الإعلام «الإخواني»... هل يلفظ أنفاسه الأخيرة؟

إعلاميون وخبراء يحللون المشهد في مصر

مقر مدينة الإنتاج الإعلامي بمصر التي تبث منها القنوات الخاصة  -  قناة «مكملين» الموالية للإخوان المسلمين
مقر مدينة الإنتاج الإعلامي بمصر التي تبث منها القنوات الخاصة - قناة «مكملين» الموالية للإخوان المسلمين
TT

الإعلام «الإخواني»... هل يلفظ أنفاسه الأخيرة؟

مقر مدينة الإنتاج الإعلامي بمصر التي تبث منها القنوات الخاصة  -  قناة «مكملين» الموالية للإخوان المسلمين
مقر مدينة الإنتاج الإعلامي بمصر التي تبث منها القنوات الخاصة - قناة «مكملين» الموالية للإخوان المسلمين

في أعقاب ثورة يناير (كانون الثاني) من عام 2011 تغير المشهد الإعلامي المصري وزادت مساحة الحرية فيه، وزادت معها حدة الاستقطاب ما بين الإعلام «الليبرالي» أو الخاص والإعلام «الإخواني» الذي يدعم أو يوالي جماعة الإخوان المسلمين - اللقبَين اللذين اختار المعسكران اعتمادهما في حربهما الإعلامية.
في الخلفية، بات الإعلام الحكومي المصري المتمثل في قنوات ماسبيرو والجرائد القومية يفتقر إلى المهنية والموضوعية، ولا يقدم الصورة الكاملة، في الوقت الذي أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورا إعلاميا قويا في تحريك الرأي العام وحرية الرأي والتعبير، بل وصناعة الأخبار والمحتوى، ومع ذلك كانت هنالك حالة من التنوع، وتعدد الأصوات الإعلامية؛ حيث ظهرت الكثير من البرامج الجريئة رغم ما فيها من تضليل.
أما في أعقاب الموجة الثانية من الثورة المصرية 30 يونيو (حزيران) 2013، صعد نجم الإعلام الليبرالي والخاص الذي أخذ على عاتقه، بحسب زعمه، كشف الحقائق وتعريتها للرأي العام المصري، وكشف الكثير من المحتوى الإعلامي المضلل الذي كان يبث من قنوات مصرية أو عربية أو أجنبية، والذي يروج للشائعات أو يقدم «حقائق مزيفة»، أدى ذلك إلى نبذ الشارع المصري لقنوات بعينها، ورفعت دعاوى قضائية لوقف بثها، ومنها: قناة «الشرعية» و«مصر الآن»، و«25 يناير» و«أحرار 25»، كما وصمت قنوات: «الجزيرة» القطرية، و«مكملين» و«الشرق» و«رابعة» التي يتم بثها من تركيا بأنها قنوات «إخوانية» تسعى إلى «تدمير مصر»؛ ما أدى إلى فقدانها القاعدة الجماهيرية التي كانت تحظى بها.
حاليا ينفرد الإعلام «الليبرالي» بقاعدة جماهيرية كبيرة مع ظهور قنوات جديدة «أون تي في إي» و«dmc» في الوقت الذي تسعى المنابر الإعلامية «الإخوانية» إلى «فبركة» الأحداث التي تتمثل في الاعتداء على الصحافيين المصريين في الخارج، وبث مشاهد مفبركة عن مسيرات احتجاجية، فضلا عن استقطاب الإعلاميين المستقلين عبر قوائم بريدية تحمل اسم «الرسالة» تروج للفكر الإخواني... فهل دخلت الآلة الإعلامية «الإخوانية» مرحلة الموت الإكلينيكي؟
الخبير الإعلامي الدكتور ياسر عبد العزيز، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «يعتمد الإعلام الإخواني على نوعين من وسائل الإعلام، نظامية، وهي الوسائل المعلومة الهوية مثل القنوات والصحف والمواقع الإلكترونية، ووسائل إعلام غير نظامية، التي تتمثل في «السوشيال ميديا»، أي التواصل الاجتماعي.
لافتا إلى أن وسائل الإعلام النظامية المعبرة عنهم لا يوجد لديها فرصة الآن للعمل في المنظومة الإعلامية المصرية، ومع وجود حالة الطوارئ فمن المستحيل أن تعود تلك القنوات ذات الوجه الإخواني للظهور مرة أخرى. ويشير إلى أن أوضاع الإعلام المصري بشكل عام مأزومة، بل إنه في حالة تردٍ مهني كبير، لافتا إلى خطورة ذلك على المنظومة الإعلامية المصرية، وبخاصة أن هذه الحالة المتردية قد تكون ثغرة ينفذ منها الإعلام الإخواني؛ لأن الجمهور لديه حاجة سيكولوجية إلى تلقي الأصوات المعارضة، فإن لم يجدها سيخترعها.
وكانت الكثير من المؤسسات الإعلامية المصرية المرئية والمطبوعة قد شهدت اعتداءات كثيرة، منها التدمير والحرق والحصار، كما تلقى عدد كبير من الإعلاميين المحسوبين على وسائل إعلام خاصة، تهديدات بالقتل وتعرضوا للاعتداء الجسدي والسب والقذف وفبركة مكالمات، وغيرها من وسائل التشهير التي خرجت عن إطار المهنية الإعلامية.
* أخبار مزيّفة
فيما يرى الإعلامي أحمد الجزار، منتج فني في قناة «الغد العربي»، ورئيس تحرير قناة «أون تي في» سابقا؛ فهو يرى أن الإعلام له دور مهني، وليست وظيفته الرد على الشائعات التي يطلقها أي فصيل أو جماعة، بل مهمته نشر الحقائق وليس احتكارها.
ويعتبر أن «الإعلام الإخواني» أصبح في مرحلة الموت الإكلينيكي فعليا؛ لأنه «كلما كان الإعلام ضعيفا ضعفت قدرته على نقل الأخبار بموضوعية وحياد، ويقدم فقط المنتج الخبري الذي يخدم وجهة نظره، وفي المرحلة الأسوأ يحاول أن ينتج الحدث أو يصنع الخبر لاستدرار العطف أو كسب قاعدة جماهيرية، وهذا هو حال (الإعلام الإخواني)».
ويروي تجربته في تغطية أحداث الثورة الثانية وأحداث اعتصام رابعة العدوية قبيل الموجة الثانية من الثورة المصرية، قائلا: «كنا نقوم بتغطية حية لأحداث عبر قناة (أون تي في لايف) وفضحنا كذب قنوات الإخوان أكثر من مرة، وأشهرها واقعة مسجد الفتح، حيث كانوا يستخدمون طفايات الحرائق على أنها غاز مسيل للدموع تهاجمهم به الشرطة المصرية، وكان فريق عمل (أون تي في) هناك وبث الصورة الأخرى التي تبين أفعالهم»
وحول الاعتداءات على الإعلاميين، يرى الجزار أن «الإعلام الدولي يهتم بها شكلا وليس بوصفها (قيمة خبرية)، وهي محاولات من قبل عناصر الإخوان لصنع الفضائح فقط؛ لأن أسلحتهم الإعلامية القادرة على التأثير انتهت». ويؤكد الجزار أنه «ليس معنى أنك تمتلك بعض الأسلحة أنك قادر على حسم المعركة»، لافتا إلى تلك الاعتداءات أو بث صنع أخبار مزيفة عبر «السوشيال ميديا» لم تعد تؤثر في القاعدة الجماهيرية العريضة للشعب المصري. ويؤكد الجزار أن القواعد الجماهيرية للإعلام الإخواني والتي قسمها إلى ثلاث فئات: «منتمون، وموالون، ومتعاطفون» تقلصت تماما؛ فقد تلاشت فئة المتعاطفين وتليها فئة المواليين، أما المنتمون فهم يمثلون جمهور القنوات التي تبث من خارج مصر.
* إعلام الصوت الواحد
«مفاتيح المشهد الإعلامي تغيرت كثيرا مع التغيرات السياسية التي شهدتها مصر»، هكذا يرى الإعلامي الدكتور محمد سعيد محفوظ، رئيس مؤسسة «ميدياتوبيا» لشباب الإعلاميين، قائلا: «تأثير القنوات الموالية لـ(الإخوان) غير ملموس في الشارع المصري؛ نظراً لاعتماد خطابها على المبالغة والحشد؛ ما أفقدها المصداقية حتى عند القطاع المتعاطف مع الإخوان من الجمهور، في الوقت نفسه تشهد قنوات الأخبار في مصر تطوراً خلال الفترة الأخيرة، وأصبحت هناك أصوات يثق فيها الجمهور على اختلاف توجهاته، بينما تراجعت شعبية الوجوه الإعلامية التقليدية غير المهنية»، مضيفا: «كل هذه العوامل ساهمت في تغيير مفاتيح المشهد الإعلامي، كما ساعدت على الحد من تأثير وسائل الإعلام الإخوانية، وأضعفت مصداقيتها وشعبيتها».
ويشير «إلى جانب ذلك، أصبح الجمهور المصري واعياً، وقادراً على التمييز بين الخطاب الموضوعي القائم على الحجة والمعلومة، والخطاب التحريضي القائم على الأكاذيب والمبالغات، وبالتالي فإن تضخيم الأحداث وانتزاع الأخبار من سياقها، وتلوين الحقائق، لم يعد يجدي نفعاً، أو يترك أثراً على الجمهور؛ ونظراً للعزلة التي تعيشها هذه القنوات بعيداً عن نبض الشارع، وخروجها من المنافسة على نسب المشاهدة، وعدم خضوعها لأي تقييم علمي، جعلها تبالغ في تقدير حجمها وتأثيرها، وتتصور أن صوتها مسموع، بينما في الحقيقة هي تتحدث لنفسها فقط!».
ويضيف: «والواقع أن الإعلام المصري بشكل عام يعاني فقدان التعددية، وهذا ناجم عن ضعف المهنية، فالبعض يتصور أن مجرد إلقاء الضوء على وجهات النظر المختلفة هو نوع من الترويج لها، وهذا غير صحيح، بل هو يكمل الصورة للمشاهد، وفي الحقيقة يمكننا عرض الرأي والرأي الآخر على طريقة محامي الشيطان، فإذا كانت بعض الضرورات تقتضي عدم ظهور طرف معين على الشاشة، فإن هذا لا يمنع من تفنيد مواقفه بشكل موضوعي ومجرد».
الكاتب الصحافي أيمن الصياد، الذي استقال من الهيئة الاستشارية للرئاسة في عهد الرئيس السابق محمد مرسي، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه يعتقد أن المشهد الإعلامي المصري حاليا يفتقر إلى المصداقية، وإنه بات إعلام «الصوت الواحد»؛ فلا يقدم الحقائق الكاملة. ويتبنى الصياد في سلسلة مقالات له بجريدة «الشروق» المصرية الدفاع عن حرية الإعلام والتعبير، معتبرا أن تضاريس الخريطة الإعلامية باتت معروفة للجميع، قائلا: «الحاصل أنه كما أسأنا إلى الدين بتسييسه، عرفنا (تسييس الإعلام)، بمعنى استخدامه أداة للبروباجندا السياسية، لا لإخبار الناس بالحقيقة، كما يستلزم (الصدق)، وكما هي وظيفته (الحقيقية)... هناك من فعل ذلك قبل الثلاثين من يونيو وبعده، لا أستثني أحدا. ولكن الدولة بحكم أنها الدولة، وبحكم ما يعرفه أهل المهنة تتحمل المسؤولية الأولى. إذ لم تعد تخفي عن أحد (تضاريس الخريطة)».



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.