قلق يجتاح 2.3 مليون أوروبي في بريطانيا

هبوط حاد في أعداد الأوروبيين طالبي العمل بالمملكة المتحدة

44 % من الوظائف الجديدة في بريطانيا منذ عام 2008 كانت من نصيب الأوروبيين
44 % من الوظائف الجديدة في بريطانيا منذ عام 2008 كانت من نصيب الأوروبيين
TT

قلق يجتاح 2.3 مليون أوروبي في بريطانيا

44 % من الوظائف الجديدة في بريطانيا منذ عام 2008 كانت من نصيب الأوروبيين
44 % من الوظائف الجديدة في بريطانيا منذ عام 2008 كانت من نصيب الأوروبيين

هبط عدد الأوروبيين الباحثين عن عمل في بريطانيا 18 في المائة في الفصل الأول من العام الحالي، بحسب تقرير صادر عن مؤسسة «إنديد» المتخصصة في الموارد البشرية. وهذا الهبوط ليس الأول من نوعه، بل سبق ذلك تراجع ملموس منذ الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 23 يونيو (حزيران) 2106. كما سجلت نسبة هبوط إضافية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عندما بدأ الحديث عن أن «البريكسيت» سيكون عبارة عن «انفصال صعب».
وتتركز نسب الهبوط الآن بين رعايا الدول الأوروبية التي انضمت إلى الاتحاد بعد عام 2004، مثل بولندا ودول البلطيق وسلوفاكيا وسلوفينيا وتشيكيا، بينما الطلب مستمر على العمل في بريطانيا من مواطني بلغاريا ورومانيا.
أما الأوروبيون القادمون من دول غنية أكثر، فيتحسرون على الخيار البريطاني بالانفصال، إذ تقول محامية فرنسية عاملة في لندن في تحقيق أجرته محطة «تي إف وان»: «اخترتُ هذه المدينة لأنها ديناميكية وزاخرة بالحياة والعمل والفرص، ومنفتحة على كل الثقافات بلا عنصرية زائدة نراها في دول أوروبية أخرى... فإذا بنتيجة الاستفتاء تعطي صورة مغايرة لنكتشف أن البريطانيين مثل غيرهم من بعض الدول الأوروبية ينزعون ناحية الانغلاق على أنفسهم رافعين شعار الأفضلية الوطنية».
ويقول المحلل الاقتصادي ماريانو مامرتينو في تقرير «إنديد»: «يكبر التوتر في سوق العمل في موازاة انتقال (البريكسيت) من الكلام إلى الواقع، لأن الاقتصاد البريطاني يعتمد كثيراً على العمالة الآتية من دول الاتحاد الأوروبي، إذ يعمل في المملكة المتحدة نحو 2.3 مليون أوروبي في مختلف القطاعات، مثل الصناعة والفندقة والزراعة والصحة العامة»، علماً بأن إحصاءات أخرى تشير إلى رقم 3 ملايين أوروبي في بريطانيا.
واستناداً إلى أرقام صادرة عن المكتب الوطني البريطاني للإحصاءات، فإن 44 في المائة من الوظائف الجديدة التي خُلِقَت منذ عام 2008 كانت من نصيب الأوروبيين، أي ما يقارب المليون وظيفة.
وتؤكد بعض استطلاعات الرأي الأخرى أن العمالة الأوروبية في بريطانيا ينتابها «قلق متصاعد الوتيرة الآن من مستقبل غير واضح المعالم»، لا سيما بعدما أطلقت رئيسة الوزراء تيريزا ماي جرس بدء مفاوضات الخروج من الاتحاد، التي تستغرق نحو عامين، تجد بريطانيا نفسها بعدها خارج الاتحاد... والقلق حاضر أكثر بين صفوف من لم تمضِ على إقامته 5 سنوات، لأنه لم يحصل بعد على الإقامة الدائمة، علماً بأن أصحاب الإقامات الدائمة تساورهم شكوك أيضاً بسبب تداعيات «البريكسيت» على أكثر من صعيد.
في المقابل، تبذل الحكومة جهوداً لتهدئة المخاوف، ولذلك قالت ماي إن «هذه المسألة ستكون أولوية قصوى في المفاوضات»... أما وزير البريكسيت ديفيد ديفيس فيقول: «نحتاج إلى سنوات طويلة جداً قبل أن نستطيع الحديث عن كيفية شغل البريطانيين وظائف يشغلها الأوروبيون الآن».
وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة «سي آي بي دي» المتخصصة في التعرف على توجُّهات الموظفين أن «29 في المائة من الأوروبيين العاملين في بريطانيا يفكرون في ترك المملكة المتحدة، وهذه النسبة تشمل أولاً أصحاب المهارات العالية والكفاءات المتخصصة. أما بعض أصحاب المهارات العادية والمتدنية، فيعبرون عن رغبة في العودة إلى بلدانهم بعد هبوط قيمة الجنيه الإسترليني إلى مستويات لم تعد معها جدوى العمل كما في السابق، ويخاف هؤلاء من هبوط إضافي في قيمة العملة في السنوات المقبلة».
أما القطاعات المتوجسة من نقص العمالة المتوقع، ومن تقييد حركة التنقل بعد الانفصال، فهي كثيرة مثل الصحة العامة، حيث يشكل الأوروبيون 5 في المائة في أقسام التمريض و10 في المائة في الطبابة العامة والمتخصصة و18 في المائة في طب الأسنان. ووفقاً لجمعية الممرضات والقابلات القانونيات فإن «الطلب الأوروبي على العمل في هذا القطاع هبط بنسبة 90 في المائة في الأشهر الأخيرة، وهذا يقلق القطاع لأنه يحتاج إلى 24 ألف وظيفة فيه في المرحلة القليلة المقبلة».
كما تؤكد نقابة الأطباء البريطانية أن «50 في المائة من الأطباء الأوروبيين العاملين في بريطانيا يفكرون في العودة إلى بلدانهم، أو يفكرون في الهجرة مجدداً للعمل في بلد آخر». وتضيف النقابة أن «ذلك يأتي في وقت تحتاج فيه المستشفيات العامة إلى هؤلاء، لا بل هي تعاني نقصاً وتطلب المزيد من الكوادر الطبية».
وهناك معاناة أيضاً في قطاعات أخرى مثل المطاعم، دفعت اللجنة الاقتصادية في مجلس اللوردات إلى السماح بجلسة استماع تحدث فيها أحد أكبر المستثمرين في هذا القطاع، مؤكداً أن «العمالة الأوروبية أكثر من ضرورية، لأن البريطانيين يتجنبون العمل في هذا القطاع حتى بات الأجانب يشكلون ثلث العمالة فيه».
ويقول: «فقط 2 في المائة من البريطانيين يتقدمون إلى العمل في عدد من المهن الهامشية والمتدنية الرواتب»، حتى بات الأجانب يشكلون ما بين ثلث إلى نصف العمالة في قطاعات مثل الصيانة والنظافة والأشغال المنزلية وورش البناء وحقول الزراعات الموسمية».
وللدلالة على حجم المشكلة المتوقعة، إذا حصل انفصال حاد، تؤكد الإحصاءات الرسمية أن الأوروبيين يشكلون 68 في المائة من مجمل الموظفين غير البريطانيين، وهم 10 في المائة من العمالة في قطاع السيارات، ونحو 26 في المائة في الفندقة وفي الصناعة، وهناك نسبة كبيرة من العمالة الموسمية في قطاع الزراعة. أما في حي المال، فالأوروبيون يشكلون 40 في المائة من مؤسسي الشركات التكنولوجية الحديثة.
وكانت بريطانيا جذبت خلال السنوات الماضية أعداداً كبيرة من بلدان أوروبية تعاني من بطالة مرتفعة، في حين هبطت نسبة البطالة في بريطانيا إلى أدنى مستوى منذ عام 1975.
وفي استطلاع رأي شمل نحو ألف من أصحاب العمل برزت هواجس جراء هذا الواقع. ورأى معظم هؤلاء أن «البدائل محدودة، وقد يُضطَرّون مستقبلاً إلى اختيار موظفين من بين صفوف كبار السن والنساء والشباب غير المتخصصين، وقد يجبرون على زيادة الرواتب وتوفير عقود عمل مرنة لجلب العمالة».
في المقابل، اعترفوا بأنهم قد يمارسون الضغوط على الحكومة لمنح الأوروبيين بعد «البريكسيت» المميزات نفسها التي يتمتعون بها الآن، أو فتح باب استقبال مهاجرين من دول أخرى.
وتعليقاً على ذلك، قال تقرير محدود التوزيع صادر عن الاتحاد الأوروبي في بروكسل: «المعضلة المتناقضة تكمن في أن البريطانيين صوَّتُوا للخروج من الاتحاد الأوروبي لحماية بلدهم من موجات الهجرة المتصاعدة، فإذا بهم الآن يتوجسون من نقص العمالة، إذا قيدت حركة تنقل الأفراد بفعل (البريكسيت)».
وتلفت المصادر المتابعة للصحف الأوروبية إلى أن «تقييد حرية التنقل بفعل (البريكسيت)، قضية تشغل أكثر من بلد أوروبي. فإسبانيا على سبيل المثال، تشدد على ضرورة المرونة في هذا المجال لأن اقتصادها يعول على أكثر من 100 ألف عامل إسباني في بريطانيا، كما يعول الإسبانيون على 300 ألف بريطاني اختاروا العيش في بلدهم. ويرتفع هذا العدد إلى نحو مليون إذا ضم البريطانيين الذين يعيشون فترة طويلة من السنة في إسبانيا، لا سيما المتقاعدين منهم».
وتحرص إسبانيا، كما آيرلندا وإيطاليا وبولندا ودول أوروبية أخرى، على اتفاقيات خاصة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي تسمح بحرية التنقل واستمرار العمل بتنسيق الضمان الاجتماعي بعد «البريكسيت»... وإذا تعذر ذلك وفقاً لسيناريو «الانفصال الخشن»، فإن دولاً أوروبية لا تخفي رغبتها في عقد اتفاقات جانبية ثنائية مع بريطانيا في هذا المجال، وربما في مجالات أخرى.



شبح «رد الرسوم» يهدد الموازنة الأميركية ويربك السندات

العلم الأميركي يرفرف فوق مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)
العلم الأميركي يرفرف فوق مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

شبح «رد الرسوم» يهدد الموازنة الأميركية ويربك السندات

العلم الأميركي يرفرف فوق مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)
العلم الأميركي يرفرف فوق مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)

لم يكن قرار المحكمة العليا الأميركية بإلغاء الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب مصدر ارتياح للأسواق؛ بل أدى إلى ظهور مخاطر جديدة وحالة متجددة من عدم اليقين حول السياسة التجارية، والدَّين العام الأميركي، ومستقبل الدولار.

ولم تصدر المحكمة أي قرار بشأن ردّ الرسوم، ما يبقي الباب مفتوحاً أمام احتمال وجود عجز مالي يُقدّر بنحو 170 مليار دولار. وقد أثارت مساعي ترمب لفرض رسوم بديلة استياءً في أوروبا، وزادت من الغموض حول السياسة التجارية الأميركية، وفق «رويترز».

المحكمة العليا الأميركية في واشنطن (رويترز)

وانخفض الدولار يوم الاثنين في أسواق آسيا، ولا سيما مقابل الملاذات الآمنة مثل الفرنك السويسري والين الياباني، بينما واجهت سندات الخزانة حيرة في أسواق تحاول تقييم المخاطر المالية وفهم تداعياتها على التضخم. ويبدو أن الاستنتاج الأوضح هو أن التعريفات الجمركية البديلة التي أعلنها ترمب أقل حدة، ما قد يخفف الضغط على الأسعار على المدى القصير، إلا أن المحكمة قلصت سلطاته، لتبقى العواقب الاقتصادية للأسواق غير قابلة للتنبؤ.

وقال محللو بنك «آي إن جي» في مذكرة: «عاد الغموض. ونظراً للتهديدات الأخيرة من القادة الأوروبيين، فإن خطر التصعيد أعلى مما كان عليه قبل عام».

سندات الخزانة تواجه تحديات

يمثل أحد المخاطر المرتبطة بسندات الخزانة احتمال المطالبة القضائية باسترداد الرسوم، وهو ما يُتوقع أن يستغرق شهوراً في المحاكم الأدنى. وتشير التقديرات إلى أن الإيرادات التي جُمعت من الرسوم حتى الآن تتجاوز 175 مليار دولار، وهو جزء صغير من إجمالي الإيرادات المتوقعة البالغ أكثر من 5 تريليونات دولار، ولكنه يكفي لزيادة المخاطر التمويلية.

وقال دان سيلوك، رئيس قسم السيولة قصيرة الأجل العالمية في شركة «جانوس هندرسون»: «في حال استرداد الرسوم، سيزداد حجم إصدار الديون، ما قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط على المدى الطويل؛ خصوصاً إذا تزامن إصدار السندات مع احتياجات الاقتراض المرتفعة واستمرار سياسة التشديد الكمي».

موظف في مكتب صرافة يعد أوراق الدولار الأميركي في مدينة سيوداد خواريز بالمكسيك (رويترز)

وارتفعت عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات بشكل طفيف إلى 4.1 في المائة يوم الجمعة، ولكنها تراجعت عن ذروتها التي تجاوزت 4.5 في المائة في منتصف عام 2025، بالتزامن مع مؤشرات تباطؤ التضخم، وتوقعات بخفض أسعار الفائدة من قبل «الاحتياطي الفيدرالي». كما ازداد انحدار منحنى العائد نتيجة انخفاض عوائد السندات قصيرة الأجل.

وقال ألبرتو كونكا، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «إل إف جي + زيست» في لوغانو بسويسرا: «تركز الأسواق حالياً على التأثير قصير الأجل؛ خصوصاً انخفاض التضخم، وتسارع وتيرة خفض أسعار الفائدة»، مضيفاً أن هذا التركيز قصير النظر؛ إذ يزيد من عجز مالي هائل، ومن المتوقع أن تشهد منحنيات العائد تقلبات أكبر نظراً لعدم استقرار المالية الأميركية.

عدم اليقين بشأن الإيرادات

قدَّر مكتب الموازنة في الكونغرس أن تعريفات ترمب الجمركية كانت ستدرّ نحو 300 مليار دولار سنوياً على مدى العقد المقبل. وفي الوقت نفسه، تستمر التعريفة البديلة بنسبة 15 في المائة لمدة 150 يوماً فقط، دون وضوح حول الموعد أو على من ستُفرض، في حين كانت بعض الدول مثل بريطانيا وأستراليا تتمتع سابقاً بتعريفات 10 في المائة، بينما كان لدى كثير من الدول الآسيوية معدلات أعلى.

وأشار جين غولدمان، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «سيتيرا» لإدارة الاستثمار، إلى أن السوق تركز على احتمال زيادة إصدارات السندات إذا اضطرت الحكومة لاسترداد الأموال أو تمويل مشاريع تحفيزية إضافية.

ويعتقد محللو «مورغان ستانلي» أن سوق الدَّين قد لا تتأثر كثيراً بالعجز المالي، نظراً لأن إدارة ترمب ستجد بدائل للرسوم الجمركية، وأن أي تمويل محتمل سيكون عبر سندات خزانة قصيرة الأجل، كما أنه من غير المرجح أن تحقق الإدارة هدف منح كل أميركي شيكاً بقيمة ألفَي دولار من عائدات الرسوم، الأمر الذي كان سيزيد الضغوط التضخمية.

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

التضخم في بؤرة الاهتمام

ويستمر عدم اليقين في التأثير على الأسواق؛ حيث واصل الدولار خسائره، منخفضاً نحو 0.4 في المائة مقابل اليورو، يوم الاثنين، ليبلغ تراجعاً قيمته نحو 12 في المائة منذ بداية ولاية ترمب الثانية في أوائل عام 2025.

وقال إيدي غابور، الرئيس التنفيذي لشركة «كي أدفايزرز» لإدارة الثروات في ديلاوير: «عندما تتوفر هذه السيولة الكبيرة ويتم خفض الرسوم الجمركية، فإن ذلك يحفز النمو ويؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة». وأضاف: «قد يؤدي ذلك أيضاً إلى تسارع التضخم في الأشهر المقبلة، وأعتقد أن سوق السندات تستشعر هذا التأثير».


قرار المحكمة العليا: الصين والهند أكثر الرابحين... وبريطانيا تدفع الثمن

عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)
عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)
TT

قرار المحكمة العليا: الصين والهند أكثر الرابحين... وبريطانيا تدفع الثمن

عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)
عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)

شهد الاقتصاد العالمي تحولاً دراماتيكياً وضع الهند والصين في قائمة أكبر الرابحين من قرار المحكمة العليا الأميركية إبطال الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب، بينما برزت بريطانيا كأكبر خاسر نتيجة إعادة ضبط النظام الجمركي الأميركي.

ويأتي هذا التحول ليقلب موازين القوى التجارية رأساً على عقب؛ حيث وجدت الدول التي كانت هدفاً رئيسياً لترمب نفسها في وضع تنافسي أفضل، في حين تضررت الدول التي كانت تتمتع باتفاقيات تفضيلية سابقة.

ويعود هذا التفوق المفاجئ للهند والصين إلى انخفاض معدلات الرسوم الفعلية عليهما بشكل ملحوظ؛ فبالنسبة للهند، تراجعت الرسوم من مستويات قياسية كانت قد وصلت إلى 50 في المائة قبل أن تنخفض إلى 25 في المائة في أوائل فبراير (شباط)، ثم تلتها تخفيضات أخرى إلى 18 في المائة وعدت بها واشنطن، بعدما أبرم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وترمب اتفاقية تجارية. مباشرة، بعد قرار يوم الجمعة، انخفضت الرسوم إلى 10 في المائة، ثم ارتفعت إلى 15 في المائة يوم السبت، وهو معدل يتجاوز في إيجابيته ما كان مقرراً في الإطار الثنائي السابق.

أما الصين، فقد توقع اقتصاديو «مورغان ستانلي» انخفاض متوسط الرسوم من 32 في المائة إلى 24 في المائة، مستفيدة بشكل إضافي من إلغاء رسوم «الفنتانيل» التي أبطلها القضاء، مما منح صادراتها نفَساً جديداً في الأسواق الأميركية، رغم محاولات الإدارة الحفاظ على سياسة التضييق عبر مسارات قانونية أخرى.

ومن جانبها، أشارت تقديرات «بلومبرغ» إلى أن فرض معدل عالمي بنسبة 15 في المائة سيؤدي في المحصلة إلى متوسط رسوم فعالة يبلغ نحو 12 في المائة، وهو المستوى الأدنى منذ بدء تطبيق رسوم «يوم التحرير» في أبريل (نيسان) الماضي، مما يعيد تشكيل قواعد اللعبة لشركاء أميركا التجاريين.

وفي المقابل، واجهت بريطانيا صدمة اقتصادية قوية جعلتها الخاسر الأكبر في هذه المعادلة الجديدة. فبينما كانت لندن تستفيد من معدل تفضيلي بنسبة 10 في المائة، جاء توحيد الرسوم العالمية عند 15 في المائة ليرفع التكاليف على الشركات البريطانية بشكل مفاجئ، وهو ما قد يكلف قطاع الصادرات نحو 4 مليارات دولار، ويهدد مصالح 40 ألف شركة بريطانية.

ويسعى المسؤولون البريطانيون حالياً بشكل عاجل لإقناع الإدارة الأميركية باستثناء بريطانيا من هذه الزيادة.

ولم تكن أوروبا وأستراليا بمنأى عن هذه الأضرار؛ حيث واجهت دول مثل إيطاليا وسنغافورة زيادات مماثلة، مما دفع الاتحاد الأوروبي للمطالبة بصرامة باحترام الاتفاقيات السابقة، ملوحاً بتجميد المسارات التشريعية لأي اتفاقيات تجارية جديدة مع واشنطن، حتى تتضح الرؤية القانونية والالتزامات الأميركية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، أعلنت وزارة التجارة الصينية أنها تُجري تقييماً شاملاً لتبعات هذا الحكم القضائي، داعية واشنطن بلهجة حازمة إلى إلغاء كافة التدابير الأحادية التي تنتهك قواعد التجارة الدولية. وحذرت بكين من محاولات إدارة ترمب الالتفاف على قرار المحكمة عبر إطلاق تحقيقات تجارية قطاعية بديلة، مؤكدة أنها ستدافع عن مصالحها الوطنية بكل قوة؛ خصوصاً أن هذه التوترات تتزامن مع التحضيرات لقمة مرتقبة بين الرئيسين ترمب وشي جينبينغ في نهاية مارس (آذار) المقبل، والتي كانت تهدف في الأصل لتهدئة الصراعات التجارية.

وعملياً، بدأت الوكالات الأميركية المعنية بالامتثال للواقع القانوني الجديد؛ حيث أكدت وكالة الجمارك وحماية الحدود أنها ستتوقف عن تحصيل الرسوم التي أُعلنت غير قانونية بدءاً من فجر الثلاثاء، مع تعطيل كافة الرموز التعريفية المرتبطة بقانون الطوارئ.

هذا التوقف يفتح الباب أمام مطالبات استرداد ضخمة قد تصل إلى 175 مليار دولار من خزينة الولايات المتحدة.

وفي ظل هذا الارتباك الاقتصادي، بدأت الأسواق العالمية تتفاعل بحذر؛ حيث تراجع الدولار وانتعشت الأسهم الصينية، بينما تعالت الأصوات المطالبة بأن يكون هذا الضغط الاقتصادي دافعاً لتعجيل مسارات انتهاء الحرب في أوكرانيا، وتقليل الأعباء المالية التي تثقل كاهل الاقتصاد العالمي المنهك.


ضبابية الرسوم تعود من جديد... والشركات عالقة في «دوامة التخطيط»

دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
TT

ضبابية الرسوم تعود من جديد... والشركات عالقة في «دوامة التخطيط»

دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)

مع استمرار الغموض بشأن معدلات الرسوم الجمركية الأميركية، عاد عدم اليقين ليخيّم مجدداً على المشهد الاقتصادي. فبعد أن بدأ مسؤولون أميركيون وأجانب، إلى جانب مديري الشركات والمحللين والمستثمرين، يأملون بانتهاء التقلبات الحادة في السياسة التجارية الأميركية التي ميّزت العام الماضي، أعاد قرار المحكمة العليا الأميركية الأسبوع الماضي خلط الأوراق؛ إذ أبطل الحكم أجزاءً رئيسية من خطط الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجمركية، قبل أن يقترح الأخير فرض رسوم كبيرة في محاولة للالتفاف على القرار.

مشهد ضبابي من جديد

في صورة تُذكّر بالأشهر الأولى من عام 2025، حين كانت مقترحات الرسوم الجمركية تتبدل بصورة مفاجئة، عادت التساؤلات بشأن السلع الخاضعة للضريبة، ونسب الرسوم، والدول المستهدفة. وتجد الشركات التي اعتقد كثير منها أنه توصّل إلى صيغة عملية للتعامل مع الرسوم المرتفعة، نفسها مضطرة لإعادة تقييم خطط التسعير، وربما الإسراع في إعادة تكوين المخزونات، أو حتى تأجيل قرارات التوظيف والاستثمار إلى حين اتضاح الرؤية.

وفي هذا السياق، قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، في مقابلة مع برنامج «واجه الأمة» على شبكة «سي بي إس»، إن أي اضطراب في القواعد التي اعتاد عليها العاملون في التجارة سيؤدي إلى اختلالات واسعة. وأضافت: «من المهم معرفة قواعد الطريق قبل ركوب السيارة، والأمر نفسه ينطبق على التجارة والاستثمار»، مشيرة إلى أن مجتمع الأعمال لا يرغب في الانخراط في نزاعات قضائية؛ بل في وضوح تنظيمي مستقر. وأعربت عن أملها في أن تكون أي خطط أميركية جديدة «مدروسة بعناية ومتوافقة مع الدستور».

كريستين لاغارد خلال اليوم الأخير من مؤتمر ميونيخ للأمن في ميونيخ بألمانيا يوم 15 فبراير 2026 (رويترز)

وكانت المحكمة العليا قد أبطلت -بأغلبية 6 قضاة مقابل ثلاثة- معظم الرسوم التي فرضها ترمب العام الماضي، معتبرة أن قانون الطوارئ الذي استند إليه لا يمنحه صلاحية فرض تلك التعريفات. وردَّ ترمب باستخدام قانون مختلف، معلناً أولاً عن تعريفة عالمية بنسبة 10 في المائة، قبل أن يرفعها إلى 15 في المائة، على أن تستمر لمدة تصل إلى 5 أشهر ريثما تبحث الإدارة عن بدائل أكثر ديمومة.

أشعة الشمس الصباحية تضرب مبنى المحكمة العليا الأميركية في واشنطن (رويترز)

تخطيط شبه مستحيل

وقال غريغوري داكو، كبير الاقتصاديين في شركة «إرنست آند يونغ- بارثينون»، إن حالة عدم اليقين لم تغب فعلياً حتى خلال الفترات التي بدت فيها الأمور أكثر استقراراً. وأضاف: «شهدنا تقلبات حادة حسب الدولة والمنتج. الوضع لا يزال غير مستقر إلى حد بعيد، ما يجعل التخطيط شبه مستحيل». وأوضح أن الشركات تواجه قرارات متقلبة: «تسمع أن الرسوم أُلغيت فتفكر في استرداد التكاليف، ثم تُفرض بنسبة 10 في المائة بعد ساعات، وترتفع إلى 15 في المائة في اليوم التالي... غياب إطار مستقر يضر بالنشاط الاقتصادي والتوظيف والاستثمار».

الفيدرالي واليقين الغائب

كان هناك اعتقاد متزايد بأن الضبابية التي طبعت عام 2025 بدأت تنحسر؛ بل إن صانعي السياسات في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» أبدوا ارتياحاً إلى أن أثر الرسوم الجمركية على التضخم قد يكون في طريقه إلى التراجع.

غير أن التطورات الأخيرة أعادت المشهد إلى حالة من السيولة العالية؛ إذ تدرس الإدارة استراتيجيات جمركية بديلة قد تستغرق شهوراً للتنفيذ، مع احتمال الطعن بها قانونياً في كل مرحلة. وقد تنخفض معدلات ضريبة الاستيراد مؤقتاً، ولكنها قد تعود للارتفاع في إطار محاولات لإعادة فرض الرسوم الملغاة عبر مسارات قانونية مختلفة، ربما تتطلب تحقيقات مستقلة أو إجراءات من الكونغرس.

وأشار القاضي نيل غورسوش، في رأيه المؤيد للأغلبية، إلى أهمية الضمانات الإجرائية في ترسيخ سياسة مستقرة، موضحاً أن المقترحات التي تمر عبر العملية التشريعية وتحظى بدعم واسع «تميل إلى الاستمرار، ما يتيح للأفراد والشركات تخطيط حياتهم وأنشطتهم، على عكس القواعد التي تتغير يومياً».

عامل يسير داخل مصنع شركة «ذا لوكشري بيرغولا» المتخصصة في تصنيع البرغولات الألومنيوم في نوبلزفيل بإنديانا (أ.ب)

تفاؤل حذر رغم الضبابية

تأتي هذه التطورات في وقت يسوده قدر من التفاؤل بشأن الاقتصاد الأميركي. ففي استطلاع أجرته الرابطة الوطنية لاقتصاديات الأعمال، أفاد نحو 60 في المائة من الاقتصاديين بأنهم لا يتوقعون حدوث ركود خلال العام المقبل، مقارنة بـ44 في المائة في أغسطس (آب). كما رأى 74 في المائة منهم أن انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة معتدلة على الأقل في نمو الإنتاجية خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، وهو تحول قد يعزز قدرة الاقتصاد الأميركي على النمو.

من جانبه، كتب برنارد ياروس، كبير الاقتصاديين الأميركيين في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»، أن موجة عدم اليقين الجديدة قد لا تغيّر المسار العام للنمو، ولكنها قد تؤثر سلباً في الأشهر المقبلة. وقدّر أن معدل التعريفة الفعلي سينخفض من 12.7 في المائة إلى 8.3 في المائة بعد استبعاد الرسوم التي أبطلتها المحكمة، مع بقاء احتمال تطبيق تعريفة 15 في المائة الجديدة على نطاق واسع، ولو لفترة مؤقتة.

وأضاف أن أي دفعة قصيرة الأجل للنمو نتيجة خفض الرسوم «من المرجح أن يقابلها جزئياً استمرار حالة عدم اليقين». وحتى إذا نجحت الإدارة في إعادة فرض مستوى إجمالي مماثل من الرسوم عبر أدوات أخرى، فإن التأثيرات القطاعية والجغرافية قد تختلف جذرياً، ما يخلق موجة جديدة من الضبابية للشركات والمستثمرين والأسر على حد سواء.