«فتنة» بين أفغانستان وباكستان بسبب «خط ديوراند»

رسمه الحكم البريطاني عام 1893... وفجّر أزمة عام 2017

«فتنة» بين أفغانستان وباكستان بسبب «خط ديوراند»
TT

«فتنة» بين أفغانستان وباكستان بسبب «خط ديوراند»

«فتنة» بين أفغانستان وباكستان بسبب «خط ديوراند»

تحدث عبد اللطيف بدرام، عضو في البرلمان الأفغاني المنتمي لعرقية الطاجيك من ولاية بدخشان التي تقع في أقصى شمال شرقي أفغانستان، تحدث قبل أيام في مؤتمر صحافي عن أوضاع البلاد من الناحيتين السياسية والأمنية. وعرّج بدرام في سياق شرحه على ما سماه «ملف تدخلات باكستان» في شؤون بلاده، عازيا ذلك إلى وجود خلاف حدودي بين البلدين، ومتهما إسلام آباد بأنها تتدخل في الشأن الداخلي لأفغانستان بحجة أن كابل لم تعترف بالحدود الرسمية بين البلدين. وأشار البرلماني الأفغاني إلى أنه يعتبر «خط ديوراند» المثير للجدل خطا رسميا معترفا به بين أفغانستان وباكستان. وحث الحكومة في العاصمة الأفغانية كابل على إعلان ذلك خطا رسميا يفصل البلدين.
هذا التصريح كان كافيا لإشعال فتيل أزمة جديدة تتحول إلى كرة نار يتقاذفها أبناء عرقيتي الباشتون والطاجيك فيما بينهما عبر قنوات تلفزيونية وشبكات التواصل الاجتماعي التي باتت تتوفر لغالبية الأفغان. كذلك شن عدد من أعضاء البرلمان من عرقية الباشتون في جلسة علنية غاب عنها عبد اللطيف بدرام، هجوما لاذعا عليه، واتهموه بأنه «جاسوس» تلقى الأموال من باكستان. بل وطالبوا رئيس البرلمان الأفغاني بالسماح لهم بـ«رجمه» بالحجارة «ليكون عبرة لمن يتخلى عن أراضي البلد في الجانب الباكستاني من الحدود». كما طالب آخرون من الساسة الباشتون بمنازلة بدرام وخوض حوار التحدي معه في أي قناة تلفزيونية يختارها… فما هي قصة «خط ديوراند»؟
من الطبيعي أن يختلف الأفغان على كل شيء تقريبا. ومن الطبيعي أيضا أن يتقاتلوا على موضوع قد لا يكون له أهمية كبيرة لا من الناحية التاريخية ولا من الناحية العملية... لكن ما هو ليس طبيعيا أن يتعمق الخلاف ليصل إلى درجة التخوين والتهديد بالقتل «رجما» على ألسنة نواب في البرلمان. وهم الساسة الذين يعوّل عليهم في إصدار قوانين ترسم ملامح مستقبلية للبلاد ولشعبها الذي عانى ولا يزال من تبعات الحروب الأهلية.
لقد تزايدت التوترات الفئوية والطائفية خلال العقود الثلاثة الماضية.
الغزو الأميركي لأفغانستان وتدفق ملايين الدولارات بحجة إعادة إعمار البلد وبناء مجتمع خال من العنف والتطرف عمّقا الخلافات الفئوية، وأعطيا نتائج عكسية. وهذا ما يظهر جليا خلال مناقشات سياسية وحوارات، يشارك فيها نخبة من الساسة من العرقيات المختلفة، حول ملفات قد تكون مهمة بالنسبة للمجتمع الأفغاني أو لا تكون أصلا في صلب اهتماماته. وهكذا غدا مألوفا أن يخالف النائب من الباشتون زميله من الطاجيك حتى لو كان رأيه صوابا والعكس صحيح.

لمحة تاريخية
عام 1893م، كانت بريطانيا تحكم شبه القارة الهندية، ويومذاك لم يكن هناك وجود لدولة باكستان الحالية، وقّع الأمير عبد الرحمن خان، حاكم أفغانستان، اتفاقية مع السير هنري مورتمور دیورند، الحاكم البريطاني على شبه القارة الهندية حددت فيها الخطوط الفاصلة بين ما بات اليوم أفغانستان وباكستان.
وفي وقت لاحق أطلق على ذلك الخط اسم «خط ديوراند»، الذي حدد واقعيا - وفيما بعد رسميا - الحدود بين أفغانستان وأراضي الاستعمار البريطاني في شبه القارة الهندية، وكانت بريطانيا تدفع مقابل ذلك للجانب الأفغاني مليون وثمانمائة ألف روبية هندية سنويا كميزانية للدولة. وقيل أيضا إن هذه الاتفاقية التي كانت سارية المفعول في حياة الأمير عبد الرحمن خان، استمر مفعولها بعد وفاته عندما تولى نجله الأمير حبيب الله خان. ولقد طمأن الأخير البريطانيين بأنه سيحترم اتفاقيات أبرمت مع والده بخصوص ترسيم الحدود. وجدد التوقيع على الاتفاقية المذكورة، التي لم يرد فيها ذكر أنها صالحة فقط لمدة مائة سنة وستنتهي بعدها صلاحياتها.
«خط ديوراند» هذا قسّم القبائل الباشتونية القاطنة عبره في أفغانستان وباكستان إلى شطرين. إذ بقي نحو أربعين مليون باشتوني داخل الحدود الباكستانية – حيث يُعرفون بـ«الباتان» – مقابل أقل منهم بكثير في الجانب الأفغاني... إلا أن هؤلاء يرفضون الاعتراف بالحدود الرسمية ويطالبون بضم القبائل الباشتونية عبر الخط إليهم.
وفي عام 1919م، عندما نالت أفغانستان استقلالها التام من المستعمر البريطاني، اعترفت بجميع الاتفاقيات الموقعة بين الأمير عبد الرحمن خان والبريطانيين، بما فيها «خط ديوراند»، وتنصّ المادة رقم 5 من اتفاق السلام الموقع بين كابل والحكم البريطاني في مدينة روالبندي (الباكستانية) صراحة على أن أفغانستان تعترف بالحدود الرسمية التي اعترف بها الأمير عبد الرحمن خان عام 1893م.
بعد ذلك، عندما أسست دولة جديدة باسم باكستان عام 1947 – في أعقاب تقسيم شبه الدولة الهندية بين دولتي الهند وباكستان – رفضت أفغانستان الاعتراف بالدولة الجديدة بحجة أن الحدود غير مرسومة بينهما وطالبت بأراضيها التي تصل حتى عمق مدينة بيشاور الباكستانية حاليا. ومنذ ذاك الحين توترت العلاقات بين كابل وإسلام آباد واستمرت الاتهامات المتبادلة بين الطرفين، إذ اتهم كل منهما الآخر بالتدخل في شؤونه وتغذية العنف والتطرف في أراضيه. وكان الخاسر الوحيد في هذا الوضع العدائي أبناء شعب الباشتون الساكنون على جانبي «خط ديوراند»، الذين حرموا من التعليم والحياة الكريمة طوال التاريخ. وحاليا، تعتزم باكستان إنشاء بوابات رسمية وبناء سياج حديدي على طول حدودها مع أفغانستان لمنع تسلل مسلحي «طالبان – باكستان» الذين يشنون هجمات في العمق الباكستاني. وتدعي إسلام آباد أنهم يتخذون من أفغانستان مقرا لهم بينما تنفي كابل هذه التهم من أساسها وترد باتهام إسلام آباد بإيواء وتدريب مقاتلي طالبان الأفغانية.

رفض السياج الحديدي
كابل ترفض بالمطلق فكرة السياج الحديدي، وترى أنه غير مُجد في القضاء على التطرف، بل يجب محاربة ملاذات الجماعات الإرهابية الموجودة في العمق الباكستاني. أيضا، يعتبر كثيرون من الساسة الأفغان أن الأزمة بين كابل وإسلام آباد يجب أن تحل عبر الحوار البناء، وأن على كابل مصارحة إسلام آباد والاعتراف بـ«خط ديوراند» كخط رسمي يفصل البلدين كحدود دولية بينهما. غير أن قادة الباشتون من الجانب الأفغاني يرفضون ذلك، ويقولون إن الشعب في البلدين - المراد هنا شعب الباشتون على طرفي الحدود - هو من يجب أن يتخذ القرار المصيري وليس الحكومات.
في المقابل، فإن غالبية قادة عرقية الطاجيك وساستها، وكذلك باقي العرقيات من غير الباشتون، يعتبرون «خط ديوراند» حدودا دولية بين بلادهم وباكستان، ويرغبون في إنهاء هذه المعضلة التي طال أمدها. وهم يرون أن أي ادعاء آخر مجرد استهلاك داخلي لا غير، وذلك أن الحجة القائلة بأن الخط قسم الباشتون ليست دليلا مقنعا. ويعطون على ذلك حجة مقابلة هي أن الطاجيك أيضا مقسمون بين أفغانستان وجمهورية طاجيكستان المتاخمة لها، والشيء نفسه ينطبق على الأوزبك والتركمان المقسمين بين أفغانستان وجمهوريتي أوزبكستان وتركمانستان.
في هذا المناخ المضطرب، تذر الخلافات الفئوية بقرنها، وتبدو في تصاعد مستمر ينذر بحرب أهلية جديدة ما لم يتم تداركها من قبل ساسة عقلاء من الطرفين الباكستاني والأفغاني. وإذا ما تفاقم الموضوع فإنه قد يتحول إلى نقطة اللاعودة... وعندها يغدو تقسيم أفغانستان إلى دويلات صغيرة يصبح خطرا حقيقيا.

موقف حامد كرزاي
خلال مؤتمر علمي عقد في كابل وتحدث فيه الرئيس الأفغاني الأسبق حامد كرزاي (وهو باشتوني) حول الاعتراف بـ«خط ديوراند» كحدود رسمية بين أفغانستان وباكستان، قال كرزاي إن الأفغان لن يعترفوا بهذه الحدود التي تفصل بين قبيلة واحدة في دولتين.
وأشار الرئيس الأسبق إلى أن «جميع الساسة بمن فيهم قادة الطاجيك والأوزبك والهزارة متفقون على أن هذه الحدود غير رسمية، ولا يجوز الاعتراف بها لأن حدود أفغانستان تصل إلى منطقة بول ختك، وهي آخر نقطة في مقاطعة بيشاور الباكستانية. ومن ثم تبدأ حدود إقليم البنجاب الباكستاني». وتدعي كابل تاريخيا أن هذه المناطق تعود إليها، ولكن بسبب تفاهم سياسي بين حكام أفغانستان في زمن الاحتلال البريطاني لشبه القارة الهندية جرى تقسيم مناطق الباشتون - أو الباتان - إلى جزأين جزء يخضع لنفوذ باكستان والجزء الآخر ضمن الحدود الأفغانية الحالية.
غير أن باكستان، الطرف الآخر من المعادلة والأزمة، تقول إنها تعتبر مسألة الحدود محلولة ومحسومة بينها وبين أفغانستان، وأنه «لا توجد معضلة تستدعي البحث والنقاش» مع الجانب الأفغاني. كذلك فهي ترفض أي تدخل دولي بهذا الخصوص. وكما يبدو فإن كفة باكستان هي الراجحة في هذه المسألة نظرا لضعف الموقف الأفغاني في الوقت الراهن، فضلا عن أن المجتمع الدولي وجميع المؤسسات الدولية تعترف بـ«خط ديوراند» خط حدود رسمية بين أفغانستان وباكستان، كما أشارت إلى ذلك وزيرة الخارجية الأميركية في العام الماضي. فعندما نشبت أزمة الحدود الأخيرة بين كابل وإسلام آباد عبر إطلاق قذائف صاروخية بين حراس الحدود، قالت الخارجية الأميركية في عهد باراك أوباما إن الولايات المتحدة تعترف بالحدود الحالية كخط فاصل بين أفغانستان وجارتها باكستان.
ولكن ماذا عن بريطانيا الطرف الثالث في الاتفاق السياسي عام 1893م، والتي تحتفظ بنص التوافق السياسي في متحف تاريخي في لندن؟
على الرغم من أن بريطانيا لم تصدر أي تصريح رسمي بهذا الشأن، فإن المؤشرات تشير إلى أنها ترى مسألة الحدود بين أفغانستان وباكستان منتهية بالنسبة لها، وأن الحدود الحالية حدود رسمية معترف بها من قبل الجميع. ويصر الساسة البريطانيون على أن هذه الاتفاقية لم تقيد بمدة زمنية وأنها وقعت بين الطرفين برضاهما دون أي ضغوط عسكرية أو سياسية كما تدعي كابل.

الباشتون... باشتونان
على صعيد آخر، لدى إجراء مقارنة بين أوضاع قبائل الباشتون القاطنة في أفغانستان ونظيراتها القاطنة في الجانب الباكستاني، يجد المتابع والدارس فارقا شاسعا بينهما من كل النواحي. فالباشتون في الجانب الأفغاني، رغم أنهم يحكمون أفغانستان منذ آلاف السنين، لم يتمكنوا من توفير أبسط الخدمات الأساسية للباشتون في بلادهم ولذا ترى قبائلهم متخلفة من الناحيتين التعليمية والاقتصادية، كما أن مناطقهم تعتبر أكثر المناطق حرمانا مقارنة بالعرقيات الأفغانية الأخرى التي تعيش في البلاد. ولهذا السبب تحولت القبائل الباشتونية إلى ملاذ آمن وحاضنة شعبية لجميع الحركات الراديكالية والجماعات المتشددة والإرهابية. وكمثال فإن حركة طالبان خرجت من قبائل الباشتون ويشكل الباشتون غالبية مقاتليها، وهي التي احتضنت زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن وباقي عناصر التنظيم في مناطقها قبيل وبعد الغزو الأميركي لأفغانستان. ومفهوم أن الجماعات المتطرفة تجد في المناطق الفقيرة والمتخلفة تعليميا بيئة حاضنة ومساعدة تستطيع التمدد فيها والتعايش بسبب تلاقي الأفكار المتطرفة. ومن يدقق في الصور التي تخرج من قبائل الباشتون الأفغاني يجد أنهم لم يتغيروا على مر العصور، وتظهر أشكالهم الخارجية كأنهم يعيشون في العصور الحجرية إلا قلة قليلة منهم.
أما في باكستان، خاصة في المناطق التي تنتشر فيها قبائل الباشتون أو الباتان، مثل إقليم بيشاور ومقاطعة خيبر، بالإضافة إلى مدينة كويتا – كبرى مدن إقليم بلوشستان – التي تحولت أخيرا إلى مقر لجماعتي طالبان الأفغانية والباكستانية، فيختلف الباشتون هناك من حيث مستوى المعيشة ومستوى التعليم. هنا ترتفع عند باشتون باكستان نسبة التعليم أعلى بكثير من نظرائهم الأفغان، كما أنهم يعيشون حياة أكثر ترفا وازدهارا من باشتون أفغانستان، ومع أنهم أقلية عرقية في باكستان فلدى باشتون باكستان تمثيل كبير في الحكومة وقد وصلت أكثر من شخصية سياسية باشتونية إلى مناصب رفيعة وحساسة في الحكومات الباكستانية المتلاحقة، بل إن منهم من تقلد منصب رئيس الجمهورية مثل غلام إسحاق خان والجنرال محمد أيوب خان والجنرال يحيى خان... والأخيران توليا أيضا منصب قائد الجيش الباكستاني، وهو منصب جد رفيع في البلاد. كذلك كان في رؤساء جهاز الاستخبارات الباكستاني شخصيات باشتونية أمثال الجنرال حميد غول والجنرال أسد دراني وغيرهما. ومن ثم، فمن الناحية السياسية نرى باشتون باكستان أكثر تمثيلا ودراية بالسياسة وفن الحكم من نظرائهم الأفغان، كما أنهم يعيشون حياة أفضل بكثير من كل النواحي الاقتصادية والأمنية. وتشهد مناطق باشتون باكستان ازدهارا وتطورا كبيرين بالمقارنة مع مناطق الباشتون في أفغانستان حيث تنتشر تجارة المخدرات وزراعة الحشيش والخشخاش (مصدر مادة الأفيون وهي تصدر كما هائلا إلى العالم من هذه المادة القاتلة)... ثم إن معظم الانتحاريين هم من مناطق الباشتون الأفغان والقليل القليل منهم من باشتون باكستان.

النضج السياسي
إضافة إلى ما سبق، نجد أن العملية السياسية عند باشتون باكستان أكثر نضجا، وهناك أحزاب سياسية تخوض الانتخابات وتتمتع بشعبية واسعة بينهم وبين غيرهم من العرقيات الساكنة في باكستان، ويحصلون على عدد كبير من الكراسي في البرلمانات المحلية والمركز.
وصحيح أن الأحزاب الباشتونية في باكستان تناضل من أجل الحصول على كامل حقوقهم وتوفير حياة كريمة لبني جلدتهم، وصحيح أيضا أن معظم هذه الأحزاب أنشئت لتحقيق أهداف قومية، إلا أنها لم تقل في يوم من الأيام في نضالها السياسي إنها تسعى إلى الانفصال عن باكستان والانضمام إلى «أفغانستان الكبرى»، بل العكس تماما هو الصحيح. إذ إن غالبية الأحزاب الباشتونية في باكستان - وأبرز قادتها من أمثال محمود خان اتشكزاي وعبد الولي خان واسفنديار - كلها تطالب بحقوق الباشتون ولكن ضمن دائرة الدستور الباكستاني ورفض الانفصال عن الدولة.
وحقا، هذه هي الورقة الرابحة بالنسبة لباكستان، فحتى لو نظم استفتاء شعبي في الجانب الباكستاني ستصوت غالبية الباشتون بلا شك لصالح البقاء ضمن كيان باكستان، رافضة الانضمام لأفغانستان التي تمزقها الحروب المستمرة منذ أكثر من أربعين سنة ولا تزال تدفع أثمانها الباهظة.
وعن هذا الجانب يقول أحمد سعيدي، الكاتب والمحلل السياسي والدبلوماسي الأفغاني السابق في إسلام آباد، إن «الدعوة إلى إلحاق الباشتون في باكستان بأفغانستان دعوة فارغة وغير قابلة للتحقيق»، مشيرا إلى أن «ساسة أفغانستان يعرفون ذلك جيدا، وهم يبحثون عن أمر مستحيل». ثم أردف: «الأصوات التي تطالب بحق أفغانستان في أراضي باكستان أصوات مغرضة كل كلامها للاستهلاك المحلي، لأنه لا يمكن عودة عقارب الساعة إلى الوراء» على حد تعبيره.
ويشارك محللون كثيرون سعيدي تحليله هذا. ويدعو هؤلاء إلى تركيز الجهود في محاربة الإرهاب والتطرف ونشر ثقافة التسامح وتوفير حياة كريمة للشعب الأفغاني بغض النظر عن انتمائه الطائفي والمذهبي ليكون نموذجا في المنطقة بدل الدخول في نقاشات جانبية لا طائل من ورائها. ويرون أن أولويات أفغانستان يجب أن تكون محاربة التطرف والأفكار المتطرفة التي تجد حاضنة شعبية في مناطق فقيرة من البلاد وذلك عبر نشر التعليم ومحاربة ثقافة العنف والقضاء على المخدرات... لا خوض صراع سياسي سيلحق الضرر بالداخل الأفغاني المقسم أصلا والعيش في استقرار وسلام مع الجيران.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».