم 15 معتقلا ممن يعتبرون من أخطر الإرهابيين والمعتقلين).
> معسكر «إكس راي» وهو عبارة عن مخيم يضم 311 خلية من السياج الحديدي التي تشبه أقفاص الكلاب في وسط بيئة استوائية نائية، وقد تم استخدامه كمركز احتجاز مؤقت، يتم السماح فيه للمعتقلين بتبادل الأحاديث والصلاة معا، وأحيانا تنظيم الإضرابات عن الطعام. وأغلق بعد أربعة أشهر في أبريل (نيسان) 2002، وتقول سجلات استجوابات بعض المحتجزين إنه تم استخدامه - حتى بعد إغلاقه - لاستجواب المعتقلين. والآن لا أحد يسكن هذا المعسكر وأصبح مهجورا وملأته الأعشاب العشوائية.
> معسكر دلتا، وهو يضم ثلاثة معسكرات تحمل رقم 1، 2، 3، وهو عبارة عن غرف من الحوائط الحديدية سابقة التجهيز يصل عددها إلى 720 غرفة أو زنزانة. وحاليا لا يوجد معتقلون في هذا المعسكر بأجزائه الثلاثة، لكن لا تزال القصص تروى عن هذا المعسكر حيث تم استخدامه لإيواء المعتقلين المضربين عن الطعام وتقييدهم في مقاعد ووضع أنابيب التغذية رغما عنهم لتمر من الأنف إلى البطن. واستخدم هذا المعسكر أيضا لسجن المعتقلين الذين يثيرون الشغب وإبعادهم عن بقية المحتجزين الآخرين حتى لا يتأثروا بهم، وكان المكان الذي يتم احتجازهم فيه يسمى «وان ألفا».
الآن يستخدم بعض أجزاء هذا المعسكر سابق التجهيز، لعقد اللقاءات بين المعتقل وفريق الدفاع عند حيث توجد غرف اجتماعات يتشاور فيها المعتقل مع محاميه. ويوجد بالمعسكر المكتبة الضخمة للمعتقل التي تضم أكثر من 33 ألف كتاب ومجلة وتسجيلات صوتية وأشرطة فيدو وDVD.
> معسكر صدى: يستخدم الجيش الأميركي هذا المعسكر المكون من 24 زنزانة كموقع لعزل المعتقلين في حبس انفرادي والذين لا يستطيعون الاختلاط بالآخرين. وتم استخدامه أيضا لعزل المحتجزين الذين يواجهون محاكمات كمجرمي حرب عن بقية المحتجزين ووضع المعتقلين الذين أقروا بالذنب عن جرائمهم والذين ينتظرون ترحيلهم إلى بلادهم.
وفي بعض الأحيان تم استخدامه لعقد الاجتماعات بين المحتجزين ومحاميهم، وتتكون الزنزانة من غرفة ضيقة مقسمة بحاجز سلكي إلى مكان للنوم ومرحاض ودش وفي جانب آخر طاولة وكراسي، وحينما يجتمع المعتقل مع محامية كانت تكبل أقدامه إلى الأرض، لكن أصدر قاض اتحادي في الولايات المتحدة عام 2004 حكما بوقف تكبيل المعتقلين خلال لقائهم بمحاميهم. ولا يزال هناك معتقلون بهذا المعسكر لكن أعداهم غير معروفة.
> المعسكر الرابع: ويعد الشكل التقليدي لزنزانة السجن التي تضم مجموعة من المعتقلين بأسرة فردية ومنطقة مشتركة للمرحاض، ومنطقة لتناول الطعام في الهواء الطلق. ولا يوجد به معتقلون حاليا لكنه في السابق كان المكان المعد لاحتجاز المعتقلين الأكثر تعاونا والأقل خطورة، ووفرت فيه الجيش مساحة واسعة لإقامة الصلاة الجماعية (تحت مراقبة الحراس) وملاعب لممارسة كرة القدم. وفي مايو (أيار) 2006 تم تجهيز المعسكر بقاعات لمشاهدة التلفزيون ساعتين يوميا وتنظيم دروس لتعلم اللغة الإنجليزية والرسم، ويقول المسؤولون إن عددا كبيرا من المعتقلين أقبل على تعلم اللغة الإنجليزية. كما أقبل آخرون على تعلم الرسم منهم خالد أحمد قاسم (40 عاما) المتعقل اليمني الذي يعد فنان معتقل غوانتانامو، وقد برع في هذا المجال، مما دفع إدارة المعتقل إلى عرض لوحاته على حائط كبير داخل المعتقل.
وتقول بعض الروايات إن هذا المعسكر شهد تمردا ومواجهة بين المعتقلين والحراس في مايو 2006 تم إخمادها بصورة فورية. ما دفع السلطات إلى دراسة إنشاء معسكر آخر بأقصى درجات التشديد الأمني. وفي يناير 2011 قام الجيش بنقل المعتقلين وإخلاء المعسكر للقيام بإصلاحات لكن بنهاية سبتمبر 2011 أصبح المعسكر خارج الخدمة تماما، وأصاب الصدأ جميع أركانه
> المعسكر الخامس: تم إنشاء هذا المعسكر في عام 2004 بتكلفة 17 مليون دولار وأقيم على طابقين بأقصى درجات الأمن والمراقبة ليضم 124 من المعتقلين الخاضعين للمراقبة طوال النهار والليل باستخدام كاميرات بدوائر مغلقة ونظام إقفال مركزي ونظام تهوية وتكييف مركزي، ويحتوي هذا المعسكر على غرف استجواب خاصة مزودة بسلاسل لتكبيل المعتقلين وشاشات وأجهزة كثيرة.
في السابق، ضم هذا المعسكر نحو 100 سجين ممن أطلق عليهم «ذوو قيمة استخباراتية كبيرة»، وكان يتم احتجاز كل معتقل في زنزانة فردية صغيرة يوجد بها سرير ومرحاض. ويقع كل معتقل تحت مراقبة مستمرة من الحراس. ويقال إن أحد المعتقلين دأب على وضع «مخلفاته» في فتحات تهوية الزنزانة مثيرا رائحة كريهة في كافة أرجاء المعسكر، ولم يتوقف إلا بعد ضغوط من بقية المعتقلين.
وفي الطابق الثاني تم وضع حمزة البهلول «ذراع أسامة بن لادن الإعلامي» في زنزانة خاصة باعتباره السجين الوحيد الذي أدين بارتكاب جرائم حرب أمام لجنة عسكرية وحكم عليه بالسجن مدى الحياة. وبهذا المعسكر مكان لمطبخ صغير وساحة واسعة للترفيه وقاعة لمشاهدة التلفزيون وبعض الفضائيات والقنوات «الترفيهية»، وهي ما كانت تعد نوعا من المكافأة للمعتقلين «المنضبطين». ووفقا للسجلات عثر على معتقل سعودي أقدم على الانتحار شنقا في هذا المعسكر في 30 مايو 2007.
وفي صيف 2016 تم نقل جميع المعتقلين من المعسكر الخامس إلى المعسكر السادس لتحويل المعسكر الخامس إلى مكان للرعاية الصحية وتقديم العناية الطبية والنفسية والعقلية.
> معسكر صدى (Echo) داخل المعسكر الخامس هذا هو المعسكر التأديبي، وهو مقام على شكل زنازين صغيرة لعزل المعتقلين «غير المنضبطين» من المعسكر الخامس والسادس ويحرمون من الامتيازات الممنوحة لبقية المعتقلين من ساعات ترفيه ومشاهدة التلفزيون، وقد بني هذا المعسكر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2007 بتكلفة 690 ألف دولار وفقا لتصريحات للكوماندر البحري تامزن ريسي التي تولت منصب المتحدثة باسم السجن في أواخر عام2011، وقد أغلق هذا المعسكر في عام 2016.
> معسكر خدمات العلاج الطبيعي داخل المعسكر الخامس: لا يوجد الكثير من المعلومات عن هذا المعسكر الذي تم بناؤه في أغسطس (آب) 2009 بمبلغ 442 ألف دولار كمركز لتوفير الدورات والفصول التعليمية للمعتقلين، وفي عام 2011 أخطرت القيادة الأميركية الجنوبية في فلوريدا أعضاء الكونغرس الأميركي بخطط تحويل هذا المعسكر ليكون مستشفى يقدم الخدمات الأساسية للمعتقل ومركزا للصحة النفسية والعقلية.
> المعسكر السادس: لا يزال هذا المعسكر البالغة تكلفته 39 مليون دولار، مفتوحا ويوجد به حاليا 26 معتقلا، وتمت إقامته في ديسمبر (كانون الأول) 2006، وهو أيضا مجهز بنظام مركزي محكم، ويتشابه مع المعسكر الرابع في شكل الزنازين الكبيرة التي تضم عددا من المعتقلين مع منطقة مشتركة للحمام وساحة واسعة لتناول الطعام. لكنه يضم أيضا زنازين صغيرة مساحتها متر ونصف في مترين مزودة بحوض من الفولاذ المقاوم للصدأ ومرحاض ومائدة صغيرة. وفي أي حالات للتمرد أو الشغب يتم وضع المعتقل بشكل انفرادي داخل هذه الزنازين الصغيرة ولا يسمح له إلا بساعتين خارجها كل يوم.
ويوجد بهذا المعسكر مركز طبي عالي المستوى في علاج الأسنان. ويوفر المعسكر لكل معتقل سجادة صلاة ونسخة من القرآن الكريم. ويوفر في الزنازين الجماعية بثا إذاعيا مباشرا للقران الكريم من المملكة العربية السعودية لمدة 20 ساعة يوميا يمكن للمعتقل الاستماع إليها عبر سماعات للرأس.
وأقام الجيش في عام 2012 ملعبا كبيرة لممارسة رياضة كرة القدم تكلف 744 ألف دولار وسمي «الملعب السوبر» وأحيط بأسوار وأسلاك شائكة وأبراج للمراقبة. وبعد إغلاق المعسكر الخامس في 2016 تم نقل المعتقلين إلى المعسكر السادس ووضعهم في زنازين جماعية باستثناء اليمني علي حمزة البهلول الذي تم وضعه في زنزانة منفردة قيد المراقبة مستمرة.
وشهد هذا المعسكر بعض القصص المأساوية حيث سقط المعتقل أورال غوال الأفغاني (48 عاما) ميتا في 2 فبراير (شباط) 2011 خلال قيامه بتدريبات رياضية في الصالة الرياضية بالمعسكر، وفي مايو 2011 قام حاجي نسيم الأفغاني بالانتحار باستخدام أغطية السرير في شنق نفسه.
> المعسكر السابع: لا يعرف سوى القليل عن هذا المعسكر المقام بعيدا عن الأنظار داخل القاعدة العسكرية، ولا يسمح لأحد بدخوله ويحاط هذا المعسكر بهالة كبيرة من السرية والإجراءات الأمنية المشددة، ويضم المعسكر حاليا 15 معتقلا ممن يعتبرون من أخطر المعتقلين مثل خالد شيخ محمد العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر، واليمني رمزي بن الشيبة وأبو زبيدة وعبد الرحيم الناشيري المتهم بتفجير المدمرة الأميركية كول.
ويخضع هذا المعسكر لإدارة الاستخبارات الأميركية المركزية (CIA) مباشرة، وتم الكشف عن وجود هذا المعسكر في أواخر عام 2007 في مذكرة سرية للمحامين الذين وكلوا للدفاع عن مرتكبي هجمات 11 سبتمبر. ويرفض البنتاغون الكشف عن تكلفة بناء المعسكر أو أي معلومات عنه.
والقليل من المعلومات المتوافرة عن المعسكر السابع التي جاءت من خلال زيارات بعض أعضاء الكونغرس تشير إلى أنه يحتوي على زنازين منفردة مكيفة وقاعة كبيرة للترفيه ومشاهدة ألعاب الفيديو (وفق تصريحات النائب بارتيك والش)، ويوجد به أيضا وحدة رعاية صحية وعيادة أسنان خاصة بالمعسكر حتى لا يضطر المعتقلون للانتقال من المعسكر إلى الوحدة الطبية بالخارج. ويحرس المعسكر من الخارج قوة من وحدة الحرس الوطني تسمى وحدة فرقة الحرس اللاتينية، تتعاقب على الحراسة كل تسعة أشهر.
لم يغادر أحد من المعتقلين المعسكر السابع سوى المعتقل التنزاني أحمد غيلاني الذي أرسل إلى نيويورك في يونيو 2009 لحضور محاكمة جنائية أمام المحكمة الفيدرالية الأميركية ويقضي حاليا عقوبة السجن مدى الحياة في أحد سجون ولاية كلورادو. وقد حاول الرئيس السابق نقل بقية المعتقلين وإجراء محاكماتهم في الولايات المتحدة أمام المحاكم الفيدرالية، إلا أن الكونغرس عارض ذلك بشدة.
> معسكر ايجوانا وقد أنشئ هذا المعسكر كمجمع سكني من مبنى واحد لوضع المعتقلين كأسرى حرب من صغار السن (المراهقين) من دول مثل الصين، دول أوروبا الشرقية. وكان يضم عشرين محتجزا منعزلين ويحيط بالمكان سور من الأسلاك الشائكة والسلاسل التي تفصل بين السجناء والحراس، وأضيف له بعض الحجرات لعقد اللقاءات بين الأسرى ومحاميهم، وقد تم ترحيل كافة المحتجزين بحلول عام 2013، وأصبح المعسكر فارغا ومهملا بشكل كبير.
> معسكر الصحة النفسية، وهو مبنى منفصل مجاور لمستشفى مركز الاحتجاز ويقدم خدمة العلاج النفسي والسلوكي ويديره أطباء من البحرية الأميركية الذين يتناوبون العمل في المكان لفترة لا تتجاوز العام، ويعد بمثابة موقع للعزل للمعتقلين الذين يعانون من مشاكل نفسية أو أمراض عقيلة. ويمكن لهذه الوحدة أن تحتجز 12 معتقلا في زنزانات منفرة قيد المراقبة المستمرة. وفي 1 يونيو 2009 أقدم معتقل يمني كان محتجزا في معسكر الطب النفسي على الانتحار شنقا. وأشار تقرير الطب الشرعي بعد تشريح جثته إلى أنه استخدم ملابسه لتنفيذ الانتحار. وليس معروفا عدد المرضى الموجودين حاليا.
> معسكر العدالة (كامب جاستيس) وقد بني هذا المعسكر فوق مطار ماكالا القديم الذي لم يعد مستخدما، وقد بني في هذا المعسكر قاعة المحكمة (الأعلى تحصينا والأحدث تكنولوجيا) التي تستضيف جلسات الاستماع التحضيرية لمحاكمة بعض المعتقلين والتي شهدت خلال الأسبوع الماضي جلسات الاستماع الخاصة للمعتقل عبد الهادي العراقي المتهم بارتكاب هجمات إرهابية ضد الأميركيين في أفغانستان في الفترة من 2002 إلى 2004. وملحق بقاعة المحكمة ست قاعات متاحة لإبقاء المحتجزين الذين يتم إحضارهم من زنازينهم بالمعتقل إلى قاعة المحكمة حيث ينتظرون فيها لحين بدء الجلسة.
ويضم معسكر العدالة مقصورات عالية الحماية الأمنية التي أعدت كمكاتب للمحامين للتعامل مع بعض «الوثائق السرية» ومقصورات أخرى للمترجمين والمساعدين القانونيين، وغيرهم من الموظفين القضائيين، ويطلق على هذا المكان اسم «رازور».
ويضم معسكر العدالة أيضا صفوفا من الخيم المكيفة التي تم إعدادها لإقامة الإعلاميين والمراقبين الحقوقيين، وممثلي المنظمات غير الحكومية وأساتذة الجامعة والطلبة في مدارس القانون الذين يأتون لمتابعة الإجراءات القانونية. وعلى بعض أمتار قليلة يوجد مبنى كبير متهالك كان مستخدما من قبل كهنجر وحظيرة للطائرات، تم تجهيز مكاتب لعمل الإعلاميين ومكاتب بعض العسكريين.
ويوجد بالقاعدة العسكرية الأميركية عدد من المباني السكنية والفنادق الصغيرة وعدد كبير من قاعات الطعام والمطاعم مختلفة الجنسيات كما توجد سينما صيفية مكشوفة لعرض الأفلام السينمائية يوميا، ومتاجر تجارية وسوبر ماركت ومحال للتجميل، إضافة إلى ثلاث مدارس ابتدائية وإعدادية وثانوية وكنيسة ومسجد صغير.



متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، وأكد أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

تحوّلات ونماذج بديلة

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

امتحان التكيّف والتعاون

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.


سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
TT

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن واشنطن لا تمانع عودة تركيا إلى برنامج إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35»، متوقعاً أن يتم معالجة مسألة العقوبات الأميركية المفروضة عليها بسبب شرائها منظومة الدفاع الصاروخي الروسية «إس - 400» قريباً.

وفي تكرار لتصريحات أطلقها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال براك، خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي انطلقت دورته الخامسة، الجمعة، في مدينة أنطاليا جنوب تركيا،: «أعتقد أن مشكلة منظومة (إس – 400) ستحل قريباً، ومن وجهة نظر رئيسي (دونالد ترمب)، لا مانع من قبول تركيا في برنامج طائرات (إف - 35)».

وأخرجت الولايات المتحدة تركيا من برنامج مقاتلات «إف - 35»، التي تنتجها شركة «لوكهيد مارتن»، عقب حصولها على منظومة «إس - 400» في صيف عام 2019، لتعارضها مع منظومة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفرض عليها ترمب عقوبات بموجب قانون «كاتسا» في أواخر عام 2020، فيما اعتبرته تركيا قراراً غير عادل، لا سيما أنها دفعت نحو 1.4 مليار دولار لشراء مقاتلات «إف - 35».

منظومة «إس - 400» الروسية (موقع الصناعات الدفاعية التركية)

وعلى الرغم من اتجاه تركيا للبحث عن بدائل مثل طائرات «يوروفايتر تايفون» الأوروبية أو إنتاج بدائل محلية، فإنها تواصل السعي لرفع العقوبات الأميركية والحصول على مقاتلات «إف - 35».

وفي ديسمبر الماضي، قال براك، إن أنقرة باتت أقرب إلى التخلي عن المنظومة الروسية، متوقعاً إمكانية حل هذا الملف خلال فترة تتراوح بين 4 و6 أشهر، لافتاً إلى أن القانون الأميركي لا يسمح لتركيا بتشغيل أو حيازة المنظومة الروسية إذا أرادت العودة لبرنامج إنتاج وتطوير المقاتلة الأميركية.

واقترحت تركيا، في مارس (آذار) الماضي، تشغيل منظومة «إس - 400» بشكل مستقل عن أنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) لحل الخلاف مع الولايات المتحدة، وإنهاء أزمة استبعادها من مشروع إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35» والحصول عليها.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

ولم تفعّل تركيا المنظومة الروسية منذ حصولها عليها، بموجب الصفقة التي وقعت مع روسيا في عام 2017، أو نقلها إلى مكان آخر أو بيعها لدولة أخرى.

وقال وزير الدفاع التركي، يشار غولر، «إن الحل الذي اقترحته تركيا بات واضحاً، تم إبلاغ نظرائنا الأميركيين بفكرة تشغيل منظومة (إس – 400) كنظام مستقل، دون دمجها في أنظمة الناتو، وإن هذا هو الحل الأمثل».

وعن مسار العلاقات التركية - الأميركية، قال براك إن العلاقات بين أنقرة وواشنطن شهدت تقدماً ملحوظاً خلال الـ16 شهراً الماضية يفوق ما تحقق خلال الـ15 عاماً الماضية.

ولفت إلى إحراز تقدم في مجالات السياسة الخارجية والاستخبارات والشؤون العسكرية والتجارية، لا سيما في ظل العلاقات الجيدة بين الرئيسين، رجب طيب إردوغان ودونالد ترمب.

براك متحدثاً عن العلاقات التركية - الأميركية خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (إعلام تركي)

وأضاف براك: «يجري إعادة تشكيل التحالف بين البلدين، ما حدث في سوريا (منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024) كان في صالح تركيا إلى حد كبير، تستحق تركيا والسعودية ثناءً كبيراً لدعمهما هذا «الهيكل الناشئ» في سوريا.

وتابع أنه «حتى مع وجود بعض العيوب؛ في الواقع، كانت تركيا العامل الحاسم في هذه العملية، العلاقات بين البلدين أفضل من أي وقت مضى، أعتقد أنه سيتم التوصل إلى حل لمسألة منظومة (إس – 400) قريباً، ومن وجهة نظري، فإن إعادة قبول تركيا في برنامج (إف - 35) أمر ممكن أيضاً».