مهرجان «كان» يعلن اختياراته لمسابقتي الأفلام القصيرة والطويلة

يحتفي بالدورة السبعين بسعي إلى التغيير

«أشباح إسماعيل» فيلم الافتتاح للفرنسي أرنو ديسبلشين - «السقف» الفنلندي أحد أفلام مسابقة «كان» للفيلم القصير
«أشباح إسماعيل» فيلم الافتتاح للفرنسي أرنو ديسبلشين - «السقف» الفنلندي أحد أفلام مسابقة «كان» للفيلم القصير
TT

مهرجان «كان» يعلن اختياراته لمسابقتي الأفلام القصيرة والطويلة

«أشباح إسماعيل» فيلم الافتتاح للفرنسي أرنو ديسبلشين - «السقف» الفنلندي أحد أفلام مسابقة «كان» للفيلم القصير
«أشباح إسماعيل» فيلم الافتتاح للفرنسي أرنو ديسبلشين - «السقف» الفنلندي أحد أفلام مسابقة «كان» للفيلم القصير

أعلنت إدارة مهرجان «كان» السينمائي يوم أول من أمس عن الأفلام التي ستشكل مسابقة الأفلام القصيرة وتلك التي ستعرض، رسمياً، خارج تلك المسابقة وداخل مسابقة موازية أخرى هي تلك المسماة بـCinéfondation التي تعقد للسنة العشرين على التوالي.
المسابقة الرسمية للدورة السبعين من هذا المهرجان الذي ستعقد ما بين السابع عشر والثامن والعشرين من الشهر المقبل، تسلمت، حسب ما صرّحت به إدارة المهرجان، 4843 فيلماً قصيراً لكي تختار منها تسعة أفلام فقط. والسؤال الأول الذي يخطر على بال كل عاقل هو: كيف يمكن اختيار تسعة أفلام من نحو 5000 فيلم إلا قليلاً؟ ما نسبة الصح والخطأ في هذه الاختيارات؟ ثم ما المعيار الفاعل في التطبيق؟ أي تفاصيل دقيقة تدخل لتقليص هذا العدد الضخم حتى من بعد نفي الأعمال الركيكة منه؟
إذن، هي تسعة أفلام (ثمانية روائية وواحد من الأنيميشن) سيقوم المخرج الروماني كرستيان مانجو برئاسة لجنة التحكيم التي ستنظر فيها. وهذه الأفلام التسعة، موزعة على النحو التالي:
«رجل غارق» لمهدي فليفل، المقدّم باسم بريطانيا والدنمارك واليونان: «سقف» لتيب أراكسنن (فنلندا) و«جدي وولروس» للوكريس أندريا (فرنسا) و«عبر أرضي» لفيونا غودفيير (الولايات المتحدة) و«داميانا» لأندريه بوليدو (كولومبيا) و«ادفع» لجوليا تيلين (سويد) و«وقت الغذاء» لعلي رضا قاسمي (إيران) و«ليلة وادعة» لكي يانغ (الصين).
أميال فضائية
المسابقة الثانية تضم 16 فيلماً من أصل 2600 فيلم، والأسئلة ذاتها تتكرر، بالإضافة إلى إذا ما كانت بعض الأفلام التي شاهدتها لجنة «سينفونداسيون» هي من بين ما لم يقبل في المسابقة الأولى. على أي حال، هناك ثلاث جوائز ممنوحة في هذه المسابقة التي تختار ما تعرضه من بين أعمال التخرج من المعاهد والمدارس السينمائية.
هنا نجد بانوراما أوسع من الدول المشاركة تضم اليابان، والهند، والولايات المتحدة، وبلجيكا، وفرنسا (ثلاثة أفلام) وبريطانيا، وإيران، والأرجنتين، والمجر، وإسرائيل، وتايوان، والبرازيل، وسلوفاكيا، وبوسنيا.
الاهتمام بالسينما القصيرة يوازي، غرباً، الاهتمام «بالفورمات» الأخرى المتداولة: التجريبية والتسجيلية، والرسوم المتحركة، والأفلام الروائية الطويلة. ولم يعد من الصعب على الكثير من صانعي الأفلام القصيرة البحث عن مهرجان يعرض فيلمه القصير إذا ما كان جيداً وطموحاً بالفعل.
مثل «كان»، هناك عروض للأفلام القصيرة في غالبية المهرجانات الدولية الأولى مثل لوكارنو وبرلين وفينيسيا ودبي وصندانس. لكن عدد المهرجانات التي تتخصص بالفيلم القصير هائل. في أوروبا وحدها ما يتجاوز المائة مهرجان، وفي الولايات المتحدة نحو 60 مهرجانا، وفيما تبقى من قارات ودول قرابة 50 مهرجانا آخر. كلها لا تقبل إلا الأفلام القصيرة، وبينها من يلتزم بالفيلم ذي الدقيقة الواحدة (كما حال مهرجان باكستاني يقام في مدينة إسلام آباد)، بينما تتيح معظم المهرجانات الأخرى اشتراك الفيلم القصير بمفهومه الزمني التقليدي (من دقيقة إلى 40 دقيقة).
في الولايات المتحدة قفز مهرجان «بالم سبرينغز» الدولي للأفلام القصيرة أميالاً فضائية منذ أن أقيم لأول مرة سنة 1989.
في العام الماضي، شاركت فيه السينما السعودية لأول مرة عندما تم اختيار فيلم محمد سلمان الجيد «قاري» في مسابقته. دراما قصيرة حول ذلك الصبي وعربته التي يدفعها أمامه لغايات شتّـى (من بينها السباق مع أترابه في طرق المدينة) والرامزة، إلى جانب أنواع من العجلات الأخرى، عن الزمن نفسه. وهو تم اختياره من بين 300 فيلم آخر عرضت خلال أيام المهرجان السبعة مثلت 50 دولة.
المخرج ذاته أنهى مؤخراً فيلماً جيداً آخر سمّاه «ثوب العرس» وعرضه في مهرجان دبي أولاً، ويدور حول بعض تقاليد الزواج الاجتماعية، وبينها خشية الأم خياطة ثوب لها للمناسبة اعتقاداً بأنه سيكون الثوب الأخير الذي سترتديه.
ما يقوم به المخرج سلمان هو إلباس أفكاره الاجتماعية معالجات رمزية وشعرية جميلة، ومعتنى بتصويرها من حيث أطرها ولقطاتها.
اختيارات المهرجان
ظهر يوم أمس، وفي إحدى صالات الشانزلزيه في باريس، تم ‬عقد المؤتمر الصحافي السنوي المعتاد لإعلان قائمة الأفلام التي سيعرضها مهرجان «كان» الدولي في مناسبته السبعين هذا العام التي تنطلق في السابع عشر وتنتهي في الثامن والعشرين من الشهر المقبل.
ملاحظات عدة على القائمة المعلنة تسبق الإشارة إلى تفاصيلها، ومنها أن المهرجان هذه السنة سعى إلى التنويع بالنسبة إلى اختياراته من المخرجين المشتركين. التهمة التي لصقت به منذ سنين أنه لا يتخلّـى عن زبائنه لدرجة أنه إذا ما أراد المرء مشاهدة الفيلم الأخير للأخوين داردين أو للفرنسي أساياس أو للبريطاني كن لوتش، عليه التوجه إلى «كان» لأنها لا بد ستعرض فيه.
هذا العام نلاحظ أن التنويع استبعد عدداً من المخرجين – الزبائن، واستبدلهم بأسماء جديدة أو شبه جديدة. طبعاً قد يكون هناك سبب آخر، وبالتأكيد لا يستطيع الاستغناء عن الجميع لمجرد الرغبة في تنفيذ مفكرة عمل جديدة، لكن أسماء مثل روبين كامبيلو وسيرغي لوزنتسيا وكورنل مندروشو ونوا بومباخ ولين رامزي هي إما جديدة تماماً على المسابقة أو ظهرت في مناسبات قليلة جدا من قبل.
في مواجهتها بضعة أسماء متداولة، بينها الروسي أندريه زفيغنتزف، والفرنسي فرنسوا أزو، والأميركية صوفيا كوبولا، والأميركي تود هاينز، واليابانية ناوومي كواسي.
والافتتاح هو فيلم توقعنا له هنا، في مقال سابق في «الشرق الأوسط»، نفاذه من محيط الاختيارات إلى صفوة الانتقاءات، وهو «أشباح إسماعيل» للفرنسي أرنو ديسبلشين. أفلام أخرى من التي دارت في مجرّة التوقعات دخلت كذلك المسابقة أو جوارها.
السينما الطاغية
ملاحظة ثانية تكشفها اختيارات «كان» لهذا العام هي خلوها من الأفلام المنتمية إلى المؤسسة الهوليوودية. ليس فقط أن فيلم الافتتاح فرنسي وناطق بالفرنسية (أحياناً كان الإنتاج فرنسياً ناطقاً بالإنجليزية أو أميركياً) لكن أيضاً غياب لأفلام متعة مكلفة الإنتاج آتية من ديزني أو فوكس أو سواهما على غرار السنوات السابقة.
هذه الأفلام اعتادت أن تقدّم خارج المسابقة في عروض مختلفة، بينها قسم «عروض منتصف الليل» والقسم (الأكبر) «عروض خاصة». هذا العام معظم الأفلام آسيوية أو أوروبية والقليل الناطق بالإنجليزية آت إما من بريطانيا (مثل فيلم جديد هو أول إخراج تقوم به الممثلة ڤنيسا ردغراف) أو منتم إلى السينما الأميركية المستقلة أو الصغيرة.
من غير المعروف السبب المباشر لذلك، لكن ما يبدو أننا في مطلع اعتماد قرارات جديدة لإعادة مهرجان «كان» إلى كيان المهرجان الفني الأكبر عوضاً عن مسيرة الجمع بين المناهج المختلفة للسينما وتقديم أعمال تجارية ستؤول لعروضها العامة في الأسبوع ذاته من عرضها في قصر المهرجانات.
ما لم يتغيّـر هو النسبة المرتفعة من الأفلام الفرنسية التي يحشدها المهرجان للمسابقة: سبعة أفلام لجانب فيلم الافتتاح من أصل 18 فيلما في المسابقة، أي نحو نصف أفلام المسابقة إلا قليلاً.
في المؤتمر الصحافي أعلن المدير العام للمرجان تييري فريمو 49 فيلماً من 29 دولة ووجّه مستمعيه إلى حقيقة أن هناك 12 فيلماً من تلك المنتخبة (من بين آلاف الأفلام التي استقبلت وعرضت) من إخراج نساء. نقرأ في التفاصيل أفلاماً لصوفيا كوبولا «المخدوعات» وناوومي كاواسي («إشعاع») ولين رامزي («لم تكن بالفعل هنا») وهذه مشتركة في المسابقة الرسمية.
في إطار قسم «نظرة ما» ومسابقته يطالعنا فيلمان من نشأة عربية. أحدهما للمخرجة التونسية كوثر بن هانيا عبر فيلمها الجديد «الجمال والكلاب» (من بين تلك التي توقعنا هنا احتمال وصولها إلى مرحلة الاختيارات) والآخر هو «طبيعة الزمان» لكريم موسوي.
إلى جانب كوثر بن هنية عنصرا نسائيا وراء الكاميرا نجد، في القسم المذكور نفسه، والبلغارية فاليسكا غريزباك («وسترن») والأرجنتينية سيسيليا أتان («عروس الصحراء»).
وتعرض الفرنسية المخضرمة أغنيس فاردا فيلمها الجديد «وجوه، قرى» خارج المسابقة. فاردا على الأرجح أكبر معمّـرة بين مخرجات السينما حالياً؛ إذ تبلغ من العمر 88 سنة. في الحقيقة عيد ميلادها المقبل هو في الثلاثين من مايو (أيار)، أي بعد يومين من انتهاء المهرجان.
المسابقة الرسمية
• الافتتاح: «أشباح إسماعيل» | أرنو دسبليشين (فرنسا)
• 120 وحشاً بالدقيقة | روبير كامبيلو (فرنسا)
• المخدوعات | صوفيا كوبولا (الولايات المتحدة)
• مروّع | ميشيل أزانفسيوس (فرنسا)
• رودين | جاك دوالون (فرنسا)
• اليوم اللاحق | هونغ سانغسو (كوريا الجنوبية)
• مخلوق رقيق | سيرغي لوزنتزا (روسيا)
• وقت طيب | بَني وجوش صفدي (الولايات المتحدة)
• نهاية سعيدة | مايكل هنكه (فرنسا)
• بلا حب | أندريه زفيانتسف (روسيا)
• في الضحالة | فاتح أكين (ألمانيا)
• قمر المشتري | كورنل موندروجكو (المجر)
• قتل الغزال المقدس | يورغوس لانتيموس (اليونان)
• عشق مزدوج | فرنسوا أوزون (فرنسا)
• حكايات ميروفيتز | نوا بومباخ (الولايات المتحدة)
• أوكيا | بونغ دجون هو (كوريا الجنوبية)
• ووندرستراك | تود هاينز (الولايات المتحدة)
• أنت حقاً لم تكن هنا | لين رامزي (بريطانيا).
مسابقة نظرة ما
• الافتتاح: «باربرا» | لماتيو أمالريك (فرنسا)
• الجمال والكلاب | كوثر بن هنية (تونس)
• بعد الحرب | هنرييتا زامبرانو (فرنسا)
• ابنة أبريل | مايكل فرانكو (الولايات المتحدة)
• قبل أن نضمحل | كيوشي كوروساوا (اليابان)
• اقتراب | كانتمير بالاغوف (غير معروف)
• عروس الصحراء | سيلسيليا أتان وفاليريا بيفاتو (أرجنتين)
• توجيهات | ستيفان كوماندارف (بلغاريا)
• أنثى شابة | ليونوور ساريال (فرنسا)
• المشغل | لوران كانتيه (فرنسا)
• محظوظ | سيرجيو كاستيليتو (إيطاليا)
• طبيعة الزمن | كريم موسوي (الجزائر، فرنسا)
• اخرج | غريغورف كريستوف (سلوفاكيا)
• وسترن | فاليسكا غريزباك (بلغاريا)
• نهر الريح | تايلور شريدان (الولايات المتحدة)



أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)
«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)
TT

أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)
«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)

أنجز المخرج الأميركي ستانلي كوبريك (1928 - 1999) 13 فيلماً طويلاً، من بينها 5 أفلام تدور حول حروب مختلفة. بدأ مصوراً صحافياً لمجلة «لايف»، ثم أخرج فيلمين قصيرين على الأقل قبل أن ينتقل إلى الأفلام الطويلة، بدءاً بفيلم «خوف ورغبة» (Fear and Desire) سنة 1952.

أما الأفلام التي لا تدور حول حروب عسكرية مباشرة أو احتمالاتها فهي: «قبلة القاتل» (Killer’s Kiss، 1955)، و«القتل» (The Killing، 1956)، و«سبارتاكوس» (1960)، و«لوليتا» (1962)، و«2001: أوديسا الفضاء» (1968)، و«البرتقالة الآلية» (A Clockwork Orange، 1971)، و«باري ليندون» (1975)، و«اللمعان» (The Shining، 1980)، و«عينان مغمضتان باتساع» (Eyes Wide Shut، 1999).

ستانلي كوبريك في التصوير (وورنر برذرز)

الخوف الكبير

أفلام كوبريك الحربية 5، يتبع كل منها أسلوباً مختلفاً في نقد الحرب. بدأت هذه السلسلة سنة 1952 بفيلمه المتواضع «خوف ورغبة»، وانتهت سنة 1987 بفيلم «سترة معدنية كاملة» (Full Metal Jacket).

أفلام كوبريك الحربية ليست أفلام إثارة أو أكشن بالمعنى التقليدي، بل تضمن التشويق من خلال طرح إنساني عميق، وشخصيات تستحق التأييد والتعاطف، بصرف النظر عن مواقعها. قد تكون الحرب هي الحرب العالمية الأولى، أو حرب ڤيتنام، أو حرباً غير محددة المكان. ما يهم كوبريك هو تصوير شخصياته في الأزمات، والربط بين تصرفاتهم الفردية وبنية الحرب العامة وعبثها.

يتبدّى ذلك في فيلمه الأول في هذه المجموعة «خوف ورغبة»: 4 جنود في حرب غير محددة الجبهات أو الهوية، حيث يتوازى الخوف من العدو مع الخوف من الضياع في أرض مجهولة، وتتداخل الرغبة في النجاة مع غريزة البقاء. الفيلم متواضع التنفيذ، لكنه ذو دلالة.

«سترة معدنية كاملة» (وورنر برذرز)

لم يكن كوبريك راضياً عن هذا الفيلم، وتشير بعض الروايات إلى أنه حرق النيغاتيف، غير أن نسخاً منه مسجلة بقيت متداولة حتى اليوم.

الفيلم التالي هو «ممرات المجد» (Paths of Glory) سنة 1957، وهو أول فيلم كبير الإنتاج (والرابع في مسيرته) ينجزه كوبريك. الفيلم مقتبس عن رواية معادية للحرب ألّفها همفري كوب، وكتب السيناريو الروائي البوليسي جيم تومسون، الذي سبق أن كتب فيلم «القتل» (The Killing)، ولاحقاً شارك في كتابة فيلم سام بيكنباه «The Getaway». ينتمي الفيلم إلى الأعمال التي أرَّخت للحرب العالمية الأولى، مثل All Quiet on the Western Front» (1930)» للويس مايلستون، وThe Big Parade» (1925)» لكينغ ڤيدور، وكلاهما من أبرز الأفلام الحربية.

يقدّم كوبريك منظوراً يقوم على الدفاع عن الجندي العادي واتهام القيادة العسكرية بالفشل والتضحية بالجنود. أدَّى كيرك دوغلاس دور الضابط داكس، الذي يعارض إرسال فرقته الفرنسية لمواجهة الألمان في مهمة محكوم عليها بالفشل.

من خلال هذه الشخصية، يبرز الفيلم بوصفه عملاً معادياً للحرب، إذ يدرك داكس أن أوامر القيادة الفرنسية بمهاجمة القوات الألمانية غير واقعية، وأن مصيرها الفشل، مؤيداً تمرُّد بعض جنوده في مواجهة القيادة العسكرية.

كما يعقد كوبريك مقارنة واضحة بين حياة الجنرالات المريحة، من طعام وشراب ونوم بعيداً عن أصوات المدافع، وحياة الجنود في الخنادق تحت خطر الموت، مع نقص حاد في المؤن. وقد دفعت هذه الرسالة السلطات الفرنسية إلى منع عرض الفيلم حتى عام 1975.

تضحيات مجانية

الفيلم اللاحق لم يكن حربياً بالمعنى التقليدي، إذ لا تدور أحداثه في ساحة حرب مباشرة، بل يتناول حرباً محتملة بين القوتين العظميين: الولايات المتحدة والاتحاد السوڤياتي. إنه «دكتور سترينجلوڤ، أو: كيف تعلمت التوقف عن القلق وأحببت القنبلة» (1964).

الفيلم كوميديا سوداء عن الحرب الباردة، تنضح بمواقف سوريالية. تدور أحداثه حول طائرة لا يمكن استعادتها بعد إطلاقها، وهي تحمل قنبلة نووية متجهة لضرب موسكو. يحاول رئيس الجمهورية الأميركي (بيتر سلرز) تفادي ضربة انتقامية عبر الاتصال بالرئيس السوڤياتي (نسمعه ولا نراه)، معتذراً عن الخطأ ومشيراً إلى أن بعض صقور اليمين في إدارته يقفون وراءه.

إلى جانبه يظهر الدكتور سترينجلوڤ (يؤدي دوره سلرز أيضاً)، المستشار المقعد ذو الأطراف الميكانيكية، الذي يبدو خالياً من أي عاطفة إنسانية. كما يؤدي سلرز دور الضابط البريطاني ليونيل، الذي يحاول فهم السبب الذي دفع الجنرال ريبر (سترلينغ هايدن) إلى إطلاق الهجوم النووي. وفي الطائرة، يظهر الطيار الذي يؤدي دوره سليم بيكنز، والذي اختاره كوبريك لما عُرف به من أدوار في أفلام الغرب الأميركي. الفيلم ذو تركيبة مجنونة، يحمل تحذيراً واضحاً من ويلات حرب نووية محتملة.

يصوِّر كوبريك شخصياته في الأزمات رابطاً بين أفعالهم الفردية وبنية الحرب وعبثها

أما فيلمه الحربي الأخير فهو «سترة معدنية كاملة» (1987)، وقد قسَّمه كوبريك بإحكام إلى جزأين متكاملين. يدور الجزء الأول في مركز تدريب عسكري أميركي، حيث يتعرض أحد المجندين (ڤنسنت دونوفريو) لمعاملة قاسية من قبل الضابط المسؤول، مما يدفعه في النهاية إلى الانتحار.

ومع موته، ينتقل الفيلم إلى ساحة المعركة في ڤيتنام، حيث يطرح كوبريك نقداً مباشراً للحرب وتساؤلات حول مغزاها ومعناها. الجنود الأميركيون يقتلون ويُقتلون، ويقدّم المخرج مشهداً لفتاة ڤيتنامية شابة تتصدى لهم، في دلالة رمزية واضحة.

في معظم أفلام كوبريك، ثمة مواجهة حاسمة مع «الآخر»: مع الحاسوب في «2001: أوديسا الفضاء»، ومع المجتمع الذي ينتج العنف في «البرتقالة الآلية»، ومع الانهيار النفسي الفردي في «اللمعان».

أما فيلمه الأخير «عينان مغمضتان باتساع»، فيدور حول جماعة سريَّة تتيح لأعضائها الانغماس في الشهوات بلا قيود، وليس هذا العالم السري الذي يرسمه كوبريك بعيداً تماماً عن الواقع، إذ كشفت قضايا حديثة، مثل قضية جيفري إبستين، عن شبكات مغلقة تتقاطع فيها السلطة مع الرغبات والنفوذ.


شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)

THE RED HANGAR

★★★★★

إخراج:‫ خوان بابلو سالاتو‬

تشيلي/ فرنسا (2026)

فيلم آخر من أفلام أميركا اللاتينية السياسية

ما زالت بعض أهم الأفلام السياسية تأتي من دول أميركا اللاتينية التي عايشت أوضاعاً وتقلبات عنيفة مع انتقال سلطة قائمة إلى أخرى، غالباً بالعنف وحملات الاعتقال والاضطهاد.

في «الحظيرة الحمراء» (والمقصود بها حظيرة مطار)، مستوحى من قصة واقعية عن ضابط الطيران جورج سيلڤا (يؤديه نيكولاس زاراتي)، يشهد الانقلاب العسكري الذي طوى صفحة الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلڤادور أليندي عام 1973. صاحب الانقلاب العسكري حملات اعتقال لآلاف المؤيدين واليساريين.

الضابط سيلڤا يؤكد التزامه بالتعليمات العسكرية، ويكرِّر أنه مجرد بيدق في الخدمة وسينفذ ما يُؤمر به، لكنه في الوقت نفسه يشعر بالأسى لما يشاهده. يحاول السيطرة على مشاعره والبقاء على الحياد، لكن علاقته بالكولونيل الذي أشرف على تحويل الحظيرة إلى سجن تعذيب كانت متوترة.

في النهاية يُطرد من الخدمة ويدخل السجن لثلاث سنوات (وقد توفي في لندن قبل عامين).

لا مجال لسرد أحداث الفيلم (83 دقيقة)، إذ يقوم على حكاية محدودة التنوع تُمعن في تصوير المشاعر، يواكبها حوار مقتصد، ويرتكز أساساً على أداء زاراتي المتماسك خارجياً والمنفعل داخلياً.

هذا هو الفيلم الأول لمخرجه، وقد اختار تصويره بالأبيض والأسود تعبيراً عن ظلام تلك الفترة. لا تفوته لمحات تفصيلية ولا ملامح مكبوتة يعكسها الممثلون. هناك لقطات عديدة تنتمي إلى التفاصيل الملتقطة بعناية، وكل واحدة منها تؤكد موهبة مخرج يدرك تماماً كيف يلتقط اللحظة ويوظفها في فيلمه.

وتبرز هذه الصياغة الفنية في استخدام الصوت والموسيقى، في المقابل يعرض الفيلم ببساطة كيف تؤول التطورات، التي تدفع بقيادة المطار العسكري نحو القبول المطلق، خوفاً من عاقبة الكولونيل الذي بات الحاكم بأمره، ويحمل ثأراً قديماً ضد سيلڤا سيستخدمه حين يشاء.

ANCESTOR

★★★

إخراج: آدم خليل وزاك خليل

تسجيلي | الولايات المتحدة (2026)

بحث عن عظام مسروقة للسكان الأصليين

يستخدم هذا الفيلم عنواناً أصلياً لقبيلة من مواطني الولايات المتحدة، يعود تاريخ وجودها في ولاية ميشيغان إلى آلاف السنين، شأنها شأن باقي قبائل السكان الأصليين في أميركا. العنوان المستخدم هو «Aanikoobijigan»، ويعني «الأجداد».

الفيلم، من إخراج الأخوين آدم وزاك خليل، معني بسرد كيف تمكنت تلك القبيلة، عبر سنوات طويلة، من استعادة العظام التي نُبشت وسُرقت لتوضع في المتاحف من دون إذن أو حقوق.

«أسلاف» (مهرجان صندانس)

حسب المعتقدات المتوارثة، فإن أرواح الموتى الذين سُرقت عظامهم ستبقى هائمة إلى أن تعود تلك العظام إليها. المهمة صعبة، لذلك شُكِّلت مؤسسة ثقافية لحفظ التراث، وقد وُوجهت هذه المؤسسة، في البداية ولسنوات عدة، بتمنُّع المتاحف عن الاستجابة.

يشرح الفيلم ذلك عبر مقابلات مع شخصيات عدة (من القبيلة ومن البيض المؤيدين)، وينتهي بنجاح المحاولة واستعادة تلك العظام المنهوبة.

إنه فيلم غير متوقع من حيث الموضوع، ومباشر في تنفيذه وصنعته، يراد به توجيه الاهتمام إلى صورة من سوء معاملة البيض للسكان الأصليين. وفي فحواه، هو فيلم عن تاريخ من النظرة الفوقية التي لا تعير اهتماماً لأي معتقد أو تراث، ما يعكس عنصرية سادت التاريخ الأميركي منذ مئات السنين وحتى اليوم.

كان من الممكن إحداث بعض التنوع في الأسلوب المباشر للفيلم وانتقالاته بين الأطراف المختلفة ومواقفها، لكن، مع ذلك، فإن ما يقدمه ببساطة كافٍ لإثارة الموضوعات التي يطرحها.

THRASH

★★

إخراج: تومي ويركولا

كوارث | الولايات المتحدة (2026)

طوفان وأسماك قرش وضحايا

أفلام الكوارث، غالباً، كوارث فنية، تستغل فكرة: ماذا يمكن أن يحدث لو ضرب زلزال أو إعصار أو فيضان أو نيزك الأرض؟ خلال استعراض الحكايات، يتم تقديم أشخاص في أزمات ومواقف تنذر بالموت؛ بعضهم يموت فعلاً، والبعض الآخر ينجو قبيل إسدال الستار.

«سحق» (نتفليكس)

«سحق» (وهو عنوان غريب لفيلم) يدور حول إعصار يضرب بلدة ساحلية. ينجح قليلون في الفرار قبل وصوله، الذي يسبب فيضان البحر ويغطي الشوارع والطوابق السفلية من المنازل. لكن هذا ليس كل شيء؛ فهناك أسماك قرش تجول الآن في البلدة، تبحث عما تأكله من البشر.

ينتقل الفيلم، وفق إيقاع المخرج، بين حكايات شخصيات عدة تواجه العاصفة والطوفان والأسماك في وقت واحد، بدلاً من أن يمسك بزمام السرد عبر قصة واحدة أو اثنتين.

هناك تنفيذ نمطي بعيد عن الإبداع، وتمثيل مبرمج يسوده الخوف والصراخ. بعض الشخصيات مقدَّم على أساس أنه يستحق الموت، وأخرى تستحق الحياة، هكذا، وبكل سذاجة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«غودفيلاز» في السينما السعودية... حين يصبح العنف أسلوب حياة

روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع  راي ليوتا (imdb)
روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع راي ليوتا (imdb)
TT

«غودفيلاز» في السينما السعودية... حين يصبح العنف أسلوب حياة

روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع  راي ليوتا (imdb)
روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع راي ليوتا (imdb)

في وقتٍ تشهد فيه السينما السعودية تنوّعاً في العروض بين الجديد والكلاسيكي، يعود الفيلم الأيقوني «Goodfellas» («غودفيلاز» أو «الأصدقاء الطيبون») للمخرج مارتن سكورسيزي، الصادر عام 1990، إلى صالات العرض بوصفه واحداً من أكثر الأعمال رسوخاً في سينما العصابات. ويأتي عرضه اليوم، بتوزيع «سينيويفز»، بعد أكثر من 35 عاماً على طرحه الأول، ضمن حراك سينمائي أوسع يستعيد أعمالاً تركت بصمتها في تاريخ السينما، وامتدَّ تأثيرها عبر أجيال متعاقبة من المشاهدين.

ويستمد الفيلم قيمته من مكانته بوصفه أحد أبرز الأعمال تأثيراً في تناول عالم الجريمة المنظمة. وتأتي إعادة عرضه في صالات السينما السعودية ضمن توجه متزايد لإحياء أفلام بارزة أمام جمهور جديد، في تجربة تمنحها حياة إضافية خارج زمنها الأصلي. وخلال السنوات الأخيرة، استقبلت دور العرض السعودية عدداً من العناوين التي عادت إلى الشاشة، مثل: «تايتانيك» (1997) و«إنترستلر» (2014)، إلى جانب روائع سينمائية أخرى.

قصة حقيقية... صعود داخل العصابات

رجال العصابة بالفيلم في محاكاة للقصة التي رواها هنري هيل للصحافة (imdb)

يستند «غودفيلاز» إلى قصة حقيقية جرت أحداثها بين الخمسينات والسبعينات من القرن الماضي، داخل عالم الجريمة المنظمة في نيويورك. ويروي الفيلم حكاية هنري هيل (راي ليوتا)، الشاب الذي نشأ في حيٍّ تحكمه العصابات، وانجذب منذ طفولته إلى ما تمثِّله من قوة ونفوذ، ليتسلل تدريجياً إلى هذا العالم. وتتحول حياته من مراقبة الحلم إلى عيشه، ثم إلى مواجهة ثمنه.

يستند السيناريو إلى كتاب للصحافي نيكولاس بيليجي، الذي وثّق تجربة هنري من الداخل، اعتماداً على شهادته الشخصية وما ارتبط بها من أحداث وعلاقات وشخصيات حقيقية.

وخلال رحلته، يتعرَّف هنري إلى عدد من رجال العصابات، أبرزهم جيمي كونواي (روبرت دي نيرو)، الرجل الهادئ الذي تستند سلطته إلى الحضور والحسابات الدقيقة بعيداً عن الصخب، وتومي ديفيتو (جو بيشي)، بشخصيته الحادّة والمتقلّبة، القادر على تحويل المزاح إلى خطر في لحظة.

وفي خضمّ هذا العالم، يرتبط هنري بكارين هيل (لورين براكو)، فيتزوجها وينجب منها طفلتين. تدخل كارين هذه التجربة بدافع الإعجاب به، لكنها تجد نفسها تدريجياً داخل دوامة يصعب الخروج منها.

مشاهد أيقونية... راسخة في الذاكرة

والدة سكورسيزي الحقيقية تظهر في مشهد من الفيلم (imdb)

وقدم سكورسيزي في الفيلم أسلوباً بصرياً مختلفاً عن السائد آنذاك، جعل كثيراً من مشاهد «غودفيلاز» تُصنَّف بوصفها لقطات أيقونية تُدرَّس في بعض الجامعات. ومن أبرزها اللقطة الطويلة التي تتابع هنري وكارين في أثناء دخولهما المطعم من الباب الخلفي، متجاوزين انتظار الدور، في تجسيد واضح لطبيعة العالم الذي يعيشان فيه، وحجم النفوذ الذي بلغه هنري، حيث يصبح الوصول امتيازاً، وتُزال الحواجز.

ومن المشاهد اللافتة أيضاً مشهد «هل أنا مضحك؟»، الذي يبدأ بأجواء مرحة داخل مطعم، حين يضحك هنري على تعليق لتومي ويصفه بأنه «مضحك»، قبل أن تنقلب النبرة فجأة، مع سؤال تومي الحاد: «هل أنا مضحك؟ هل تراني مهرجاً؟». سؤال يبدو عابراً، لكنه يتحوَّل إلى اختبار قوة صامت يكشف عن توتر كامن خلف المزاح. وتنبع قوة المشهد من أداء جو بيشي، الذي يتنقّل ببراعة بين الضحك والحدّة في لحظات خاطفة، مانحاً الشخصية طابعاً متقلّباً ومقلقاً، وهو ما أسهم في فوزه بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل مساعد عن دوره في الفيلم.

روبرت دي نيرو... العقل الهادئ

روبرت دي نيرو في دور مجرم العصابات الحقيقي جيمي (imdb)

أما روبرت دي نيرو، فجسَّد شخصية جيمي كونواي، المستوحاة من المجرم الحقيقي جيمس بيرك، أحد أبرز الأسماء المرتبطة بعالم السرقة المنظمة في نيويورك خلال السبعينات. وكان بيرك العقل المدبر لعملية سرقة «لوفتهانزا» الشهيرة عام 1978، وهي من كبرى عمليات السرقة في تاريخ الولايات المتحدة، حيث جرى الاستيلاء على ملايين الدولارات من مطار جون إف كينيدي.

وتعامل دي نيرو مع الدور ببحث دقيق؛ إذ تواصل مع هنري هيل الحقيقي للوقوف على تفاصيل شخصية بيرك، من طريقة التدخين وحمل السيجارة إلى الإيماءات الدقيقة وأسلوب التعامل مع المحيطين به. وانعكست هذه الملاحظات على أدائه، حيث جاء كثير من التفاصيل الجسدية، مثل حركة اليدين، وطريقة النظر، والهدوء المتعمّد قبل اتخاذ قرار عنيف، مبنية على وصف هنري هيل للشخصية الحقيقية.

ويُعد هذا الدور من أبرز تعاونات دي نيرو مع مارتن سكورسيزي، ويأتي ضمن سلسلة أدوار أسهمت في ترسيخ صورته بوصفه أحد أهم من جسّدوا شخصيات الجريمة المنظمة في السينما الأميركية.

العنف بوصفه حياة يومية

لورين براكو تؤدي دور زوجة هنري هيل (imdb)

يقدّم الفيلم العنف بوصفه جزءاً طبيعياً من الحياة داخل هذا العالم، حيث تتعامل الشخصيات مع الخطر بالقدر نفسه الذي تتعامل به مع تفاصيلها اليومية، مما يضفي على التجربة قسوة مضاعفة. وفي كثير من المشاهد، يظهر العنف بشكل مفاجئ، قبل أن تعود الحياة إلى إيقاعها المعتاد، في تناقض حاد يترك أثراً عميقاً. ويتجلّى ذلك في مشهد العشاء داخل منزل والدة تومي، حيث تجتمع أجواء عائلية هادئة، وحديث بسيط وطعام منزلي، في وقت يدرك فيه المشاهد أن الحاضرين كانوا منخرطين في فعل عنيف قبل لحظات.

ويزداد المشهد تأثيراً بكون والدة تومي هي في الواقع والدة المخرج سكورسيزي، وقد جاء ظهورها بعفوية لافتة، إذ يبدو الحوار طبيعياً إلى حد مربك، كما لو أن الكاميرا التقطت لحظة من الحياة كما هي. هذا التداخل بين الألفة والخطر يمنح المشهد وزناً خاصاً، ويجعله عالقاً في الذاكرة.

الزمن في إيقاع الصوت

المخرج مارتن سكورسيزي يتوسط نجوم الفيلم (imdb)

يلعب الصوت في «غودفيلاز» دوراً محورياً في بناء التجربة، لا سيما من خلال التعليق الصوتي لهنري هيل (راي ليوتا)، الذي يرافق الأحداث ويكشف عن طبقات من وعي الشخصية، مقرّباً المتفرج من عالمها الداخلي بدل الاكتفاء بالمراقبة من الخارج. كما ترتبط الاختيارات الموسيقية بزمن الأحداث، مانحة الفيلم إحساساً دقيقاً بالحقبة، وتضع المشاهد داخل أجواء نيويورك في الستينات والسبعينات، حيث يتقاطع صعود العصابات مع التحولات الاجتماعية والثقافية.

ورغم أن الفيلم يتحرك داخل عالم يهيمن عليه الرجال، فإن شخصية كارين هيل (لورين براكو) تمنح الأحداث بعداً مختلفاً، إذ تكشف عن أثر هذا العالم على الحياة الخاصة. ومن خلال منظورها، يتجلّى التوتر بين الانجذاب إلى السلطة والخوف من تبعاتها، وكذلك بين البحث عن الأمان والانزلاق إلى الخطر. وفي علاقتها بهنري، تنكشف هشاشة الروابط حين تُبنى على الانبهار، ويظهر كيف يمكن للولاء أن يتحول إلى عبء، وللحب أن يصبح ساحة صراع.

اللحظات الأخيرة للفيلم حين تتصدع العلاقة بين هنري وجيمي (imdb)

يمكن القول إن عودة «غودفيلاز» إلى صالات السينما في السعودية أثارت تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث شارك الجمهور انطباعاتهم حول التجربة، في حين توقّف آخرون عند مشاهد أعادوا اكتشافها، وتناولت بعض النقاشات أداء الممثلين أو أسلوب الإخراج، بينما انشغل آخرون بالتفاصيل الدقيقة التي تتجلّى بشكل أوضح على الشاشة الكبيرة.

ومن الجدير بالذكر أن الفيلم حقق نجاحاً تجارياً وجماهيرياً لافتاً في شباك التذاكر الأميركي، بإيرادات بلغت 46.8 مليون دولار، أي ما يقارب ضعف ميزانيته المقدّرة بـ25 مليون دولار. كما رُشّح لست جوائز أوسكار، من بينها أفضل فيلم، وفاز بخمس جوائز من الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون (البافتا)، بما في ذلك أفضل فيلم وأفضل مخرج.