الأسد: الهجوم الكيماوي «قصة مفبركة» من الغرب

قال إن «الولايات المتحدة ليست جادة في التوصل إلى أي حل سياسي»

الأسد: الهجوم الكيماوي «قصة مفبركة» من الغرب
TT

الأسد: الهجوم الكيماوي «قصة مفبركة» من الغرب

الأسد: الهجوم الكيماوي «قصة مفبركة» من الغرب

اتهم الرئيس السوري بشار الأسد، في مقابلة حصرية لوكالة الصحافة الفرنسية في دمشق، دول الغرب والولايات المتحدة «بفبركة كل القصة»، في إشارة إلى الهجوم الكيماوي على مدينة خان شيخون، تمهيدا لشن ضربة أميركية ضد جيشه، في الوقت الذي وصف فيه الولايات المتحدة بأنها ليست جادة في التوصل إلى أي حل سياسي.
وأكد الأسد الذي وصل إلى سدة الرئاسة قبل 17 عاما وتقاطعه دول الغرب، أن نظامه لم يعد يملك أي أسلحة كيماوية منذ تدمير الترسانة السورية في عام 2013.
وفي مقابلة بمكتبه في وسط دمشق، هي الأولى بعد الهجوم الكيماوي الذي اتهمت واشنطن قواته بتنفيذه في خان شيخون في إدلب (شمال غرب) والضربة الأميركية على مطار الشعيرات العسكري في حمص (وسط)، قال الأسد: «بالنسبة لنا الأمر مفبرك مائة في المائة».
وأضاف: «انطباعنا هو أن الغرب والولايات المتحدة بشكل رئيسي متواطئون مع الإرهابيين، وقاموا بفبركة كل هذه القصة كي يكون لديهم ذريعة لشن الهجوم».
واتهمت الولايات المتحدة وعواصم غربية عدة القوات الحكومية السورية بشن الهجوم من خلال قصف جوي، ثم بادرت واشنطن بعد يومين إلى إطلاق 59 صاروخا من طراز «توماهوك» من البحر على قاعدة الشعيرات، في أول ضربة أميركية عسكرية ضد دمشق منذ بدء النزاع منتصف مارس (آذار) 2011.
ونفت دمشق بالمطلق أي علاقة لها بالهجوم. وقالت مع موسكو إن الطيران السوري قصف مستودع أسلحة لمقاتلي المعارضة كان يحوي مواد كيماوية.
وأثار الهجوم الكيماوي على خان شيخون في الرابع من الشهر الحالي تنديدا واسعا بعد تداول صور مروعة للضحايا، إثر مقتل 87 مدنيا بينهم 31 طفلا، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.
لكن الأسد اعتبر أن «المعلومات الوحيدة التي بحوزة العالم حتى هذه اللحظة هي ما نشره فرع القاعدة»، في إشارة إلى جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقا) التي تسيطر مع فصائل إسلامية ومقاتلة على كل محافظة إدلب. وأوضح أن «هناك كثيرا من مقاطع الفيديو المزورة الآن (...) نحن لا نعرف ما إذا كان أولئك الأطفال القتلى قد قتلوا في خان شيخون، بل إننا لا نعرف ما إذا كانوا أمواتا في الأساس».
وسأل الأسد: «إذا كان هناك هجوم، فمن الذي قام به؟». ونفى الأسد أي علاقة لقواته بالهجوم، مؤكدا أنه «لم يصدر أي أمر بشن أي هجوم». وقال: «لا نمتلك أي أسلحة كيماوية» مضيفا: «في عام 2013 تخلينا عن كل ترسانتنا (...) وحتى لو كان لدينا مثل تلك الأسلحة، فما كنا لنستخدمها».
ووافق النظام السوري في عام 2013 على تفكيك ترسانته الكيماوية، بعد اتفاق روسي - أميركي أعقب هجوما بغاز السارين على منطقة الغوطة الشرقية، أبرز معاقل المعارضة قرب دمشق، تسبب بمقتل المئات. ووجهت أصابع الاتهام فيه إلى دمشق. وبعد عام 2013، حققت منظمة حظر الأسلحة الكيماوية مرتين على الأقل في استخدام دمشق أسلحة كيماوية فوق مناطق تحت سيطرة الفصائل المعارضة.
وبعد أيام من إعلان المنظمة أن هناك تحقيقا جاريا حول الهجوم الكيماوي في خان شيخون، أعلن الأسد: «بحثنا مع الروس خلال الأيام القليلة الماضية بعد الضربة أننا سنعمل معهم لإجراء تحقيق دولي. لكن ينبغي لهذا التحقيق أن يكون نزيهاً».
وأضاف: «يمكننا أن نسمح بأي تحقيق فقط عندما يكون غير منحاز، وعندما نتأكد أن دولا محايدة ستشارك في هذا التحقيق، كي نضمن أنها لن تستخدمه لأغراض سياسية».
ورغم التصعيد الأميركي غير المسبوق ضد قواته، قلل الأسد من تداعيات الضربة الأميركية. وقال: «منذ الضربة، لم نتوقف عن مهاجمة الإرهابيين في سائر أنحاء سوريا»، مؤكدا أن «قوتنا النارية وقدرتنا على مهاجمة الإرهابيين لم تتأثر بهذه الضربة».
وعما إذا كانت الضربة الأميركية تعني خسارته شريكا محتملا قويا، في إشارة إلى الرئيس دونالد ترمب، أجاب الأسد: «كنت حذرا جدا في التعبير عن أي رأي حياله سواء قبل أن يصبح رئيسا أو بعد ذلك. كنت أقول دائما لنرى ما الذي سيفعله».
وتابع: «في الواقع هذا الهجوم هو الدليل الأول على أن (...) النظام العميق في الولايات المتحدة، ما زال نفسه ولا يتغيّر».
وشدد الأسد على أنه الآن «لا تستطيع التحدث عن شراكة بيننا، نحن الذين نعمل ضد الإرهابيين... وبين أولئك الذين يدعمون الإرهابيين صراحة».
وقال إن «الولايات المتحدة ليست جادة في التوصل إلى أي حل سياسي»، مضيفا: «يريدون استخدام العملية كمظلة للإرهابيين».
ومتسلحا بدعم حليفيه الروسي والإيراني، لا يبدو الأسد متأثرا بالتهديدات الأميركية ولا بالضربة الصاروخية المباشرة التي نفذتها واشنطن على قاعدة جوية لجيش النظام السوري في وسط البلاد الأسبوع الماضي.
وقال الأسد: «معاناة الشعب السوري (...) هي الأمر الوحيد الذي يمكن أن يحرمني النوم بين وقت وآخر، لكن ليست التصريحات الغربية ولا تهديداتهم بدعم الإرهابيين».
يؤكد الدبلوماسي الهولندي السابق والخبير في الشؤون السورية نيكولاس فان دام، لوكالة الصحافة الفرنسية: «لطالما كان الأمر بالنسبة إلى الأسد معركة حياة أو موت. لم يكن خيار وقف الحرب مطروحا لديه أصلا؛ فإما النصر وإما الهزيمة».
وتبدلت حياة طبيب العيون السابق بشكل جذري عام 1994، إثر وفاة شقيقه الأكبر باسل الذي كان يتم إعداده ليحكم البلاد خلفا لوالده الرئيس حافظ الأسد، في حادث سير قرب دمشق.
ويقول فان دام، وهو مؤلف كتاب «القتال من أجل السلطة في سوريا»، إن «النظام يمتلك خبرة عمرها نصف قرن حول كيفية البقاء في السلطة. كما يحظى بدعم الجيش والأجهزة الأمنية».
وردا على تصريحات لوزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون قال فيها إن حكم عائلة الأسد يقترب من نهايته، أجاب الأسد: «ليس هناك حكم لعائلة الأسد في أي حال من الأحوال في سوريا»، مضيفا: «إنه يحلم أو لنقل إنه يهلوس».
ومع اندلاع «الربيع العربي»، واجه الأسد حركة احتجاجات سلمية ضخمة في عام 2011، فاختار قمعها بالقوة، مصنفا معارضيه على الفور بالمتطرفين، قبل أن تبرز المجموعات المتشددة أو الإسلامية. واعتبر التحركات المعارضة لنظامه «مؤامرة» نسجتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد «محور المقاومة» الذي يضم سوريا مع إيران و«حزب الله» اللبناني.
وخلال السنوات الست الأخيرة، امتلك الأسد، كما الحلقة الضيقة المقربة منه، قناعة راسخة بقدرتهم على الصمود وتحقيق النصر. ويقول مدير أبحاث الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما جوشوا لانديس: «ردد مستشارو الأسد منذ البداية أنهم واثقون بالنجاح ما دام الطيران الأميركي لا يقصف دمشق، والولايات المتحدة لم تتورط مباشرة في الحرب».
وعلى غرار والده، عرف الأسد كيف يصبر وينتظر التوقيت المناسب. ويقول رئيس تحرير صحيفة «الوطن» السورية القريبة من دمشق، وضاح عبد ربه، إن الأسد «ينتمي إلى مدرسة والده، وهذه المدرسة لطالما أتقنت التحكم بعامل الوقت وبتحويل مسار الرياح غير المواتية لصالحها».
إلا أن مفتاح الأسد هو صلابة التحالفات، بخلاف خصومه. ويضيف عبد ربه: «لم يشك يوميا بالنصر، لأنه كان يعلم أن بلاده أنشأت منذ عقود تحالفا صلبا واستراتيجيا مع روسيا وإيران وسواهما».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.