الصين أكبر شريك تجاري لإسرائيل في آسيا

11 مليار دولار حجم التبادل بعد 25 سنة من العلاقات الدبلوماسية

رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ مع نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال زيارة الأخير لبكين احتفالاً بـ25 سنة من العلاقات الدبلوماسية  (رويترز)
رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ مع نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال زيارة الأخير لبكين احتفالاً بـ25 سنة من العلاقات الدبلوماسية (رويترز)
TT

الصين أكبر شريك تجاري لإسرائيل في آسيا

رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ مع نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال زيارة الأخير لبكين احتفالاً بـ25 سنة من العلاقات الدبلوماسية  (رويترز)
رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ مع نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال زيارة الأخير لبكين احتفالاً بـ25 سنة من العلاقات الدبلوماسية (رويترز)

اتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية أزاح كثيرا من العقبات التي تواجه إسرائيل دبلوماسيا وسياسيا في كثير من دول آسيا، خصوصا في البلدين العملاقين، الصين والهند. وانتعشت العلاقات التجارية بين الصين وإسرائيل منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1992. وخلال 25 سنة من تبادل السفراء أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لإسرائيل في آسيا وثالث أكبر شريك تجارى في العالم، حيث يصل حجم التجارة معها إلى 11 مليار دولار.
واحتفالا بهذه المناسبة قام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بزيارة للصين في نهاية مارس (آذار) الماضي وتم التوقيع على 25 اتفاقية تجارية بقيمة ملياري دولار. نتنياهو اصطحب معه إلى بكين 90 رجل أعمال، وهو أكبر وفد اقتصادي إسرائيلي يزور الصين بحسب التلفزيون الصيني الرسمي، لتحسين وصول الشركات الإسرائيلية إلى الأسواق الصينية. ووقع نتنياهو ورئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ أربع اتفاقيات للتعاون في مجالات تشمل العلوم والتكنولوجيا والموارد البشرية والنقل الجوى.
ونقلت الإذاعة الإسرائيلية عن نتنياهو قوله إن هذه الاتفاقيات دليل على تعزيز مكانة إسرائيل في العالم. وأضاف أن الزيارة أسهمت في توطيد العلاقات بين البلدين، خصوصا في المجال الاقتصادي، حيث خصصت الصين إسرائيل كشريكة لها في مجال الابتكارات التكنولوجية.
الرئيس الصيني شي جينبينغ صرح هو الآخر خلال لقائه مع نتنياهو أن «الصين وإسرائيل تتمتعان بمزايا تكميلية، وأن التعاون في مجال الابتكار سيحقق فوائد قوية للمواطنين في بلدينا» وفقا للتلفزيون الصيني. وأضاف أنه يتعين على البلدين التعاون في مجالات مثل الابتكارات التكنولوجية والزراعة والرعاية الصحية تحت مظلة مبادرة «حزام واحد وطريق واحد»، وهي مشروع الصين المفضل الذي يهدف إلى بناء شبكة للتجارة والبنى التحتية لربط الصين بشكل أفضل بأوروبا وجنوب شرقي آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا.
الوفد الإسرائيلي التقى الرؤساء التنفيذيين لكثير من الشركات الصينية الكبرى. وتبلغ استثمارات الصين في إسرائيل نحو ستة مليارات دولار، كما أن التقنية الإسرائيلية تستخدم بكثافة في مجالات كثيرة في ثاني اقتصاد في العالم.
ويقول المحللون إن إسرائيل ركزت في علاقتها بالصين على الجانب الاقتصادي لتجنب أي توتر في علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. وقال بان غوانغ عميد مركز شنغهاي للدراسات اليهودية لوكالة الصحافة الفرنسية: «الاهتمامات المشتركة بين البلدين هي التجارة ومبادرة طريق الحرير والابتكار العلمي». وأضاف: «الجانبان يدركان الاختلافات بينهما حول عملية السلام في الشرق الأوسط، ولا يرغبان بالتأكيد على هذه الاختلافات».
الرئيس الصيني في خطاب أمام الجامعة العربية في يناير (كانون الثاني) 2016 عن دعمه لإقامة دولة فلسطينية تكون القدس الشرقية عاصمتها، وأشار إلى أن الصين «تتفهم التطلعات المشروعة لفلسطين للاندماج بالمجتمع الدولي».
لكن أشاد الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال لقاء نتنياهو بالتقدم الحاصل في العلاقات الثنائية بين البلدين منذ 25 عاما، مضيفا أن إقامة الشراكة ستعزز التعاون الابتكاري وتمنح مزيدا من النفع للشعبين، حسب ما ذكرته وكالة الأنباء الصينية. وخلال الزيارة، التقى نتنياهو أيضا برئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانغ، ورئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب تشانغ ده جيانغ، ونائبة رئيس مجلس الدولة الصيني ليو يان دونغ، كما شارك نتنياهو في الدورة الثالثة من اجتماعات لجنة الابتكارات الإسرائيلية - الصينية المشتركة.
اتفاقية التأشيرات التي وقعت في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2016 مكنت حملة جوازات السفر الإسرائيلية من استخراج تأشيرة دخول متعددة الزيارات إلى الصين لرجال الأعمال وسياح والأقارب الإسرائيليين، في إطار بذل الجهود لتوسيع نطاق النقل الجوي بين البلدين، وفتح طرق تجارية جديدة لتحقيق نمو كبير في عدد الزيارات لرجال الأعمال، وتسهيل تبادل الأفراد بين البلدين.
التبادل التكنولوجي منصة استراتيجية أساسية للتعاون بين البلدين من خلال لجنة الابتكارات الصينية - الإسرائيلية المشتركة، كما أشار الجانبان إلى ضرورة التعاون الثنائي واستكشاف نماذج جديدة لتعزيز الابتكار المدني والعمل على تعزيز التعاون بين المؤسسات البحثية والشركات في القطاع العام والخاص.
وفي لقاء بين الوفد الإسرائيلي بالرؤساء التنفيذيين لكثير من الشركات الصينية الكبرى، قال لي يان هونغ الرئيس التنفيذي لعملاقي الإنترنت «بايدو» و«علي بابا»، إن الصين لديها أكثر من 700 مليون مستخدم إنترنت، وشركة ذكاء اصطناعي عالمية، وهذه بحاجة إلى قاعدة بيانات ضخمة ودعم تقني، والصين لديها قاعدة بيانات ضخمة وإسرائيل لديها التكنولوجيا المناسبة، مما يوفر مساحة واسعة للتعاون بين الطرفين. وأضاف لي يان هونغ: «أعتقد أن الشركات الإسرائيلية يجب أن تكتشف السوق الصينية والتواصل مع شركاتها مثل بايدو، والنظر إلى كيفية مساعدتهم على توسيع أعمالهم في السوق الصينية»، مضيفا، الصين ستوفر منصة تجريبية واسعة وكثير من البيانات الأساسية، وأن شركات صينية كثيرة أخرى تسعى إلى التعاون مع الشركات الإسرائيلية بعقلية مفتوحة.
تشير الإحصاءات إلى أن إسرائيل تنفق أكثر من 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتحتل المرتبة الثالثة في العالم، من حيث عدد الشركات التكنولوجيا الفائقة المدرجة في بورصة ناسداك.
ووقعت منطقة قاو شين بتشينغدوا اتفاقية أربعة مشاريع مع إسرائيل في عام 2009 لإنشاء «واحة التكنولوجيا الصينية الإسرائيلية» رسميا. وقال أمين سر اللجنة البلدية في تشينغداو لي تشون، بعد زيارته إسرائيل في مارس 2013 إنه تأثر كثيرا بالعدد الكبير من المنجزات العلمية والتكنولوجية في إسرائيل. ويعلق لي آمالا كبيرة على هذا المشروع، وقال: «في ظل جهودنا المشتركة، سيصبح هذا المشروع نموذجا للبلدين للتعاون في مجال الابتكار العلمي والتكنولوجي، ويأمل الطرفان في اغتنام هذه الفرصة لمواصلة تعزيز الابتكار العلمي والتكنولوجي الثنائي التبادلات والتعاون في مجالات أوسع وعلى مستويات أعلى نحو تحقيق التنمية والفوز».
انتعش التبادل التكنولوجي والعلمي بين الصين وإسرائيل انتعاشا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، ونظم في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2015، ندوة التبادل التكنولوجي بين الصين وإسرائيل في القدس. وقالت المستشارة التجارية في القنصلية الإسرائيلية في شنغهاي لقناة فونيكس، إن أكثر من 60 في المائة من مساحة إسرائيل صحراء، ولكن المحاصيل الزراعية الإسرائيلية رائدة على مستوى العالم، وإسرائيل لديها أعلى معدل استخدام وإعادة تدوير المياه في العالم، وهذا ينعكس على تطوير العلوم والتكنولوجيا الزراعية.
وتستخدم التقنية الإسرائيلية بكثافة في مجالات كثيرة في ثاني اقتصاد في العالم. وتسعى إسرائيل لمضاعفة صادراتها السنوية إلى 5 مليارات دولار خلال خمس سنوات. بالإضافة إلى ذلك، وسعت التبادلات مع الصين في مجالات الصناعة والزراعة وحماية البيئة والطاقة وتكنولوجيا المياه والصحة والتكنولوجيا، وأنشأت فريق عمل مشترك لتحقيق الهدف، ومن أجل تحسين العمليات التجارية في الصين وزيادة الاستثمارات المتبادلة. كما تم إنشاء اللجنة الوزارية الصينية الإسرائيلية المكلفة بالتعاون الاقتصادي، بعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للصين عام 2013، ووفقا للبيانات، زادت الصادرات الإسرائيلية إلى الصين بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، وارتفعت من 878 مليون دولار في عام 2009 إلى 2.47 مليار دولار في عام 2013.
كما بدأت إسرائيل بجلب أعداد كبيرة عمال البناء الصينيين إلى إسرائيل، من أجل تخفيف أزمة السكن المحلية. ووفقا لـتقرير نشرته «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية في يناير الماضي توصلت الحكومة الإسرائيلية ووزارة التجارة الصينية إلى اتفاق يقضي بانتقال نحو 6 آلاف عامل بناء صيني إلى إسرائيل في نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي المقبل، وهي خطوة أولى من برنامج إعادة الأعمار الذي وقع عليه مجلس الوزراء الإسرائيلي في سبتمبر (أيلول) عام 2015 لإدخال 20 ألف عامل بناء صيني إلى إسرائيل. ووفقا لإحصاءات البنك المركزي الإسرائيلي الذي نشرته وكالة «أسوشييتد برس»، شهدت أسعار العقارات ارتفاعا كبيرا في إسرائيل منذ عام 2008، مما تسبب في تأثير كبير في تكلفة المعيشة المحلية تسببت في احتجاجات في عام 2011.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية قنغ شوانغ ردا على ما تردد حول موافقة الصين على إرسال الآلاف من عمال البناء إلى إسرائيل واحتمالات مشاركتهم في بناء المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إنه منذ إقامة العلاقات الصينية الإسرائيلية، حقق التعاون بين البلدين نتائج إيجابية في مجالات كثيرة منها التجارة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية وغيرها من مجالات التعاون الأخرى. والصين مستعدة لمواصلة تعميق التعاون العملي مع إسرائيل في جميع المجالات لما فيه مصلحة للبدين والشعبين. كما أكد أن الصين على ثبات ووضوح موقفها حيال القضية الفلسطينية وتمسكها بمعارضة بناء المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتأييدها لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 233 الذي تم اعتماده في أواخر شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
وحسب ما ذكرته الصحف الصينية المحلية، فإن الصين تأمل أن تلتزم السلطات الإسرائيلية بعدم توظيف العمالة الصينية في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية.
وقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سابقا، أن إسرائيل ستستقدم 20 ألف عامل بناء صيني من أجل خفض أسعار المساكن، مضيفا أن وصول نحو 20 ألف عامل صيني في قطاع البناء لتسريع بناء المساكن خطوة ضرورية ومهمة لخفض أسعار العقارات. وترى وزارة المالية الإسرائيلية أن وتيرة عمل الصينيين في بناء المباني المرتفعة أسرع بـ50 في المائة من وتيرة الإسرائيليين والفلسطينيين والأجانب الآخرين.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended