صحافي التايمز المخضرم : أجريت لقاءات مع ملك الأردن والأسد.. وحضرت مفاوضات الكيلو 101

مايكل بينون قال لـ {الشرق الأوسط} ان النظام السوري عمد إلى تخويف الصحافيين .. وأصبح من الخطير جدا عليهم زيارة البلد لمعرفة ما يحدث

مايكل بينون
مايكل بينون
TT

صحافي التايمز المخضرم : أجريت لقاءات مع ملك الأردن والأسد.. وحضرت مفاوضات الكيلو 101

مايكل بينون
مايكل بينون

مايكل بينون كبير محرري «التايمز» البريطانية، بدأ العمل في الجريدة الأكثر شهرة قبل 40 عاما عقب تخرجه في جامعة كمبردج. حقق كثيرا من النجاحات، منها لقاءات عديدة خلال السنوات الثلاث الماضية مع العاهل الأردني بشأن أحداث المنطقة، وكان صريحا في التحذير من أن الإسلاميين في الدول العربية ليس لديهم أي برنامج فاعل يقدمونه لمواطنيهم. وقد ثبتت صحة كلامه. كذلك التقى بينون الرئيس السوري بشار الأسد، في لقاء حصري عام 2002، وكشف له عن آماله في التغيير، إلا أنه اعترف أثناء اللقاء بأنه يتعمد الإبطاء في تنفيذ الإصلاحات.
وقال بينون في حواره مع «الشرق الأوسط» إن «النظام السوري عمد إلى تخويف الصحافيين الغربيين وخطف العديد منهم، وأصبح من الخطير جدا على أي شخص زيارة سوريا لمعرفة ما يحدث هناك».
وعن تغطية أحداث الربيع العربي في الصحافة الغربية يقول بينون لـ«الشرق الأوسط»: «كنت متشائما منذ البداية. كنت أعلم أن الكثير من الآمال بالحصول على مزيد من الوظائف وحياة أفضل والقضاء على الفساد لن تتحقق، وأن الأفراد سيصابون بخيبة أمل. كنت أعلم أن هناك بعض القادة ذوي الخبرة المحدودة القادرين على إدارة دفة الأمور». وجاء حوار «الشرق الأوسط» مع صحافي «التايمز» المخضرم مايكل بينون على النحو التالي:

* كيف بدأت حياتك المهنية كصحافي.. وهل أصبحت عند لحظة معينة على يقين بأنك اخترت الوظيفة الصائبة؟
- بدأت حياتي كصحافي بالصدفة، وكانت أول وظيفة لي بعد التخرج في جامعة كمبردج العمل معلما للغة الإنجليزية في المجلس الثقافي البريطاني في كلية منسك في الاتحاد السوفياتي السابق. والحقيقة أنني تقدمت للتدريس في الدول المتحدثة باللغة العربية، حيث درست اللغة العربية في الجامعة، وعرض علي منصب التدريس في جامعة بغداد. لكن ذلك كان في يونيو (حزيران) 1967، بعد الحرب العربية الإسرائيلية، وأحرق مثيرو الشغب في العراق المجلس الثقافي. لذا لم أحصل على الوظيفة في العراق، وحصلت بدلا من ذلك على أخرى في الاتحاد السوفياتي.
وبعد ترك منسك صيف عام 1968 عدت إلى إنجلترا، وأخبرتني صديقة لي بوجود وظيفة في ملحق «التايمز» التعليمي، التابع لصحيفة «التايمز». واقترحت ضرورة أن أكتب إلى رئيس التحرير. فعلت ما طلبت، وقلت في الرسالة إنني قضيت عاما في روسيا–وهو ما كان في ذلك الوقت أمرا غير عادي. وحدد لي موعدا للمقابلة، وعرض علي العمل صحافيا تحت التمرين فورا. كنت في ذلك الوقت في الثالثة والعشرين.
ومنذ اللحظة التي بدأت فيها العمل كصحافي، أغطي أخبار التعليم في بريطانيا، شعرت بأنني عثرت على العمل الذي كنت أبحث عنه. فوظيفة المراسل هي كشف الحقائق وتفسيرها وإطلاع القارئ على القصة حتى يتمكن من متابعة الأخبار. في بعض الأحيان يعني ذلك أن تكون أول من يمر بتجربة جديدة–وسوف أتذكر دائما فرحة أن تكون في أول تدريب عبر القنال الإنجليزي بعد افتتاحه. في بعض الأحيان كان ذلك يعني السفر إلى الحروب ومناطق الخطر–وقد عملت مراسلا في مصر خلال حرب عام 1973، وعبرت قناة السويس بعد اجتياز الجيش المصري الخطوط الإسرائيلية. وقد كنت موجودا أيضا في الصحراء أثناء توقيع وقف إطلاق النار في الكيلو 101 في سيناء. وكتبت عن أول مؤتمر صحافي بعد وصول الدكتور كيسنجر إلى القاهرة.
وكان من المهم أن ألتقي قادة العالم وأكتشف وجهة نظرهم تجاه العالم. وقد التقيت الرئيس ريغان قبل أن يأمر بقصف ليبيا. وفي عام 1989 انضممت إلى الجمهور الألماني المبتهج، وتسلقت معه سور برلين عقب افتتاحه خلال احتفالات الضخمة. وفي عام 1990 كنت في القمة الأوروبية في باريس عندما كانت مارغريت ثاتشر رئيسة للوزراء للمرة الأخيرة قبل يوم من استقالتها. هذه الأمور ستظل دائما في ذاكرتي.
* ما هي أول قصة صحافية كتبتها.. ومتى نشرت؟
- كان أول خبر كتبته متواضعا للغاية.. ففي اليوم الأول لي في صحيفة «التايمز» طلب مني كتابة تقرير قصير بشأن تراجع أعداد طلاب الكشافة المدرجين للانضمام للحركة. كان فقرة واحدة، لكني كنت سعيدا لرؤية اسمي على التقرير عندما ظهر في الصحيفة بعد يومين. وكان ذلك في أكتوبر (تشرين الأول) 1968.
* ما القصة التي استحوذت على وجدانك عند كتابتها.. وما زلت تتذكرها؟
- المؤتمر الصحافي الذي وجدته أكثر إثارة لتغطيته كان مؤتمر سقوط حائط برلين وانهيار الشيوعية في أوروبا. وكنت مراسلا في موسكو وألمانيا لسنوات سابقة، وعبرت من الغرب إلى الشرق مرات عديدة، ودخلت عبر نقاط تفتيش ألمانيا الشرقية في برلين. كنت أعلم أن الحياة في أوروبا لن تعود إلى سابق عهدها، وأن الستار الحديدي تمزق. وتكرر الأمر ذاته في أوروبا خلال ذلك العام–في المجر وبولندا وتشيكوسلوفاكيا، حيث أطيح بالحكومات الشيوعية. وقد كتبت تقارير عن موجة للاجئين الألمان الشرقيين الذين فروا إلى الغرب قبل أشهر قلائل، وقابلت الكثيرين من الذين فروا من بلادهم. ورأيت آمال الأوروبيين الشرقيين الفرحين الذين أرادوا العيش بحرية.
كل السنوات التي قضيتها مراسلا في موسكو خلال الحقبة الشيوعية جعلت لدي استعدادا لتفسير التغييرات السياسية التي جرت عام 1989، وكنت قادرا على تفسير السبب في تداعي الاتحاد السوفياتي، والسبب في إجراء غورباتشوف الكثير من التغييرات في النظام الذي لم يعمل بشكل لائق في بلاده.
* بعد ثلاث سنوات من تغطية الأزمة السورية في الصحافة الغربية.. هل نالت الحرب نصيبها من جهة تغطية مآسي الأبرياء السوريين في الصفحات الأولى أو الداخلية، أم أن هناك قصصا لم ترو بعد؟
- الحرب السورية إحدى أكثر المآسي التي شهدها الشرق الأوسط، وقد زرت سوريا مرات عديدة، وأحببت دمشق، تلك العاصمة الجميلة. الآن تحطم كل شيء. وقد أجريت مقابلة حصرية امتدت لساعتين مع الرئيس بشار الأسد عام 2002، قبل سفره إلى لندن في زيارة رسمية. كان يتمتع بشخصية آسرة متحضرة، ولطيفا. أجاب عن أسئلتي، وتحدث عن آماله ثم الإصلاح في سوريا. وسألته عن التغييرات الاقتصادية، واعترف بأنه كان يمضي ببطء عمدا حتى لا يتزعزع استقرار النظام الاقتصادي في سوريا. ثم سألته عن الإصلاح السياسي، فأجاب مبتسما «نحن لم نبدأ حتى في ذلك»، كانت تلك إجابة صادقة–لكنها أدت إلى نتيجة مريعة بعد مرور 10 سنوات.
كانت كتابة التقارير عن الحرب في سوريا صعبة للغاية على جميع الصحافيين الغربيين. في البداية رفضت الحكومة السورية السماح لأي مراسل غربي بدخول سوريا بشكل قانوني، وهو ما اضطر الكثيرين إلى الدخول خفية، بعبور الحدود مع الثوار. وعندما اضطلع الجهاديون بدور أكبر في القتال بدأوا في مضايقة وتخويف الصحافيين الغربيين، وخطف العديد منهم وأصبح من الخطير جدا على أي شخص زيارة سوريا لمعرفة ما يحدث. لذلك كانت هناك فرصة ضئيلة لنقل ما يحدث سواء على الجانب الحكومي أو المعارضة.
* كيف غطت «التايمز» البريطانية أحدث الربيع العربي وبصفة خاصة الثورة المصرية؟
- كان من السهل تغطية الربيع العربي في كل مكان. كانت هناك متعة كبيرة في الغرب في البداية، كما شارك الكثيرون آمال كل الجماهير في ميدان التحرير. كان الاختلاط آمنا للغاية، ونقلنا وجهات نظرهم، وكانت هناك تغطية دائمة للأحداث الدرامية التي أدت إلى سقوط الرئيس مبارك. لكني لم أذهب شخصيا إلى تونس أو ليبيا أو مصر في ذلك الوقت، لكن كانت لي اتصالات جيدة هناك، ولذا تمكنت من كتابة التحليلات لما حدث. لكني كنت متشائما منذ البداية، فقد كنت أعلم أن الكثير من الآمال، بالحصول على مزيد من الوظائف وحياة أفضل والقضاء على الفساد، لن تتحقق، وأن الأفراد سيصابون بخيبة أمل. كنت أعلم أن هناك بعض القادة ذوي الخبرة المحدودة القادرين على إدارة دفة الأمور. وقد كنت محظوظا للغاية بإجرائي مقابلات عديدة مع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، خلال السنوات الثلاث الماضية، بشأن أحداث المنطقة، وكان صريحا في التحذير من أن الإسلاميين ليس لديهم أي برنامج فاعل يقدمونه لمواطنيهم. وقد ثبتت صحة كلامه.
أعتقد أن «التايمز» كانت حريصة على تقديم صورة عادلة لما يحدث. وقد كان مراسلو الصحيفة نشطين للغاية، وأدوا دورا شجاعا للغاية في خط الجبهة في ليبيا خلال الثورة ضد القذافي. لكن رؤساء التحرير والتحليلات درسوا الصعوبات التي يمكن أن تنشأ عن ذلك. وهو ما حدث على نحو خاص في مصر. وقد حاولنا أن نكون منصفين تجاه حكومة الرئيس المعزول محمد مرسي، على الرغم من أن «التايمز» لا تدعم جماعة الإخوان المسلمين، وكانت ترى أن برنامجها غير متوازن.
* هناك اتهامات في العالم العربي لتغطية الصحافة الغربية للصراع العربي الإسرائيلي بأنها منحازة للوبي الصهيوني.. ما تعليقكم؟
- حاول المراسلون الغربيون أن يكونوا منصفين في تغطية الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني. وهناك قدر ضخم من الدعاية من كلا الجانبين، وكان ينبغي تحري كل الحقائق بدقة. ويملك الإسرائيليون جماعات ضغط قوية للغاية، وكان من الطبيعي ألا يقبل المراسلون الغربيون بكل شيء يقال من قبل الإسرائيليين بصورة صحيحة. كانت غالبية الصحف الغربية متعاطفة مع الإسرائيليين لثلاثين عاما، لكن استمرار الاستيطان الإسرائيلي، وتعامل إسرائيل مع غزة، ورفضها الدخول في مفاوضات سلام جادة، قوض التعاطف الغربي. لم يتمكن الفلسطينيون من التعبير عن المآسي التي يتعرضون لها، ويرون في كل المراسلين الغربيين أعداء لهم. لكن القضية الفلسطينية مفهومة اليوم بشكل أكبر في الغرب. وقد صاروا اليوم هم والحكومات العربية أفضل في الإدلاء بتصريحات بشأن ما يجري، ومستعدين للاعتراف بأخطائهم الخاصة في التعامل مع إسرائيل.
* من هو كاتبك المفضل (كاتبتك المفضلة) محليا وعالميا؟
- ليس لدي صحافي مفضل، هناك بعض الصحافيين البريطانيين والأميركيين الرائعين، الذين عملوا في الشرق الأوسط، مثل توماس فريدمان وسيمور هيرش، اللذين عملا بجد للتوصل إلى الحقائق وعدم قبول أي دعاوى من أي جانب. وعلى صعيد السياسات الداخلية، يعجبني بعض المحللين الجيدين الذين يكتبون حول الشؤون البريطانية والأوروبية. وأعتقد أن الصحافي الألماني جوزيف جوفي منصف ومتوازن للغاية. وكذلك ماثيو باريس، عضو مجلس النواب البريطاني السابق، الذي يكتب لـ«التايمز». كما أحب الصحافيين الذين يكتبون بشكل جيد وتتسم كتاباتهم بالذكاء وسعة الاطلاع. ينبغي أن يكون المقال الجيد أكثر من مجرد حقائق.
* كيف تنجح في تقسيم وقتك بين كتابة المقالات والتقارير؟
- لم أعد أعمل بشكل كامل في «التايمز»، حيث تقاعدت بعد ما يقرب من 40 عاما في الصحيفة. لكن أحدا لا يستطيع التوقف عن العمل في الصحافة. ولذا ما زلت أقوم بكتابة الكثير من التقارير وحضور المؤتمرات وإجراء المقابلات وكتابة المقابلات لا لـ«التايمز» وفقط بل لمطبوعات أخرى. كما أنني أتمتع بحرية في كتابة الموضوعات، فلا تقتصر على الشؤون الخارجية، بل قد تتعداها إلى الشؤون الداخلية مثل المواصلات والقضايا الدينية. فقد كتبت عن الحوار بين الأديان، بين المسيحية والإسلام، وحضرت مؤتمرا بالغ الأهمية في الأردن العام الماضي والذي أقيم تحت رعاية الأمير غازي حول التحديات التي تواجه المسيحيين في الشرق الأوسط.
عملي كصحافي حر يستهلك الكثير من وقتي، لكني في بعض الأحيان أحصل على راحة لعدة أيام لأقضي وقتا مع عائلتي.
* ما رأيك في الإعلام الجديد وهل–في رأيك–سيحلّ محل الإعلام التقليدي؟
- تواجه كل الصحف صعوبات هذه الأيام، والقليل منها هو الذي يعلم كيفية مواجهة تحديات الإنترنت والأخبار على الإنترنت. أنا صحافي متمرس وما زلت أفضل قراءة الصحف عن قراءة المواقع الإخبارية. لكن غالبية الشباب الآن لا يشترون الصحف، ولعل ذلك السبب في تراجع توزيع المطبوعات الورقية بشكل مستمر. وأعتقد أن أفضل أنواع الصحافة تلك التي تتم عبر المقابلات المباشرة أو الذهاب إلى الأماكن لرؤية الأوضاع عن كثب. فهي لا تعتمد على الجلوس في المكتب لقراءة الإنترنت، فقد تعلم الحقائق بشأن واقعة ما لكنك قد لا تحصل على الشعور أو الجو الحقيقي ما لم تتحدث مباشرة إلى الناس.
لا توجد لدي رغبة في قراءة التغريدات طوال الوقت، فأغلب هذه التغريدات عادة ما تكون غير واقعية ولا تقول شيئا مفيدا، والأفضل قراءة التحليلات الجيدة في مقال معروف. وأعتقد أن الأفراد ليس لديهم وقت الآن لقراءة أي شيء أكثر من سطور قليلة. وقد أدى تداول الأخبار والتعليقات الفورية إلى كثير من التقارير الضعيفة، كما أنه في كثير من الأحيان يكون من المستحيل التوصل إلى نتيجة متوازنة في غضون بضع دقائق. وتؤدي وسائل الإعلام الجديدة إلى الحصول على أخبار سطحية. أما صحافة المشاهير التي تركز على القيل والقال فتعمل على تخريب الصحافة الجيدة، خاصة في الغرب، لكني أعتقد أنه ستكون هناك دائما حاجة لإعداد التقارير المناسبة.
* ما نصيحتك للصحافيين الشباب في بداية حياتهم الإعلامية؟
- نصيحتي لكل الصحافيين الذين يبدأون عملهم هي ذاتها الآن كما كانت عليه قبل 40 عاما، وهي أن تكون منصفا، وأن تحاول أن تكون موضوعيا، وتحاول اكتشاف ما يحدث بشكل شخصي، ولا تصدق الدعاوى ولا تقضي كل الوقت أمام شاشة الكومبيوتر. لا يزال هناك الكثير من المطبوعات خاصة المجلات المتخصصة. وأعتقد أنه على الرغم من أن الصحافة المطبوعة لم تعد تحمل قدرا كبيرا من الأهمية، فإن التغطية الإخبارية للراديو والتلفزيون لا تزال تستقطب اهتمام جمهور كبير.
ينبغي على كل الصحافيين أن ينصتوا بشكل جيد، وينبغي عليهم أيضا أن يكونوا على اطلاع بالتاريخ، فمن المستحيل أن نكون منصفين أو دقيقين إذا لم تكن لدينا فكرة عن تاريخ البلد أو عاداته أو ثقافته. وهذا يعني أن الصحافيين ينبغي أن يبذلوا جهدا لفهم أو تحدث اللغات أينما يعملون. ينبغي عليهم التحدث إلى أكبر عدد ممكن من الأفراد، وألا يتأثروا بخبراء العلاقات العامة.
وينبغي للصحافيين العرب اتباع نفس القواعد التي يسير عليها الصحافيون في أي مكان آخر في العالم. وهناك صعوبة خاصة في العمل في الدول التي تقيد فيها حرية الصحافة. لكن لا يزال من الممكن تقديم تقارير إخبارية جيدة دقيقة. وربما يكون ممكنا تقديم تقارير دقيقة جيدة قدر المستطاع. وإذا دخلت في مواجهة مع السلطات، واعتبرت غير متوازن أو متحيزا، فسوف يكون مستقبلك صعبا. الصفة الأبرز التي ينبغي أن يتسم بها الصحافيون العرب هي الصبر والإصرار، ومن ثم يمكنهم أن يكونوا عامل تغيير، وأن يكونوا قوة للخير في هذه الأوقات العصيبة.
* هل معرفتك باللغة العربية ساعدتك في تحقيق مزيد من النجاح في مهنتك الصحافية؟
- لقد تعلمت بعض العربية ودرست الإسلام، وهو ما كان عونا كبيرا لي في الكتابة عن الشرق الأوسط. ولسوء الحظ ليست لدي فرصة كبيرة لممارسة اللغة العربية، لأن الجميع في المنطقة يتحدثون إنجليزية جيدة للغاية.



«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.


تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)
TT

تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)

تصاعدت الملاحقة القضائية لمنصات التواصل الاجتماعي في مزاعم بشأن تسببها في إدمان المستخدمين، لا سيما الأطفال؛ ما عدّه خبراء محاولةً قد تدفع المنصات إلى تقديم تنازلات أو تغيير سياسة الخصوصية، وتزيد من اتجاه الجمهور نحو تنويع التطبيقات التي يستخدمها.

خلال الأسبوع الماضي، بدأ المحلفون في الولايات المتحدة نظر قضية «تسعى لتحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال». وهذه المحاكمة مبنية على دعوى رفعتها شابة في العشرين من عمرها تُعرَف باسم «كيلي جي. إم» ضد شركتي «ميتا بلاتفورمز» مالكة منصات «فيسبوك» و«إنستغرام»، و«غوغل» التابعة لمجموعة «ألفابيت» مالكة منصة «يوتيوب»، تتهمهما بتعمد تصميم منتجاتهما بطريقة تتسبب في إدمان الأطفال.

الشركتان نفتا الاتهامات، وقال آدم موصيري، الرئيس التنفيذي لـ«إنستغرام»، في شهادة أدلى بها أمام المحكمة، إنه «من المهم التمييز بين الإدمان السريري والاستخدام الذي يعدّ إشكالياً»، نافياً «صحة الادعاء بأن (ميتا) تعطي الأولوية للربح على حساب السلامة... ذلك أن حماية القُصّر على المدى الطويل مفيدة أيضاً للأعمال وللربحية».

وفق مراقبين، فإن «صدور حكم ضد شركات التكنولوجيا قد يُمهد الطريق أمام قضايا مماثلة في محاكم الولايات المتحدة، ويُزعزع الدفاع القانوني الراسخ لهذه الشركات ضد دعاوى الإضرار بالمستخدمين». حيث تواجه كل من «غوغل» و«ميتا» و«تيك توك» و«سنابشات» دعاوى قضائية مشابهة عدة.

ومن المنتظر استدعاء كارك زوكربرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، شاهداً في المحاكمة التي قد تمتد إلى مارس (آذار) المقبل.

الدكتورة مي عبد الغني، الباحثة في الإعلام الرقمي وأستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا، رأت في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «الدعاوى القضائية المرفوعة حالياً في الولايات المتحدة وأوروبا تنطلق من فلسفة قانونية تتجاوز مجرد الاعتراض على المحتوى، لتصل إلى عيوب التصميم الهيكلي للمنصات والمتمثلة في الطريقة التي صُممت بها المنصات لجعل الطفل يقضي أطول وقت ممكن كالتمرير اللانهائي».

وتلخص عبد الغني الأسباب وراء هذه الملاحقات القضائية في «استخدام هذه المنصات باستخدام تقنيات عصبية وبيولوجية، مثل التمرير اللانهائي والإشعارات الفورية التي تعمل على تعطيل قدرات الأطفال على التحكم في النزوات، إضافة إلى استغلال نقاط الضعف النفسية؛ حيث تعمل هذه المنصات على استهداف أطفال تعرضوا للصدمات بخوارزميات تتضمن محتوى ضاراً يتعلق باضطرابات الأكل أو إيذاء النفس». وأشارت إلى أن «المنصات تلاحق بتهمة انتهاك قوانين مثل (قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت) COPPA عبر جمع بيانات الأطفال دون سن الـ13 سنة واستخدامها في الإعلانات».

ووفق عبد الغني، فإن «هذه الدعاوى القضائية تضع المنصات أمام مسؤولية مباشرة عن الأضرار النفسية التي تلحق بالأطفال، مثل الاكتئاب، واضطرابات الأكل، أو التنمر الإلكتروني». لكنها لفتت إلى أن «قرار حظر استخدام الأطفال للمنصات لا ينهي الاستخدام، بل يحوله مغامرة... وبمجرد صدور قرار الحظر، تشهد تطبيقات كسر الحجب VPN طفرة غير مسبوقة». وأردفت: «الدعاوى القضائية الحالية قد تدفع بعض المنصات إلى تقديم تنازلات للحكومات، مثل تشديد الرقابة على المحتوى أو تغيير سياسات الخصوصية؛ ما يغير شكل المنصة التي عرفناها».

وبشأن تأثير الدعاوى على سلوك المستخدمين، أكدت عبد الغني أنه «عندما تزداد التهديدات بحظر المنصات العامة، يميل الناس سلوكياً نحو التطبيقات التي توفر خصوصية أعلى وتصعب مراقبتها أو حظرها بسهولة... وقد يدفع هذا إلى الهجرة الجماعية وتنويع المنصات»، موضحة أن «الجمهور قد يتجه لفتح حسابات احتياطية على منصات بديلة».

جدير بالذكر، أن هذه الإجراءات تتزامن مع خطوات لحظر استخدام الأطفال منصات التواصل الاجتماعي في دول عدة، حيث وافق البرلمان البرتغالي، الأسبوع الماضي، على مشروع قانون يفرض الموافقة الصريحة للوالدين قبل استخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي. وأيّد مجلس النواب الفرنسي الشهر الماضي تشريعاً يحظر على الأطفال دون سن 15 سنة استخدام المنصات. وكانت أستراليا قد طبّقت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الحظر الأول من نوعه في العالم لمن هم دون سن 16 سنة.

وهنا يرى الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، معتز نادي، أن «الأطفال ورقة رابحة لكل من اليمين واليسار، سواءً في أوروبا أو المعسكرين الديمقراطي والجمهوري في أميركا». إذ أفاد في لقاء مع «الشرق الأوسط» بأن «إثارة مثل هذه القضية يخدم التوجهات السياسية لتلك الأطراف».

وعدَّ نادي الدعاوى القضائية في أميركا «فرصةً للضغط على شركات التواصل الاجتماعي التي باتت في هدنة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ وصوله للولاية الثانية». وتابع: «أي تحرّك قضائي سيُلزم المنصّات بالكشف عن وثائقها من خلال أمر المحكمة»، مشيراً إلى أن «المنصات في سبيلها لمواجهة هذه الدعاوى قد تعلن عن تحديثات في سياسات عملها لحماية الأطفال بإعدادات افتراضية تمنع أي محاولة إدمان في حال ثبتت التهمة على المنصات».

ومن ثم، توقع نادي أن يكون الأمر «أشبه بالتحذير المكتوب على علب السجائر، بمعنى أن الطفل قد يرى تحذيراً من قبيل الاستمرار في التمرير والمتابعة قد يؤدي للإدمان».