«المشهد مؤسف جثث ودماء في كل مكان، عشرات من الجرحى والمصابين، شباب وأطفال يسيرون وأجسادهم تنزف إما أجزاء منها مقطوعة أو مشوهة بالشظايا، الكل في حالة هلع». هكذا روى عمرو صلاح، مدير بشركة «شيك» للأزياء بمحطة الرمل، لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل اللحظات التي أعقبت التفجير الإرهابي بشارع كنيسة الأقباط أمام بوابة الكنيسة المرقسية بالإسكندرية، قائلا: «بعد دقائق من انتهائي من صلاة الظهر في المسجد المواجه للكنيسة المرقسية صعدت لمكتبي في العقار المجاور لها، وقد شعرنا باهتزاز العقار بشكل مروع وكأنه زلزال، هرعت أنا وزملائي في محاولة لمساعدة المصابين والجرحى وهم من المسلمين والمسيحيين وبينهم أطفال ومراهقون ورجال ونساء».
وتكمن أهمية هذه الكنيسة في أنها تضم الكرسي البابوي في الإسكندرية والذي يترأسه بابا الأقباط الأرثوذكس في العالم، وهو البابا تواضروس الآن، فضلا عن أنها تضم رفات وموضع دفن مار مرقس الرسول الذي نقل تعاليم المسيحية لمصر، وبعد وفاة مار مرقس دفن في موضع أسفل هذه الكنيسة وأصبحت من بعده عادة دفن الآباء البطاركة الإسكندريين مع جسد مار مرقس إلى جواره. ويعتبرها مسيحيو المذهب الأرثوذوكسي أهم الكنائس لديهم. يقول صلاح الذي يتردد على محيط الكنيسة يوميا بحكم عمله أن الأمن كان غاية في التشدد في تفتيش المواطنين، صباح أمس ولم يكن يسمح لأي مواطن غير مسيحي بالمرور من الشارع، موضحا «حتى أنني ظللت أكثر من ساعة حتى أستطيع المرور لمكان عملي، حقيقة لم يكن هناك تقصير أمني على الإطلاق ومنطقة محطة الرمل طوال الوقت يتم تأمينها بشكل ممتاز».
وبنبرة حزن شديد قال: «للأسف الشارع كان مكتظا على غير العادة في يوم الأحد، الكثير من المارة كانوا يتسوقون في المحال التجارية، في فترة شم النسيم الكل ينتظر هذا الوقت من العام للاحتفال، وعشرات الباعة الجائلين افترشوا المنطقة لكسب الرزق مع توافد آلاف المسيحيين على الكنيسة في أحد السعف».
وعقب وقوع التفجير قال المتحدث باسم وزارة الصحة المصرية إن عدد شهداء التفجير وصل إلى 11 شخصا رجالا ونساء ونحو 40 مصابا كتعداد أولي.
فيما أصدرت الداخلية بيانا قالت فيه إن رجال الشرطة تصدوا للانتحاري ومنعوه من دخول الكنيسة، مما أسفر عن مقتل العميد نجوى الحجار، والرائد عماد الركايبي، والرائد محمد رفعت، وأمين شرطة أحمد إبراهيم.
وتقول السيدة منى بيتر، التي نجت من الحادث عقب حضورها القداس، «بعد خمس دقائق من خروجي أنا وابنتي من باب الكنيسة وذهابي للتسوق بمركز تسوق الفلكي في أول الشارع الذي تقع به الكنيسة سمعت دوي الانفجار، خرجنا سريعا لنرى ما حدث وللأسف أصيب عدد من جيراننا في الحادث الإرهابي».
وتصيح السيدة منى بيتر بصرخات ممزوجة بالألم: «نشكر ربنا... لولا رجال الشرطة لكان البابا مع الضحايا، لكن رجال الشرطة تصدوا للانتحاري ومنعوه من الدخول، عزائي لأسرة ابننا الغالي ضابط الشرطة الذي ضحى بنفسه وجميع الشهداء».
أما الشابة كريستين ميلاد، 25 سنة، فكانت بصحبة أسرتها للصلاة، تروي: «قرأت عبر موقع تويتر عن تفجير كنيسة مارجرجس بطنطا وكنا نصلي داعين أن يحفظ الله مصر، ويعزي أسر الشهداء، وجدنا الكنيسة وكأن زلزالا ضربها لدرجة أنني وجدت نفسي وقد وقعت إلى جوار أمي، بالطبع سادت حالة هلع وخوف وبكاء لكن رجال الشرطة والكنيسة قاموا بتهدئتنا بأن الشرطة منعت الإرهابي من الدخول» وأضافت: «الإرهابيون يحاولون التفرقة بيننا وبين إخوتنا المسلمين والنيل من وحدتنا لكنه أمر مستحيل».
وتقع كاتدرائية مار مرقس الرسول بالإسكندرية (بطريركية الأقباط الأرثوذكس)، على مقربة من محطة ترام الرمل وميدان سعد زغلول بوسط الإسكندرية، حيث تقع بوابتها الرئيسية على شارع كنيسة الأقباط بمحطة الرمل ولها مدخل من شارع النبي دانيال. وهي تعد أهم كنيسة بالمدينة التي اشتهرت بنضالها ضد الاضطهاد الروماني للمسيحية. وموضع هذه الكنيسة عرف على مدى تاريخه الطويل بعدة أسماء مختلفة هي: بيت إنيانو، بوكاليا (أي دار البقر)، كنيسة أسفل الأرض، كنيسة مار جرجس، وأخيراً كنيسة مار مرقس.
ويعود تاريخ هذه الكنيسة إلى تاريخ دخول المسيحية لمصر، وكانت مقرا كنسيا صغيرا وفي نحو عام 539 إلى 540م. أصدر الإمبراطور جستنيان أمراً بالاستيلاء على جميع كنائس مصر، ونفذ الأمر بشدة في مدينة الإسكندرية فأخذت جميع كنائسها من يد أصحابها الأقباط المصريين وسلمت إلى أصحاب المذهب الخلقيدوني من الروم، وبذلك صارت في حوزتهم زماناً طويلاً، وعندما فتح العرب أرض مصر بقيادة عمر بن العاص 644. أصدر أمره بعودة البابا بنيامين (38) بعد هروبه من اضطهاد الرومان لمدة 13 عاماً، كما سمح للأقباط باسترجاع كنائسهم التي سلبها منهم الروم.
وبعد أن عادت ملكية الكنيسة للأقباط، أعاد البابا خرسطوذولس تدشينها في عام 1046، فأعطاها اسما جديداً وهو اسم «مار جرجس»، وظل هذا الاسم هو المتداول عنها في كل الكتابات والمخطوطات إلى عام 1800. لذا اعتبرت هي الكاتدرائية الكبرى الفعلية للأقباط بالمدينة من القرن السابع الميلادي. وفي عهد الحملة الفرنسية (1800)، تهدمت الكنائس الثلاث التي كانت موضع الكنيسة المرقسية، وفي سنة 1804. قام البابا مرقس الثامن بتجديد كنيسة القديس مار جرجس.
وحصلت «الشرق الأوسط» على صورتين للبابا تواضروس وقت وقوع التفجير وهو يبدو في حالة حزن شديد وصدمة، وذلك عبر المسؤول الإعلامي للكنيسة. وقد حاولت «الشرق الأوسط» الاتصال بعدد من رجال الكنيسة، إلا إنهم كانوا في حالة صدمة من الحادثين الإرهابيين، وبصوت حزين، أجاب سكرتير البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، القس أنجيليوس إسحاق، وهو يجهش بالبكاء، معتذرا عن عدم التعليق على الحادثين، مؤكدا أن «البابا بخير ولم يصب بأذى جراء الانفجار الذي وقع أمام الكنيسة المرقسية (المقر البابوي) بالإسكندرية، وغادر المقر البابوي بالإسكندرية عقب قداس (أحد الشعانين)». و«أحد الشعانين» هو الأحد السابع والأخير من الصوم الكبير الذي يسبق عيد الفصح عند المسيحيين.
وتناقلت قنوات إعلامية مصرية تصريحات قيل إنها عن البابا تواضروس قال فيها: «إن الأعمال الإرهابية الآثمة لن تنال من وحدة وتماسك الشعب المصري في مواجهة الإرهاب»، في إدانة للحادثين الإرهابيين اللذين وقعا صباح أمس الأحد في كنيستي «مار جرجس» بطنطا و«مار مرقس» بالإسكندرية وأسفرا عن سقوط عدد من «الشهداء» والجرحى.
وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وقع تفجير في قاعة الصلاة بالكنيسة البطرسية بالقاهرة، وهي الكنيسة الملاصقة للكاتدرائية المرقسية بالعباسية، أثناء صلاة القداس، ما أدى إلى مقتل 29 شخصاً إضافة إلى مرتكب الحادث، وإصابة العشرات. ويعد توقيت الحادثين الإرهابيين حرجا للغاية، قبل نحو أسبوعين من زيارة بابا الفاتيكان فرنسيس لمصر، خلال يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، وهي الأولى منذ عام 2000؛ حيث كانت آخر زيارة لبابا الفاتيكان للقاهرة من قبَل البابا يوحنا بولس الثاني.
الإرهاب ضرب مقر الكرسي البابوي بالإسكندرية
شهود عيان لـ «الشرق الأوسط»: رجال الشرطة منعوا الانتحاري من اغتيال البابا تواضروس
أحد القساوسة في حالة ذهول بعد تفجير كنيسة الإسكندرية (أ.ف.ب)
الإرهاب ضرب مقر الكرسي البابوي بالإسكندرية
أحد القساوسة في حالة ذهول بعد تفجير كنيسة الإسكندرية (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




