الإرهاب ضرب مقر الكرسي البابوي بالإسكندرية

شهود عيان لـ «الشرق الأوسط»: رجال الشرطة منعوا الانتحاري من اغتيال البابا تواضروس

أحد القساوسة في حالة ذهول بعد تفجير كنيسة الإسكندرية (أ.ف.ب)
أحد القساوسة في حالة ذهول بعد تفجير كنيسة الإسكندرية (أ.ف.ب)
TT

الإرهاب ضرب مقر الكرسي البابوي بالإسكندرية

أحد القساوسة في حالة ذهول بعد تفجير كنيسة الإسكندرية (أ.ف.ب)
أحد القساوسة في حالة ذهول بعد تفجير كنيسة الإسكندرية (أ.ف.ب)

«المشهد مؤسف جثث ودماء في كل مكان، عشرات من الجرحى والمصابين، شباب وأطفال يسيرون وأجسادهم تنزف إما أجزاء منها مقطوعة أو مشوهة بالشظايا، الكل في حالة هلع». هكذا روى عمرو صلاح، مدير بشركة «شيك» للأزياء بمحطة الرمل، لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل اللحظات التي أعقبت التفجير الإرهابي بشارع كنيسة الأقباط أمام بوابة الكنيسة المرقسية بالإسكندرية، قائلا: «بعد دقائق من انتهائي من صلاة الظهر في المسجد المواجه للكنيسة المرقسية صعدت لمكتبي في العقار المجاور لها، وقد شعرنا باهتزاز العقار بشكل مروع وكأنه زلزال، هرعت أنا وزملائي في محاولة لمساعدة المصابين والجرحى وهم من المسلمين والمسيحيين وبينهم أطفال ومراهقون ورجال ونساء».
وتكمن أهمية هذه الكنيسة في أنها تضم الكرسي البابوي في الإسكندرية والذي يترأسه بابا الأقباط الأرثوذكس في العالم، وهو البابا تواضروس الآن، فضلا عن أنها تضم رفات وموضع دفن مار مرقس الرسول الذي نقل تعاليم المسيحية لمصر، وبعد وفاة مار مرقس دفن في موضع أسفل هذه الكنيسة وأصبحت من بعده عادة دفن الآباء البطاركة الإسكندريين مع جسد مار مرقس إلى جواره. ويعتبرها مسيحيو المذهب الأرثوذوكسي أهم الكنائس لديهم. يقول صلاح الذي يتردد على محيط الكنيسة يوميا بحكم عمله أن الأمن كان غاية في التشدد في تفتيش المواطنين، صباح أمس ولم يكن يسمح لأي مواطن غير مسيحي بالمرور من الشارع، موضحا «حتى أنني ظللت أكثر من ساعة حتى أستطيع المرور لمكان عملي، حقيقة لم يكن هناك تقصير أمني على الإطلاق ومنطقة محطة الرمل طوال الوقت يتم تأمينها بشكل ممتاز».
وبنبرة حزن شديد قال: «للأسف الشارع كان مكتظا على غير العادة في يوم الأحد، الكثير من المارة كانوا يتسوقون في المحال التجارية، في فترة شم النسيم الكل ينتظر هذا الوقت من العام للاحتفال، وعشرات الباعة الجائلين افترشوا المنطقة لكسب الرزق مع توافد آلاف المسيحيين على الكنيسة في أحد السعف».
وعقب وقوع التفجير قال المتحدث باسم وزارة الصحة المصرية إن عدد شهداء التفجير وصل إلى 11 شخصا رجالا ونساء ونحو 40 مصابا كتعداد أولي.
فيما أصدرت الداخلية بيانا قالت فيه إن رجال الشرطة تصدوا للانتحاري ومنعوه من دخول الكنيسة، مما أسفر عن مقتل العميد نجوى الحجار، والرائد عماد الركايبي، والرائد محمد رفعت، وأمين شرطة أحمد إبراهيم.
وتقول السيدة منى بيتر، التي نجت من الحادث عقب حضورها القداس، «بعد خمس دقائق من خروجي أنا وابنتي من باب الكنيسة وذهابي للتسوق بمركز تسوق الفلكي في أول الشارع الذي تقع به الكنيسة سمعت دوي الانفجار، خرجنا سريعا لنرى ما حدث وللأسف أصيب عدد من جيراننا في الحادث الإرهابي».
وتصيح السيدة منى بيتر بصرخات ممزوجة بالألم: «نشكر ربنا... لولا رجال الشرطة لكان البابا مع الضحايا، لكن رجال الشرطة تصدوا للانتحاري ومنعوه من الدخول، عزائي لأسرة ابننا الغالي ضابط الشرطة الذي ضحى بنفسه وجميع الشهداء».
أما الشابة كريستين ميلاد، 25 سنة، فكانت بصحبة أسرتها للصلاة، تروي: «قرأت عبر موقع تويتر عن تفجير كنيسة مارجرجس بطنطا وكنا نصلي داعين أن يحفظ الله مصر، ويعزي أسر الشهداء، وجدنا الكنيسة وكأن زلزالا ضربها لدرجة أنني وجدت نفسي وقد وقعت إلى جوار أمي، بالطبع سادت حالة هلع وخوف وبكاء لكن رجال الشرطة والكنيسة قاموا بتهدئتنا بأن الشرطة منعت الإرهابي من الدخول» وأضافت: «الإرهابيون يحاولون التفرقة بيننا وبين إخوتنا المسلمين والنيل من وحدتنا لكنه أمر مستحيل».
وتقع كاتدرائية مار مرقس الرسول بالإسكندرية (بطريركية الأقباط الأرثوذكس)، على مقربة من محطة ترام الرمل وميدان سعد زغلول بوسط الإسكندرية، حيث تقع بوابتها الرئيسية على شارع كنيسة الأقباط بمحطة الرمل ولها مدخل من شارع النبي دانيال. وهي تعد أهم كنيسة بالمدينة التي اشتهرت بنضالها ضد الاضطهاد الروماني للمسيحية. وموضع هذه الكنيسة عرف على مدى تاريخه الطويل بعدة أسماء مختلفة هي: بيت إنيانو، بوكاليا (أي دار البقر)، كنيسة أسفل الأرض، كنيسة مار جرجس، وأخيراً كنيسة مار مرقس.
ويعود تاريخ هذه الكنيسة إلى تاريخ دخول المسيحية لمصر، وكانت مقرا كنسيا صغيرا وفي نحو عام 539 إلى 540م. أصدر الإمبراطور جستنيان أمراً بالاستيلاء على جميع كنائس مصر، ونفذ الأمر بشدة في مدينة الإسكندرية فأخذت جميع كنائسها من يد أصحابها الأقباط المصريين وسلمت إلى أصحاب المذهب الخلقيدوني من الروم، وبذلك صارت في حوزتهم زماناً طويلاً، وعندما فتح العرب أرض مصر بقيادة عمر بن العاص 644. أصدر أمره بعودة البابا بنيامين (38) بعد هروبه من اضطهاد الرومان لمدة 13 عاماً، كما سمح للأقباط باسترجاع كنائسهم التي سلبها منهم الروم.
وبعد أن عادت ملكية الكنيسة للأقباط، أعاد البابا خرسطوذولس تدشينها في عام 1046، فأعطاها اسما جديداً وهو اسم «مار جرجس»، وظل هذا الاسم هو المتداول عنها في كل الكتابات والمخطوطات إلى عام 1800. لذا اعتبرت هي الكاتدرائية الكبرى الفعلية للأقباط بالمدينة من القرن السابع الميلادي. وفي عهد الحملة الفرنسية (1800)، تهدمت الكنائس الثلاث التي كانت موضع الكنيسة المرقسية، وفي سنة 1804. قام البابا مرقس الثامن بتجديد كنيسة القديس مار جرجس.
وحصلت «الشرق الأوسط» على صورتين للبابا تواضروس وقت وقوع التفجير وهو يبدو في حالة حزن شديد وصدمة، وذلك عبر المسؤول الإعلامي للكنيسة. وقد حاولت «الشرق الأوسط» الاتصال بعدد من رجال الكنيسة، إلا إنهم كانوا في حالة صدمة من الحادثين الإرهابيين، وبصوت حزين، أجاب سكرتير البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، القس أنجيليوس إسحاق، وهو يجهش بالبكاء، معتذرا عن عدم التعليق على الحادثين، مؤكدا أن «البابا بخير ولم يصب بأذى جراء الانفجار الذي وقع أمام الكنيسة المرقسية (المقر البابوي) بالإسكندرية، وغادر المقر البابوي بالإسكندرية عقب قداس (أحد الشعانين)». و«أحد الشعانين» هو الأحد السابع والأخير من الصوم الكبير الذي يسبق عيد الفصح عند المسيحيين.
وتناقلت قنوات إعلامية مصرية تصريحات قيل إنها عن البابا تواضروس قال فيها: «إن الأعمال الإرهابية الآثمة لن تنال من وحدة وتماسك الشعب المصري في مواجهة الإرهاب»، في إدانة للحادثين الإرهابيين اللذين وقعا صباح أمس الأحد في كنيستي «مار جرجس» بطنطا و«مار مرقس» بالإسكندرية وأسفرا عن سقوط عدد من «الشهداء» والجرحى.
وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وقع تفجير في قاعة الصلاة بالكنيسة البطرسية بالقاهرة، وهي الكنيسة الملاصقة للكاتدرائية المرقسية بالعباسية، أثناء صلاة القداس، ما أدى إلى مقتل 29 شخصاً إضافة إلى مرتكب الحادث، وإصابة العشرات. ويعد توقيت الحادثين الإرهابيين حرجا للغاية، قبل نحو أسبوعين من زيارة بابا الفاتيكان فرنسيس لمصر، خلال يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، وهي الأولى منذ عام 2000؛ حيث كانت آخر زيارة لبابا الفاتيكان للقاهرة من قبَل البابا يوحنا بولس الثاني.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.