إردوغان يتعهد «تلقين الأوروبيين درساً قاسياً» في استفتاء الأحد

الاتحاد الأوروبي يستبعد تحسن العلاقات مع أنقرة

تركية ترفع علم البلاد ولافتة عليها «لا» خلال مظاهرة مناهضة للاستفتاء في إسطنبول أمس (أ.ف.ب)
تركية ترفع علم البلاد ولافتة عليها «لا» خلال مظاهرة مناهضة للاستفتاء في إسطنبول أمس (أ.ف.ب)
TT

إردوغان يتعهد «تلقين الأوروبيين درساً قاسياً» في استفتاء الأحد

تركية ترفع علم البلاد ولافتة عليها «لا» خلال مظاهرة مناهضة للاستفتاء في إسطنبول أمس (أ.ف.ب)
تركية ترفع علم البلاد ولافتة عليها «لا» خلال مظاهرة مناهضة للاستفتاء في إسطنبول أمس (أ.ف.ب)

قبل 5 أيام فقط من موعد الاستفتاء على تعديلات دستورية لتغيير نظام الحكم في تركيا من البرلماني إلى الرئاسي، الذي يوسع من صلاحيات رئيس الجمهورية، واصل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان حملته على أوروبا التي وصفها من قبل بالنازية والفاشية وبالرجل المريض، قائلا إن الأوروبيين ينزعجون من الإصلاحات الدستورية في تركيا مع أن بلادهم تحكم بأنظمة ملكية.
وأضاف إردوغان في كلمة أمام حشد من أنصاره في مدينة شانلي أورفا جنوب تركيا أمس أنه «ربما يشعر الأوروبيون بعسر هضم تجاه الإصلاحات التي تشهدها تركيا، لكننا نعرف أن ذلك يرجع إلى أسباب تاريخية وأن توصيتنا بـ(نعم) لصالح التعديلات الدستورية في الاستفتاء الذي سيجرى الأحد المقبل سيلقن هؤلاء درسا قاسيا لن ينسوه».
وعاد إردوغان ليؤكد أنه سيصادق على العودة للعمل بعقوبة الإعدام في تركيا إذا أقرها البرلمان بعد الاستفتاء على تعديل الدستور، وأنه لن يهتم بما يقوله «هانس» أو «جورج» في إشارة إلى الأوروبيين، وإنما سيهتم فقط بما يقوله أحمد ومحمد وخديجة (في إشارة إلى الأتراك).
ولوح الرئيس التركي مرارا بعودة عقوبة الإعدام منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في منتصف يوليو (تموز) الماضي للتخلص من المشاركين في محاولة الانقلاب أو المشتبه في تورطهم فيها والذين تكتظ السجون التركية بالآلاف منهم الآن، قائلا إن الأحزاب المعارضة التركية سبق وأن وافقت على العودة للعمل هذه العقوبة.
لكن من شأن العودة للعمل بعقوبة الإعدام التي ألغيت في تركيا عام 2004 في إطار المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي أن توقف هذه المفاوضات، لا سيما بعد التوتر الشديد ف العلاقات بين أنقرة وعدد من دول الاتحاد في مقدمتها ألمانيا وهولندا والسويد وسويسرا بسبب منع تجمعات للمواطنين الأتراك بمشاركة وزراء ومسؤولين أتراك، ما جعل إردوغان يتهم هذه الدول بممارسة الفاشية والنازية.
وواصل إردوغان أيضا حملته على رئيس حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة لرفضه التعديلات الدستورية، قائلا إنه يدعي أن رئيس الجمهورية في ظل النظام الرئاسي لن يكون محايدا بسبب عودة علاقته بحزبه بموجب التعديلات الدستورية، متسائلا ألم يكن مؤسس حزبكم (الشعب الجمهوري) مصطفى كمال أتاتورك رئيسا للجمهورية ورئيسا للحزب في الوقت نفسه فهل فقد حياديته؟، وقال إن من يعارضون النظام الرئاسي هم المنظمات الإرهابية ومن يدعمونها.
في السياق نفسه، اعتبر رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أن ثمة من يهاجمون بلاده ورئيسها، لأنها «تكافح كي لا تكون تابعة لأحد»، ولأن رئيسها رجب طيب إردوغان «يقول ما ينبغي قوله».
وقال يلدريم في كلمة أمس خلال «ملتقى التجار» الذي نظمه فرع حزب العدالة والتنمية الحاكم، بولاية إزمير غربي البلاد إن إردوغان يقول للقوى الخارجية لا يمكنكم تنفيذ عملية في المنطقة رغما عن تركيا وإن هذا الموقف «الممانع» لم يكن ممكنا في الماضي، بسبب عدم امتلاك تركيا القوة الكافية آنذاك، معتبرا أن تركيا «تخوض نضالا مشرفا كي لا تكون تابعة لأحد»، وأنها ضمانة للاستقرار في المنطقة. ولفت إلى تطوير تركيا قدراتها العسكرية محلياً، وأنه بات بوسعها صناعة مختلف التجهيزات والعتاد اللازمة للدفاع عن أمنها، وأنها قلصت الاعتماد على الخارج في كثير من المجالات.
وكشف أن نسبة الاعتماد على الإمكانات المحلية في الصناعات العسكرية، ارتفعت من 24 في المائة إلى 65 في المائة في عهد العدالة والتنمية الذي يحكم البلاد منذ عام 2002.
وأشار إلى أن أنصار المنظمات الإرهابية في أوروبا، يروجون للتصويت ضد التعديلات الدستورية التي تشمل الانتقال إلى النظام الرئاسي، بدعم من قبل بعض دول «القارة العجوز» لكنهم مهما استماتوا من أجل الترويج للتصويت بــ«لا» في الاستفتاء فإن الشعب التركي سيلقنهم الدرس اللازم في صناديق الاقتراع يوم 16 أبريل (نيسان) الجاري.
في المقابل، قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين إن العلاقات مع أوروبا يمكن أن تتحسن في حال عدم توددها لليمين المتطرف، وتخليها عن إيواء الإرهابيين والمواقف العدوانية تجاه تركيا ومواطنيها المغتربين.
ونفى كالين الادعاءات التي ترددها دول غربية فضلا عن بعض أحزاب المعارضة التركية، القائلة بأن الانتقال إلى النظام الرئاسي إنما هو سعي من قبل الرئيس رجب طيب إردوغان لتأسيس «نظام سلطة الفرد الواحد».
ونوه في مقابلة تلفزيونية إلى أنه في حال إقرار التعديلات الدستورية سيتعزز فصل السلطات، وسيكون البرلمان مخولا للمرة الأولى بفتح تحقيق حول ممارسات رئيس الجمهورية، فضلا عن إمكانية التوجه إلى انتخابات رئاسية مبكرة إن تطلب الأمر.
وأوضح أن الرئيس يتمتع بحصانة شبه مطلقة في النظام الحالي، ما دام لم يُتهم بـ«الخيانة الوطنية». وأوضح كالين أن تحميل مسؤولية التوتر بين تركيا والاتحاد الأوروبي لكلا الطرفين بشكل متساو لا يعكس الحقيقة، متهما الكثير من الدول الأوروبية باحتضان منظمات إرهابية تورطت في سفك دماء الأبرياء في تركيا.
وبدوره، انتقد نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة التركية نعمان كورتولمش مواقف بعض الدول الأوروبية تجاه تركيا قائلاً: «أوروبا أقدمت على خطوات لم تقدم عليها في تاريخها، فبعض الدول الأوروبية تدخلت بشكل مباشر في شؤون تركيا الداخلية وأصبحت طرفاً في الاستفتاء على التعديلات الدستورية».
وأضاف في مقابلة تلفزيونية أمس أنّ التيارات العرقية والحركات النازية الآخذة بالتصاعد في عموم القارة الأوروبية، تؤثّر بشكل كبير في سياسات الاتحاد الأوروبي.
وفي السياق ذاته، أعلنت وزيرة الأسرة والشؤون الاجتماعية التركية، فاطمة بتول صيان كايا عزمها رفع دعوى قضائية ضد هولندا، على خلفية منعها من التوجه لمقر قنصلية بلادها في مدنية روتردام، لعقد لقاءات مع الجالية ودبلوماسيين أتراك هناك، في مارس (آذار) الماضي. وأضافت أن ما عاشته في هولندا لا يتماشى أبدا مع الأعراف الدبلوماسية وأن ما تعرضت له من معاملة في هولندا وأزمة اللاجئين أظهرت أن الاتحاد الأوروبي بات بعيداً عن قيمه.
من جانبه، استبعد مسؤولون في الاتحاد الأوروبي أن يؤدي الاستفتاء إلى تخفيف حدة التوتر في علاقات تركيا مع الاتحاد، كما أنه يمثل مجازفة بالقضاء على سعي أنقرة للانضمام إلى عضويته.
وقال المسؤولون إنه حتى إذا لم يوافق الناخبون على منح إردوغان الرئاسة التنفيذية التي يريدها في استفتاء يوم الأحد فسيلحق ضررا بالديمقراطية والنظام القضائي في تركيا ومن المرجح أن يمارس الرئيس ضغطا أكبر على منتقديه.
بدوره، قال مارك بيريني سفير الاتحاد الأوروبي السابق لدى تركيا، والذي يعمل الآن بمركز كارنيغي أوروبا: «ما من نتيجة طيبة».
وأضاف: «ثمة فجوة واسعة بين القادة الأوروبيين وإردوغان، ولا أرى أن من الممكن إصلاحها بسهولة». وتوقع أن يحدث «صمت مهذب» من جانب الاتحاد الأوروبي في حالة فوزه في الاستفتاء، حسب ما نقلت عنه وكالة رويترز للأنباء.
ويقول مسؤولو الاتحاد الأوروبي إن التصورات الأخرى قاتمة أيضا. وإذا ما كانت نتيجة الاستفتاء موضع نزاع فمن المرجح أن تنذر بفترة من عدم الاستقرار وربما بالمزيد من العنف.
أما الخسارة بفارق بسيط فستبقي على إردوغان في منصبه، إذ لا خلاف على مكانته كسياسي صاحب أكبر شعبية في تركيا. وقال مسؤولو الاتحاد الأوروبي إنه قد يقدم موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقرر حاليا أن تجري في 2019 سواء كانت نتيجة الاستفتاء فوزا أم هزيمة. إلا أن التصور المثالي من وجهة نظر بروكسل هو حدوث فترة من الهدوء في أعقاب الاستفتاء تتيح للاتحاد الأوروبي وتركيا إعادة ضبط العلاقات وتحديث الاتحاد الجمركي الذي يربط الطرفين، بل وربما تخفيف قواعد التأشيرات لسفر الأتراك إلى دول الاتحاد. وقال المسؤول أوروبي إن من الشروط الواجب تحققها لكي يحدث ذلك انفراج محادثات إعادة توحيد شطري قبرص، حيث تواجه تركيا كلا من نيقوسيا وأثينا.
وأضاف: «لا توجد نتيجة طيبة بالكامل لنا في أي حال من الأحوال. لكن بعض السيناريوهات ستكون أسوأ من غيرها»، وتوقع أن يعمد إردوغان إلى مراجعة العلاقات مع الاتحاد الأوروبي أيا كانت النتيجة.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».