ماذا بعد رسالة ترمب الصاروخية إلى الأسد؟

قراءة سياسية للضربة الأميركية

جانب من قاعدة الشعيرات الجوية بعد اصابتها بالصواريخ الأميركية (أ.ف.ب)
جانب من قاعدة الشعيرات الجوية بعد اصابتها بالصواريخ الأميركية (أ.ف.ب)
TT

ماذا بعد رسالة ترمب الصاروخية إلى الأسد؟

جانب من قاعدة الشعيرات الجوية بعد اصابتها بالصواريخ الأميركية (أ.ف.ب)
جانب من قاعدة الشعيرات الجوية بعد اصابتها بالصواريخ الأميركية (أ.ف.ب)

ماذا بعد؟ كان هذا السؤال الذي شاع وانتشر في العواصم الغربية بعد ساعات من توجيه الولايات المتحدة الأمر بشن هجوم صاروخي على قاعدة الشعيرات الجوية السورية، وهو الهجوم الذي دمر 9 طائرات قاذفة وتسبب في إعطاب 5 طائرات أخرى على نحو ما ذكرت التقارير الإخبارية.
حاول بعض المحللين الاجتهاد لسبر غور هذه العملية المخطط لها بعناية فائقة، مدعين أنها تعد بداية لاستراتيجية أميركية واسعة النطاق فيما يتعلق بسوريا. وهوّن البعض الآخر من الأمر واصفين العملية بأنها مجرد خطوة ترمي إلى تعزيز موقف الرئيس دونالد ترمب وتؤكد أنه الرجل الذي يعني ما يقول.
الحقيقة أنه من السابق لأوانه كثيرا تحديد أي وجهات النظر الأقرب إلى الحقيقة والواقع. ولكن لدينا هنا عدد من النقاط المؤكدة بالفعل.
أولا، العملية كانت مصحوبة بتصريحات رسمية من كبار المسؤولين الأميركيين، بما في ذلك وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، بأن واشنطن تعود إلى مطالبها الأولى بأن أي تسوية في سوريا لا بد أن تشتمل على جدول زمني واضح المعالم، ومحدد الخطوات، وقصير الأمد... ذلك الذي ينتهي بمغادرة الرئيس بشار الأسد السلطة في البلاد.
بعبارة أخرى، إن إدارة الرئيس ترمب قد اعتمدت ما يسمى قرارات جنيف 1 التي تشمل تحديداً نهاية حكم آل الأسد في سوريا، باعتبارها النقطة المرجعية الرئيسية إزاء أي اتفاقيات مستقبلية تتضمن روسيا وغيرها من البلدان. كما أن اتفاقات جنيف 1 تحظى بدعم قوي من جانب الاتحاد الأوروبي وغالبية الدول العربية المعنية. ولقد تأكد الدعم العربي لاتفاقات جنيف 1 من خلال تصريحات العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أثناء مؤتمر القمة الذي جمعه بالرئيس دونالد ترمب في واشنطن مؤخرا.
والنقطة الواضحة الثانية تدور حول تخلي الإدارة الأميركية الحالية عن الموقف المتخذ من جانب الرئيس الأسبق باراك أوباما - أي فكرة «القيادة من الكواليس» - واستئناف الدور القيادي التقليدي الذي اعتادت الولايات المتحدة الاضطلاع به في القضايا ذات الأهمية الكبرى على الصعيد العالمي. وحقاً، تشير سرعة الترحيب الدولية بالهجوم الصاروخي الأميركي على قاعدة الشعيرات السورية من جانب الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة، وعلى رأسهم بريطانيا العظمى وفرنسا، إلى أن حلف شمال الأطلسي «ناتو» يؤيد قرار الرئيس ترمب بإنهاء الدور الأميركي السلبي فيما يتعلق بسوريا.
وأمس، تحدث وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون بعبارات رنانة حول الخطوة الأميركية الأخيرة، مؤكدا أن رحيل الرئيس الأسد عن السلطة عاد، مرة أخرى، ليتصدر قائمة أولويات الأجندة الأميركية. أما الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، الذي شعر بنوع من الخيانة من جانب الرئيس الأسبق أوباما لتراجعه في اللحظة الأخيرة عن مزاعمه حول سياسة «الخطوط الحمراء» المعلنة، فقد رحب كثيرا بالقرار المتخذ من جانب الرئيس دونالد ترمب.
والنقطة الواضحة الثالثة لدينا تتعلق بآليات الدولة في الولايات المتحدة الأميركية، ونقصد في هذه الحالة وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على وجه التحديد، التي عادت إلى نشاطها الأول المعهود. ولقد كانت تلك الآلية قيد الحياد الغريب في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما من قبل البيت الأبيض وقرارات الاعتراض الرئاسية على العمليات التي أشار إلى ضرورتها كثير من الخبراء والقادة العسكريين والدبلوماسيين، وفي كثير من الأحيان كانت تلك الاعتراضات تصدر في اللحظات الأخيرة.
وفي وقت سابق من الشهر الحالي، رفع الرئيس ترمب القيود المفروضة من قبل الرئيس أوباما على وزارة الدفاع الأميركية، وأصدر أوامره إلى وزير الدفاع الجنرال جيمس ماتيس بإعادة تفعيل آليات التخطيط الطارئة في جيش الولايات المتحدة الأميركية.
لقد كان الهجوم الصاروخي الخميس الماضي عبارة عن عملية عسكرية تقليدية من النوع الذي استخدمه مختلف رؤساء الولايات المتحدة منذ عهد الرئيس الراحل رونالد ريغان، الذي أصدر الأوامر بشن هجوم مماثل على قواعد المسلحين في لبنان. وفي أعقاب الهجوم الأول الذي شنه تنظيم القاعدة الإرهابي على مركز التجارة العالمي في نيويورك في فبراير (شباط) من عام 1993، استخدم الرئيس الأسبق بيل كلينتون الهجمات الصاروخية ضد القواعد الإرهابية في السودان وأفغانستان.
بعد ذلك، فإن الهجوم الصاروخي، حتى وإن تبين أنه لا يزيد على كونه ممارسة «إشارية» دبلوماسية، فهو يُضعف الادعاءات بأن إدارة الرئيس ترمب تتسق، بطريقة أو بأخرى، مع المسارات المتخذة من جانب الكرملين حيال القضايا الدولية الكبرى على أدنى تقدير.
وأخيرا، إذا كانت خطوة الرئيس ترمب تشير إلى عودة الولايات المتحدة لتولي دورها القيادي في العالم، فإن ذلك يعني ارتفاع احتمالات توجه الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة بمساوقة سياساتهم الخارجية حيال الأزمة السورية مع سياسات الولايات المتحدة. وكان موقف الرئيس أوباما الغريب قد خلق نوعاً من التنافر أدى إلى اتخاذ مواقف متضاربة ونشوء سلوكيات متضادة من قبل الحلفاء الإقليميين وحلف شمال الأطلسي حيال الأزمة السورية.
إن الهجوم الصاروخي، بمعزل عن أمور أخرى، هو أكثر من مجرد وسيلة للبعث برسالة سياسية معينة. وفي هذه الحالة، فإن الرسالة الموجهة إلى الأسد ومن يدعمونه في موسكو وطهران هي أن كل عمل سوف يلقى عواقبه الخاصة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر باستخدام الأسلحة الكيماوية. وحقيقة أن الأسلحة الكيماوية والجرثومية هي، على نحو تقريبي، الأنواع الوحيدة المحظورة من الأسلحة فوق التقليدية بموجب المعاهدات الدولية، تشير إلى حالة الرعب والهلع التي تنتاب العالم المعاصر إزاء هذه الأسلحة.
ومن المحتمل أن يكون الأسد قد أراد اختبار ردود فعل الرئيس ترمب، ومعرفة ما إذا كان الرئيس الأميركي الجديد سوف يبتلع الهجوم الكيماوي بطريقة رد الفعل السلبي نفسها، التي بدرت من الرئيس باراك أوباما. وإذا كان الأمر كذلك، فلقد كان الرد واضحا وقويا لدى الرئيس السوري. وربما تخلى الرئيس ترمب عن وهمه السابق بسهولة رحيل الرئيس الأسد عن السلطة في سوريا على المدى الطويل. وربما رغب الرئيس الأسد، الذي يزعم أن فريقه على وشك الفوز في الحرب الطاحنة، في محاكاة تجربة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي «فاز» في حربه ضد الأقلية الكردية عن طريق شن الهجمات الكيماوية على قرية حلبجة الكردية.
ومع ذلك، فإن هجوما صاروخيا وحيدا لا يعني على الإطلاق أن الرئيس ترمب قد وضع سياسة واضحة ومتماسكة بشأن الأزمة السورية، ناهيكم من الشكل المستقبلي للأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي من دونه لن تغادر المنطقة حلبة الاضطرابات الحالية على الإطلاق.
ومن المتوقع أن يجتمع الرئيس ترمب مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في إطار قمة مجلس القطب الشمالي المنتظر انعقادها في يونيو (حزيران) المقبل. ومن شأن المجلس المذكور أن يعقد اجتماعه الوزاري في الشهر المقبل. وإذا ما اجتمع الرئيسان ترمب وبوتين، فإنه من المؤكد أن تأتي الأزمة السورية على رأس جدول الأعمال؛ وهذا يعني أنه يتعين على الإدارة الأميركية إرساء أسس سياسة عملية ومتماسكة فيما يتعلق بسوريا وفي أقرب وقت ممكن. ومن خلال الإشارة إلى إنهاء حالة التردد التي اتسمت بها سياسات واشنطن، فإن هجوم الخميس الصاروخي على القاعدة الجوية السورية يوفر الفرصة السانحة تماما للقيام بذلك.



الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)

اتخذت الرئاسة الصومالية خطوةً جديدةً تجاه «حركة الشباب» المتشددة، بإعلانها العفو عن «الشباب المضلَّل» الذي انخرط في صفوف الحركة، وذلك حال تخليهم عن الفكر المتطرف.

تلك الخطوة يراها خبير صومالي متخصص في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعزز فرص تضييق الخناق على «حركة الشباب» شريطة أن تتوفر شروط عدة منها الدمج وإعادة التأهيل.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية، الاثنين، بأن رئيس البلاد حسن شيخ محمود «قرر إصدار عفو عن الشبان الذين تم تضليلهم بالفكر المتطرف في صفوف ميليشيات الخوارج (مصطلح يطلق محلياً على حركة الشباب) في حال تخليهم عن الفكر المتطرف»، مضيفاً أن الدولة ستوفر لهم حياة جديدة وفرصاً لبناء مستقبلهم، ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع.

يأتي ذلك بينما يشن الجيش الوطني عملية عسكرية مخططة تستهدف «فلول ميليشيات الخوارج التي تتحصن في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى، في إطار الجهود المتواصلة الهادفة إلى القضاء على الإرهاب»، حسب ما نقلته الوكالة الأحد.

استهداف مسلحين تابعين لـ«حركة الشباب» في إقليم هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

ويستضيف الصومال بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار، المعروفة باسم «أوصوم»، التي بدأت عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

ويرى الباحث في الشأن الصومالي عبد الولي جامع بري أن العفو الذي أعلنه شيخ محمود «يمكن قراءته من ثلاث زوايا: أمنية، واجتماعية، واستراتيجية. وهو أداة مهمة، لكن نجاحه ليس مضموناً ما لم يُدعم بسياسات مكملة».

وأضاف أن العفو في حد ذاته خطوة إيجابية «لفتح باب العودة، خاصة وأن كثيراً من الشباب انضموا تحت التضليل أو الإكراه، وأن إيجاد مخرج آمن يشجع المنشقين على ترك التنظيم، فضلاً عن كونها رسالة إنسانية وسياسية تُظهر أن الدولة تفرّق بين القيادات المتشددة والشباب المغرر بهم، وتعزز صورة الحكومة كجهة حاضنة لا انتقامية».

يأتي ذلك وسط تصاعد عمليات «حركة الشباب»، حيث قال «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف» إن «نذير الخطر الإرهابي يتصاعد على امتداد الحدود الصومالية - الكينية خلال شهر رمضان، في ظل استراتيجية دموية تنتهجها (حركة الشباب) لترهيب المدنيين وتنفيذ ضربات عابرة للحدود».

وأوضح المرصد في بيان، الاثنين، أن «هذا التصعيد الميداني بدأ ليلة السبت الماضي، حين نفذت عناصر الحركة الإرهابية إعدامات رمياً بالرصاص بحق 10 مدنيين في منطقتي بوالي بجوبا الوسطى وكونيا بارو بشبيلي السفلى جنوب الصومال»، لافتاً إلى أن الحركة تضاعف نشاطها في هذا التوقيت لاستغلال الشعور الديني العام في رمضان.

ويرى بري أن الحركة تستغل الأجواء الدينية، «لذا فإن قرار العفو وحده لا يكفي إذا لم يُربط ببرامج إعادة تأهيل حقيقية، لكي ينجح في محاصرة (حركة الشباب) عبر استمرار النصيحة الدينية والفكرية والدمج الاقتصادي ومتابعة أمنية ذكية».

Your Premium trial has ended


الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.