أيّ دروس في زمان «بريكست»؟

400 عام على طرد الأندلسيين المسلمين من بلادهم

صورة تعود لعام 1500 وتظهر تعميد مجموعة من المسلمين بعد سقوط غرناطة
صورة تعود لعام 1500 وتظهر تعميد مجموعة من المسلمين بعد سقوط غرناطة
TT

أيّ دروس في زمان «بريكست»؟

صورة تعود لعام 1500 وتظهر تعميد مجموعة من المسلمين بعد سقوط غرناطة
صورة تعود لعام 1500 وتظهر تعميد مجموعة من المسلمين بعد سقوط غرناطة

مهما كانت مرجعيتك العرقيّة أو الدينية أو الثقافيّة، فإن قراءة تاريخ الأندلسيين - الذين يُطلِقُ عليهم الإسبان المعاصرون تسمية الموريسكيين أي المور الصغار - وحرب التطهير التي شنها ملوك إسبانيا ضد الإسبان المسلمين من سقوط غرناطة - آخر ممالك المسلمين في الأندلس - عام 1492 إلى الترحيل المأساوي النهائي لنحو نصف المليون منهم عام 1614 تصيب القلب بغصة لا يمكن أن يشفى منها أبداً، وتمثّل حلقة من أفظع حروب التطهير العرقيّة - الدينيّة التي نفذتها دول ضد أقليّات من مواطنيها، ليس آخرها نكبة 1948 في فلسطين المحتلة.
«حروب التطهير» هذه يمكن أن تتكرر في عصرنا الحالي، وها هو المؤرخ البريطاني ماثيو كار يحذر العالم، في خاتمة كتابه «دماء وإيمان» الذي صدرت طبعته الجديدة أخيراً في لندن، من أن موجة الغضب المتصاعد في غير ما بلد عبر الغرب على ضفتي الأطلسي مستهدفةً الأجانب وخصوصاً المسلمين منهم، ستنتهي لأن تأخذنا إلى أجواء «هولوكوست» جديد ضد الأقليّات، في استعادة مؤلمة لما وصفه أحد الكتّاب الأوروبيين في القرن السابع عشر بأنه «الحل الإسباني النهائي لمسألة لا حل لها».
لقد شهدت أحداث تلك الفترة المؤلمة من تاريخ أوروبا اهتماماً بدا استثنائياً بين المؤرخين في العقود الأخيرة، لكنه بقي على الأغلب حبيس أبراج الأكاديميات ولم ينتقل إلى إطار الثقافة الشعبيّة، ولذا فكتاب كار محاولة جريئة لنقل التجربة إلى الجمهور الأوروبي المعاصر دون اتخاذ موقف محدد مع أي من الطرفين، ومن خلال التركيز على تقديم روايات ونصوص متنوعة لأفراد عاشوا آلام تلك المرحلة وكتبوا انطباعاتهم وشهاداتهم، علَّنا في أيام «البريكست»، وترمب، والشوفينية المتصاعدة يوماً فيوماً، نتعلم شيئًا يمنع البشريّة من تكرار إيقاع الألم بالآخر - المختلف - لمجرد الاشتباه في اختلافه.
يبدأ كار تاريخه من لحظة الأفول النهائي لممالك المسلمين في الأندلس. كانت غرناطة وقتها تمثل للنخبة المسيحيّة الحاكمة - وعلى الرغم من توقيعها على اتفاقيات سلام وتعايش مع الممالك الإسبانية في قشتالة والأراغون - نقطة ضعف استراتيجية كان لا بد من استئصالها، إذ كانت لها منافذ على البحر، وجيش لا بأس به وقد ينتهي بها الأمر إلى فتح أبوابها للأتراك العثمانيين الذين بدا نجمهم يلمع في جنوب أوروبا.
شن تحالف الملكيْن إيزابيلا وفيرديناند حرباً صليبية استمرت نحو 10 أعوام ضد غرناطة انتهت بسقوطها النهائي عام 1492. كانت تلك النقطة من مسار التاريخ مُغرقة برمزيتها بما أطلقته من نهايات وبدايات. ففي إحدى ليالي يناير (كانون الثاني) الباردة ذلك العام انتهت التجربة الأندلسيّة الفريدة - على مستوى البشريّة - لإمكان بزوغ مناخ ثقافي وعلمي فائق في إطار مجتمع متنوع سمته التسامح وقبول الآخر، إذ كانت تلك البقعة من الكوكب ولعدة قرون، وعلى رغم بعض الحروب الأهلية وصراعات الحدود والانقلابات الدمويّة، كأنها جنّة تعايش بين مدن - دول وطوائف وإثنيات وأنجزت كتباً وعلوماً وثقافة وفنوناً وموسيقى مذهلة، أقلّه مقارنة بمحيطها الأوروبي المائل إلى التعصب والتوحش والظلاميّة. أما بالنسبة للإسبان الكاثوليك فقد كانت تلك لحظةَ توحيدِ شبه الجزيرة الإيبيريّة واستعادتها من (الغزاة) المسلمين، وانطلاق الإمبراطوريّة الإسبانيّة التي استعمرت ما سُمي بالعالم الجديد.
بين هذه النهايات والبدايات، كانت هناك بداية أخرى أشبه ما تكون بنهاية؛ إنها مأساة مواطني الأندلس - مسلمين ويهوداً وحتى مسيحيين غير كاثوليك - الذين سقطت دولتهم الأخيرة، وتحولوا في يوم وليلة إلى أقليّة ورعايا غير مرغوب بهم من قبل الكاثوليك المنتصرين.
قرر الملوك الإسبان أن الديانة الوحيدة التي سيسمح بها في البلاد هي الكثلكة، وكل من لا يريد التحول عن دينه المختلف فتنبغي عليه مغادرة الأراضي الإسبانيّة من غير رجعة. وهكذا عُمّد ملايين المسلمين الذين رغبوا بالبقاء في بلادهم ككاثوليك، وطُرد اليهود الإسبان وبعض المسلمين بجلافة بعد أن أُجبروا على بيع ممتلكاتهم بقيم رمزيّة ودفع تكاليف ترحيلهم من البلاد.
لكن ذلك لم يحلّ مشكلة النقاء العرقي التي وظفتها الطبقة الحاكمة لضمان استمرار سيطرتها الغاشمة على الإمبراطوريّة وكانت زادتها الكنوز المسروقة من القارة الأميركيّة صلفاً فوق صلف، إذ إن كثيرًا من الإسبان المسلمين قبلوا التعميد تظاهراً، لكنهم في بيوتهم احتفظوا بدينهم، بل وتآمروا لشن ثورات وانتفاضات عدة ضد الحكم الجديد قمعت جميعها بعنف غير مسبوق، وأطلقت تجربة محاكم التفتيش سيئة الذكر التي كانت تصدر أحكاماً شديدة القسوة على كل من يُشك بحسن تحوله إلى الكثلكة بأقل الأشياء حتى لو كان ذلك من خلال الاستحمام - الذي كان عادة مستهجنة عند المنتصرين. بدا بعدها أن الفريقين قد وصلا إلى نقطة اللاعودة، وبدأت دوائر الحكم الإسبانيّة تسعى للبحث عن حلول أكثر جذريّة للتخلص من أقليتها الموريسكية، فكان قرار ترحيل ما يقارب المائة ألف منهم من مدنهم إلى عمق الأراضي الإسبانيّة في الشمال. لم يعد الإسبان هنا يفرقون بين موريسكيين خانعين كما رعاياهم في قشتالة وأراغون وبين الموريسكيين المتمردين شديدي الأنفة من الغرناطيين. الجميع كانوا بالنسبة للكاثوليك المنتصرين بمثابة مجرمين ولصوص وقطاع طرق ينبغي تنظيف البلاد منهم. وهكذا أرسل آلاف الموريسكيين إلى حتفهم عبر البحر باتجاه مستعمرات إسبانيا الجديدة، وابتدعت خلال عدة عقود أساليب فظّة للتخلص منهم ودفعهم للهجرة، إلى أن تبلور القرار النهائي بطردهم من البلاد عام 1609، إذ تم تجميع ما يقارب نصف المليون من السكان الموريسكيين بالعنف وأرسلوا إلى الموانئ لترحيلهم نحو شمال أفريقيا.
يصوّر كار مشاهد تدمي القلوب عن العذابات التي أُخضع لها هؤلاء المهجرون من بلادهم، إذ قضى آلاف منهم حتى قبل أن تحملهم السفن، وتفرقت العائلات، وانتهى كثير من الأطفال المسلمين إلى ترك أهلهم بالرضا أو بالعنف كي تنقذ أرواحهم بالتحول إلى الكاثوليكية، وحتى الذين نجوا من أعواء الترحيل المذلّ ونزلوا على شواطئ أفريقيا تلقفتهم عصابات لصوص شمال أفريقيا التي وجدت فيهم لقمة سائغة. وقد شاهد كار لوحات فنيّة من تلك الفترة - يحتفظ بها الآن في مجموعات خاصة - تصور انتصارات الكاثوليك على الموريسكيين الذين قاوموا محاولات اجتثاثهم من أرضهم في معركة الريف الفالانسي الأخيرة، وإحداها تُصور الجُرف الذي ألقت عشرات النساء المسلمات بأنفسهن وأطفالهن منه إلى الموت لتجنب الترحيل القسري.
اللافت في سيرة الألم هذه أمران أساسيان يثيران الرعب من إمكان استعادة المشهد القاسي راهناً؛ أولهما أن الحكام الكاثوليك لإسبانيا افتعلوا عداوات غير مبررة ضد الموريسكيين لتجييش شعوبهم، على الرغم من أن ذلك كان بالضرورة ضد مصالح البلاد الاقتصادية - حتى لو وضعنا المسألة الأخلاقيّة جانبًا - فالموريسكيون كانوا نتاج مجتمع متحضر أبدع في الحرف والصناعات والزراعة، وهكذا كان فقدانهم نزيفاً اقتصادياً أنهك الإمبراطوريّة الإسبانية، واعتبره المؤرخون أحد عوامل سقوطها لاحقاً. فالتعصب الأعمى لا شك يسمحُ للنخبة المهيمنة بأن تقود الشعوب إلى العمل حتى ضد مصالحها. أما الأمر الآخر فهو وثائق تلك المرحلة - التي اطلع عليها كار - وتظهر أن تياراً عريضاً من كوادر الدولة الإسبانيّة وقتها كانوا مصدومين من فظاظة قرارات السلطة وغير متعاطفين معها بالمطلق لمعرفتهم بحقائق الأمور على الأرض. ومع ذلك فهم كانوا ينتهون دوماً إلى تنفيذ تلك القرارات ضد رعاياهم وجيرانهم وأصدقائهم. أي أن تنفيذ برامج القتل والترحيل والتطهير العرقي التي تستهدف الآخر المستباح يتم من قبل أناس عاديين، غير فاسدين ربما وغير متحاملين يمكنهم - دون التعارض مع أي من مبادئهم الأخلاقيّة - أن يشتركوا وبكل إخلاص في تنفيذ تعليمات السلطة مهما بلغت بشاعتها وانعدام إنسانيتها.
«دماء وإيمان» صرخة في وجه أولئك الذين يريدون أن يحولوا بعنصريتهم المقيتة اليوم مستقبل البشريّة إلى مساحة مظلمة كما كانت إسبانيا قبل 400 عام من اليوم.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً