أردوغان يثير لغطا جديدا بتدخله في قضية بيوت الطلبة

حزب الحرية والعدالة يواجه انقساما بين المحافظين المؤيدين لرئيس الوزراء والمعتدلين من فريق غل

أردوغان يثير لغطا جديدا بتدخله في قضية بيوت الطلبة
TT

أردوغان يثير لغطا جديدا بتدخله في قضية بيوت الطلبة

أردوغان يثير لغطا جديدا بتدخله في قضية بيوت الطلبة

منذ صعوده إلى سدة الحكم منذ أكثر من عشر سنوات، فعل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الكثير من الأشياء التي جعلت شريحة كبيرة من الشعب التركي تنفر منه بسبب تدخلاته الواضحة في شؤونهم الخاصة، بالإضافة إلى تصرفه الغريب عندما ألقى كلمة انتقد فيها بشدة الخبز الأبيض.
وقد رأى قطاع كبير من الأتراك، الذين أيدوا إصلاحات أردوغان الديمقراطية والتي كان من بينها فرض مزيد من الرقابة المدنية على الجيش، في تلك التصريحات نوعا من عدم اللياقة، ودليلا على تصاعد اللهجة السلطوية عند رئيس الوزراء. وقد أسهم ذلك في موجة الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي ضربت تركيا صيف العام الحالي ومثلت الأزمة الأخطر التي واجهت أردوغان وحزبه الإسلامي الحاكم، العدالة والتنمية، منذ تقلده السلطة في البلاد.
وبعد أن كان رئيس الوزراء قد خفف من لهجته، التي سببت الكثير من الخلاف والشقاق، على مدار الأشهر القليلة التي تلت الاضطرابات، عاود أردوغان الكرة مؤخرا بإثارته عاصفة جديدة من الاحتجاجات، عندما صرح الأسبوع الحالي برغبته في حظر بيوت الطلبة المختلطة في الجامعات الحكومية، وزاد على ذلك النُزُل البعيدة عن الحرم الجامعي التي يسكنها الطلبة من الجنسين. ومرة أخرى، تشعل كلمات أردوغان حربا ثقافية شعواء تستدعي إلى السطح الخلافات الشديدة بين العلمانيين والإسلاميين، وتثير ذلك النوع من اللغط الذي لا يفضله حتى أعضاء حزبه الذين كانوا يأملون في تجنب عواقب احتجاجات الصيف الماضي قبل خوض الاستحقاق الانتخابي المقبل.
وقد نقلت وسائل الإعلام التركية عن أردوغان في اجتماع الحكومة الأسبوعي قوله لنواب حزبه في البرلمان «من الممكن أن يحدث أي شيء، فيصرخ أولياء الأمور (أين دور الدولة؟).. هذه الإجراءات تُتخذ حتى نوضح للجميع أن الدولة موجودة وتقوم بدورها. وكحكومة محافظة وديمقراطية، ينبغي لنا أن نتدخل». ويبدو أردوغان في تصريحه هذا وكأنه يقدم أوراق اعتماده كسياسي محافظ، كما يريد أن يرسل رسالة مفادها أن الحكومة لديها معلومات استخباراتية عما يجري دخل بيوت الطلبة المختلطة.
وقد خصصت البرامج الحوارية التلفزيونية، التي غالبا ما تتناول عددا من القضايا الثابتة، يوم الأربعاء، جزءا كبيرا من وقتها لمناقشة حالة الخلاف التي فجرتها تصريحات أردوغان. وبدا بعض كتاب الأعمدة في الصحف وقد راق لهم صب الزيت على النار في القضية، خاصة أن أردوغان قد عاد لتسديد سياط كلماته نحو التيارات الثقافية بعدما هدأت عاصفة الاحتجاجات الصيفية.
يقول إزغي باساران، الصحافي في صحيفة «راديكال» ذات التوجه اليساري «إننا الآن نقف وجها لوجه ضد رئيس وزراء يعتقد أن لديه الحق في فرض آرائه الأخلاقية على بيوتنا، وفرض الرقابة على حرياتنا الشخصية مستخدما في ذلك محافظيه وقوات أمنه».
ومع إثارته لحالة جديدة من اللغط الثقافي، يخاطر أردوغان بتهييج مشاعر منتقديه الذين لعبوا دورا مؤثرا في احتجاجات الصيف. ولكن بالأخذ في الاعتبار حقيقة أن المجتمع التركي مُنقسم إلى حد كبير يستطيع أردوغان اللعب على مشاعر مؤيديه من المحافظين قُبيل الاستحقاق الانتخابي المقبل.
تقول إزغي كورتال، طالبة في قسم التاريخ في جامعة البوسفور «اخترت العيش في مدينة جامعية مخصصة للطالبات فقط، وأنا سعيدة بهذا الاختيار. لكنني على الجانب الآخر لا أؤيد تصريحات أردوغان، فما دخل رئيس الوزراء في هذا الأمر الشخصي؟». وفي إشارة إلى احتجاجات الصيف التي اندلعت بسبب حديقة مركز جيزي، تضيف كورتال «لقد اعتقدنا أنه فهم الرسالة التي بعثنا له بها من خلال احتجاجات جيزي، وهي أنه يجب ألا يتدخل في الحياة الشخصية للناس، لكن أعتقد أننا أخطانا التقدير».
وتأتي حالة اللغط الجديدة مع مساعي تركيا لاستئناف المفاوضات المتعثرة منذ فترة طويلة للانضمام للاتحاد الأوروبي. وتبدو جهود أنقرة الخارجية لبسط نفوذها على الشرق الأوسط في حالة من عدم التوازن بعد الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي الذي كانت تدعمه الحكومة التركية، فضلا عن سياستها في دعم حركة التمرد في سوريا في الوقت الذي يسعى فيه المجتمع الدولي للتوصل إلى حل دبلوماسي لإنهاء الأزمة.
وقد خرج أردوغان من احتجاجات جيزي قويا أكثر من ذي قبل على المستوى الداخلي، حيث وقف إلى جانبه قاعدته الدينية المحافظة التي تشكل ما يقرب من نصف مجموع الناخبين، رغم أن صورة تركيا على المستوى الخارجي قد أصابها الكثير من الضرر. بيد أن الاحتجاجات أشعلت جدلا شديدا وسط قيادات حزب العدالة والتنمية عن توجهات الحزب ومستقبل الديمقراطية في تركيا، في الوقت الذي تسير فيه البلاد باتجاه استحقاقات انتخابية تبدأ العام المقبل بانتخابات المجالس المحلية التي تمثل اختبارا حقيقيا لشعبية أردوغان على مستوى القواعد الشعبية.
وتشير كل اللقاءات التي أُجريت مؤخرا مع مسؤولي الحزب والدبلوماسيين الغربيين وكذلك الخبراء الأجانب، الذين فضلوا عدم الكشف عن هويتهم، إلى أن حزب العدالة والتنمية يعاني حاليا من خلافات حادة بين أعضائه. فهناك خلاف لا تخطئه العين بين أولئك الذين يؤيدون أردوغان دون قيد أو شرط، والأعضاء الأكثر اعتدالا الذين يصطفون خلف الرئيس التوافقي عبد الله غل ويشاركون المحتجون مخاوفهم.
وقد ألقت موجة الغضب، التي اندلعت ضد تصريحات رئيس الوزراء عن بيوت الطلبة المختلطة والأسلوب الذي يقترحه في تلك المسألة، الضوء على تلك المخاوف. فقد أفيد بأن إحدى الدوائر التي يمثلها نائب من حزب العدالة والتنمية في البرلمان، غالبية سكانها من مريدي الداعية الإسلامي محمد فتح الله كولن، تسودها حالة من التناقض بشأن التصويت لصالح حزب أردوغان في الانتخابات القادمة من عدمه.
وكان السبب وراء اشتعال احتجاجات الصيف الماضي هو خطط الحكومة لإزالة متنزه جيزي، آخر المساحات الخضراء في قلب اسطنبول، وتحويله إلى مركز تجاري. وتحولت تلك الاحتجاجات إلى موجة أوسع من التوبيخ للحكومة، كان من أبرز نتائجها أن قاد أردوغان تحركا يرمي إلى توسيع سلطات مؤسسة الرئاسة، وهو التحرك الذي يبدو تحقيقه مستحيلا على الأقل في الوقت الراهن.
بيد أنه من المحتمل أن يخوض أردوغان انتخابات الرئاسة العام المقبل حتى إذا لم تتحقق الجهود الرامية إلى توسيع سلطات الرئيس، وهذا ما يستدعي سؤالا مهما وهو: من ذلك الشخص الذي يستطيع أن يحتل منصب رئيس الوزراء ذي السلطات الكبيرة؟ واحد من الاحتمالات، التي تتم مناقشتها داخل وخارج أروقة الحزب، هو أن يحدث نوع من تبادل المواقع بين غل وأردوغان على غرار ما حدث في روسيا بين فلاديمير بوتين وديمتري ميدفيديف. لكن أردوغان يأمل في تجنب ذلك السيناريو، تبعا للقاءات التي أجريت مؤخرا مع مسؤولي الحزب والدبلوماسيين الغربيين وكذلك الخبراء الأجانب، لأن بعض استطلاعات الرأي تشير إلى تمتع غل بشعبية أوسع من تلك التي يتمتع بها أردوغان بين الشعب التركي.
وسوف تشكل انتخابات المجالس المحلية، التي ستشهد صراعا شديدا على منصب عمدة إسطنبول، اختبارا لأردوغان وطموحه في البقاء في السلطة لعقد آخر حتى عام 2023 عندما تحل الذكرى المئوية لميلاد الجمهورية التركية الحديثة. وسوف يمهد الأداء القوي لحزب العدالة والتنمية في تلك الانتخابات الطريق أمام اعتلاء أردوغان لكرسي الرئاسة وبالتالي تتجدد جهوده لإعادة هيكلة مؤسسة الرئاسة، كما يقول المحللون.
ويعد استقطاب الناخبين عن طريق إثارة مسائل خلافية مثل تلك المتعلقة ببيوت الطلبة استراتيجية انتخابية يتميز بها أردوغان، كما يقول أحد الخبراء. ويقول محلل آخر إن ذلك الأسلوب مقتبس من كتاب كارل روف، أحد مستشاري الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، والذي عمل أيضا مستشارا للحزب الجمهوري.
ومثل كثير من المسائل الخلافية التي أثارها أردوغان، يقول أيوب كان، رئيس تحرير صحيفة «راديكال»: «لنكن أمناء مع أنفسنا، فعلى الرغم من الصراحة التي تؤذي مشاعر البعض، فأنا لا أفهم شيئا، ما هو السبب وراء إثارة ذلك اللغط؟ إذا كان هناك من شخص يعرف فليوضح لي رجاء».

* أسهم في إعداد التقرير سيبنام آرسو وسيليان يغينسو



«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
TT

«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)

في ليلة لا تشبه الوضع السوداوي الذي تمرّ به المنطقة، قدّم الموسيقي طوني مخول عمله «العرض الكبير» على مسرح «كازينو لبنان»، مساء السبت، مع ليلة إضافية، الأحد. الحضور الحاشد في هذه الأمسية كأنما يحاول القفز فوق المأساة، أو يفتعل تجاهلاً مؤقتاً لخطر محدق.

طوني مخول يقود الأوركسترا (خاص الشرق الأوسط)

أكثر من مائة فنان، بين عازف موسيقي وراقص، شاركوا معاً في إحياء العرض، الذي حرص مؤلفه ومنتجه الفني، الموسيقي طوني مخول، على الاهتمام بأدق تفاصيله، ليقدَّم بحلة تليق بالمناسبة.

هو احتفال موسيقي راقص، كان قد قُدّم بنسخة مختلفة في «مهرجانات بيبلوس» خلال الصيف الماضي، كما جال في عدد من المدن الأوروبية، بمباهجه وألوانه ومؤثراته، في دعوة إلى الفرح والمتعة. وهو يحمل روحاً وطنية ونزعة إنسانية من خلال مقطوعات تعزفها أوركسترا كبيرة؛ لكل مقطوعة موضوعها الذي ترافقه كلمات أو عنوان يظهر على الشاشة مع عبارات بليغة، قبل أن تصبح الشاشة موضع عرض مؤثرات تتكامل مع كوريغرافيا الراقصين.

نادر خوري افتتح الغناء بأغنية وطنية (خاص الشرق الأوسط)

بدأ الحفل بأغنيات ورقصات وطنية تحيةً للبنان المتألم والصامد رغم المحن، وللجيش اللبناني؛ إذ ليس من وقت أفضل من الذي نحن فيه للتذكير بأن السلام بات فسحة صغيرة لالتقاط الأنفاس بين الواقعة والأخرى.

جوهر الحفل هو الموسيقى التي وضعها مخول، وحولها تتحلق بقية الفنون؛ مرة يأتي الرقص واللوحات الاستعراضية، ومرة أخرى غناء أحد الفنانين، أو صحبة الكورال، بقيادة روزي الحاج.

«شو بحبك يا وطني يا حكاية كل الدني»، غنّى نادر خوري في بدء الحفل الذي رعاه رئيس الجمهورية جوزاف عون، ويعود ريعه إلى وزارة الإعلام.

طوني مخول وتحية للجمهور في ختام الحفل (خاص الشرق الأوسط)

رقص باليه منفرد، ورقصات أخرى ثنائية، وكذلك جماعية، إلى جانب أنماط أخرى حاول مخول أن تأتي منوّعة بحيث لا يملّ المتفرج، فكان الفالس والسالسا، وحتى الجمباز والرقص بالشرائط على الطريقة الصينية.

العرض مقسَّم إلى معزوفات تحمل رسائل، تصاحبها عروض من تصميم الراقصين المشاركين ساندرا عباس وأسادور هرجيان، وكأنما النغم وحده لا يكفي. ويُسجَّل لمخول اهتمامه الفائق بالتفاصيل الدقيقة، ولساندرا عباس إتقانها تصاميم الراقصين التي جاءت بهيجة ومتقنة، بألوان زاهية لا تملّها العين.

شارك غناءً الفنان الإسباني خوسيه دي نافيغا، في أغنية رومانسية باللغة الفرنسية، عنوانها «وحيد من دونك»، وهو يردّ التحية لصديقه مؤلف العمل مخول، الذي استقبلته إسبانيا، العام الماضي، وقدّمت له الأوركسترا مجاناً تضامناً معه، يوم كان لبنان تحت القصف الإسرائيلي.

الباليه جزء أساسي من العرض (خاص الشرق الأوسط)

وغنّت من أميركا اللاتينية الفنانة بولينا «الحب الفريد». أما حين بدأت مقطوعة «رقص للذكرى»، فإن كل شيء كان يتمايل، المسرح كما المشاهد الخلفية لطائرة في الجو تتراقص، كما يفعل مضيفوها وركابها.

وقدّمت تحية إلى كبار كان لهم دور في تغيير العالم؛ فشاهدنا صوراً تتوالى على الشاشة العملاقة الخلفية التي لعبت دوراً منذ بداية العرض. هذه المرة كانت تمر صور لشخصيات مثل أينشتاين، وبيتهوفن، وستيف جوبس، وماريا كالاس، وماري كوري، وسلفادور دالي، وهيتشكوك، ووالت ديزني، وأنطونيو غاودي، وفريدريك شوبان.

الشاشة الخلفية بقيت حاضرة بمؤثراتها (خاص الشرق الأوسط)

«إنها الأساطير التي لا تموت» هو عنوان هذه الفقرة، التي، كما كل العرض، بقدر ما نراها وطنية تمدّ ذراعيها لتحتضن قضايا إنسانية بلغة الموسيقى.

معزوفة «الأزهار المتيبسة» رسالة حب وتعاطف إلى معذّبي العالم، وضحايا الحروب، وجياع الأطفال الذين يبحثون عمّا يسدّ رمقهم. لقطات مؤلمة، قد تكون في أفريقيا أو أي مكان آخر. فأينما يمّمت وجهك وجدت الألم ينتظر شعوباً عجزت عن حماية نفسها من ظلمة جبابرة الكوكب.

كل أنواع الرقص كانت حاضرة (خاص الشرق الأوسط)

نحو 20 مقطوعة عزفتها الفرقة بقيادة مخول وبمشاركة عازف البيانو بسام شليطا، وبمرافقة الكورس الذي أضاف أجواءً من الفرح، مع الراقصين والشرائط المختارة بعناية المعروضة في خلفية المسرح.

«رجاء ابقَ» أغنية رافقتها زخات خفيفة من المطر على الشاشة العملاقة التي جلس أمامها الموسيقيون. فقد جاء الحفل جامعاً، يشبه رحلة سفر فنية، قادتنا إلى كوبا مع السالسا، و«العين البرازيلية» مع الألوان اللاتينية مثل قوس قزح.

أما المقطوعة الأخيرة «سوا سوا»، بموسيقاها ولوحاتها وكلماتها، فكانت دعوة لجميع المشاركين في العرض غناءً.


جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الكندية جنيفيف دولود دي سيل إن فيلمها «نينا روزا» لم يكن مشروعاً عادياً بالنسبة إليها، بل تجربة شخصية وفكرية امتدت لسنوات قبل أن تتحول إلى نص سينمائي مكتمل، مؤكدة أن الفكرة بدأت بسؤال بسيط لكنه مؤرق، وهو ماذا يفعل الإنسان بالماضي الذي قرر أن يدفنه؟ وهل يمكن حقاً أن نغادر مكاناً دون أن يبقى في داخلنا؟

وأضافت المخرجة الكندية لـ«الشرق الأوسط» أن «البذرة الأولى وُلدت حين عاشت، في مطلع العشرينات من عمرها، 6 أشهر في أوروبا الشرقية، متنقلة بين رومانيا وبلغاريا، حيث عملت مع مهاجرين كانوا يستعدون لترك أوطانهم إلى كندا، وخلال هذه الفترة اكتشفت أن الهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل قطيعة مع طبقات من اللغة والذكريات والعلاقات، وأن ما يُترك خلف الحدود يظل يعيش في الداخل بصيغة أخرى».

وأشارت إلى أنها بعد عودتها إلى مونتريال ظلت قريبة من أصدقاء ينتمون إلى الجيل الثاني من المهاجرين، وأن قصة والد أحدهم أثّرت فيها بعمق، فهو رجل غادر بلده قبل أكثر من 40 عاماً، وقرر بإرادته ألا يعود إليه أبداً، ولم يكن هروبه من صدمة مباشرة، بل من ثقل المواجهة، مشيرة إلى أنها كانت تتساءل دائماً، ماذا لو أُجبر هذا الرجل على العودة؟ كيف سيتعامل مع الأماكن التي تركها؟ هل سيجد نفسه كما كان، أم سيكتشف أنه أصبح غريباً حتى عن ذاكرته؟ من هذا السؤال وُلدت شخصية «ميخائيل» في الفيلم، وهو الرجل الذي اختار القطيعة وسيلة للبقاء، قبل أن يُدفع إلى مواجهة ما ظن أنه تجاوزها.

المخرجة الكندية (الشركة المنتجة)

يروي فيلم «نينا روزا» الذي حصدت مخرجته جائزة أفضل سيناريو في المسابقة الرسمية لمهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية قصة «ميخائيل» الذي غادر بلغاريا في تسعينات القرن الماضي عقب وفاة زوجته، ليبدأ حياة جديدة في مونتريال حيث ربّى ابنته الصغيرة «روزا» بمفرده، ونجح في أن يُرَسّخ مكانته بصفته خبيراً في الفن الفرنسي والفن المعاصر.

وبعد سنوات طويلة من القطيعة مع وطنه، يتلقى تكليفاً من جامع أعمال فنية للتحقق من أصالة لوحات طفلة بلغارية في الثامنة من عمرها تدعى نينا، بعدما انتشرت أعمالها على نطاق واسع عبر الإنترنت، يتردد ميخائيل في العودة إلى البلد الذي أقسم ألا يعود إليه، لكنه وافق في النهاية. غير أن لقاءه بـ«نينا» هزّه من الداخل، فالطفلة، بنضجها غير المتوقع، توقظ داخله ذكريات حاول طويلاً دفنها.

وأكدت المخرجة الكندية أن «نينا روزا» ليس فيلماً عن لحظة الرحيل الأولى، بل عن «ما بعد» الرحيل، والسنوات التي تبدو مستقرة من الخارج لكنها تخفي جراحاً لم تُعالج، مشيرة إلى أن الفيلم يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق، وهو هل يمكن للإنسان أن يبني مستقبله على إنكار جزء من تاريخه؟

وأوضحت أنها منذ فيلمها الأول كانت منشغلة بفكرة الانتماء، لكنها في «نينا روزا» حاولت الاقتراب من الهوية من زاوية رجل في أواخر الخمسينات، يعيش بين ثقافتين، ويتحدث بلغتين، ويشعر بأنه لا ينتمي بالكامل إلى أي منهما، لافتة إلى أنها لا تؤمن بالهوية الثابتة، بل تراها طبقات متراكبة، وأحياناً متناقضة، والسينما تمنحها فرصة لاستكشاف هذه المنطقة الرمادية التي يتشكل فيها الإنسان.

صناع الفيلم خلال حضور العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولفتت إلى أنها تعمدت الابتعاد عن الواقعية الصارمة التي ميّزت أعمالها السابقة، واتجهت إلى لغة أكثر شاعرية، تسمح للصورة بأن تعكس ذاتية «ميخائيل» المضطربة، مشيرة إلى أن المكان في الفيلم جاء بوصفه جزءاً من ذاكرة وروائح وأصوات وأغان قديمة، فالعودة إلى بلغاريا وظفت باعتبارها احتكاكاً بين الحاضر والماضي. لذلك اختارت عدسات تمنح الصورة شكلاً مختلفاً يعكس المزج بين الواقع والذكرى.

وأوضحت أن «اختيار بطل الفيلم كان تحدياً معقداً، لأنها كانت تبحث عن ممثل بلغاري يتقن الفرنسية ويحمل في داخله تجربة اغتراب حقيقية، وبعد بحث طويل، وجدت ممثلاً عاش خارج وطنه سنوات طويلة، فشعرت بأن الشخصية وجدت جسدها الطبيعي»، لافتة إلى أن «خلفيتها الوثائقية تجعلها حريصة على الصدق، وعلى أن يتقاطع المسار الشخصي للممثل مع المسار الدرامي للشخصية، حتى لا يبدو الألم مفتعلاً».


أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

أكَّد الفنان المصري أحمد العوضي أن شخصية «علي»، التي يجسّدها ضمن أحداث مسلسل «علي كلاي»، هي الأقرب إلى قلبه وحياته الخاصة. وقال العوضي، في حواره لـ«الشرق الأوسط»، إن العمل يُعد مزيجاً من الرومانسية والأكشن والإثارة، كاشفاً عن ابتعاده عن ثيمة البطل الشعبي التي اعتاد تقديمها خلال المواسم الماضية، وذلك عبر فيلمه السينمائي المقبل.

وعن شخصية «علي كلاي»، قال العوضي: «تتمتع الشخصية بثراء كبير، وتعمل في تجارة قطع غيار السيارات، وفي الوقت نفسه هو لاعب متمكّن في رياضة الـ(MMA) القتالية».

وأوضح أن دوره في العمل لم يُرهقه، خصوصاً أنه ملاكم حاصل على بطولات عدة، ويهوى ممارسة رياضة الـ(MMA)، أي الفنون القتالية المختلطة، منذ الصغر، حتى إن دخوله مجال التمثيل كان في الأساس من بوابة الملاكمة.

العوضي يعدُّ «علي كلاي» الأقرب إليه

وأضاف العوضي: «أنا ملاكم قبل التمثيل، وعندما عملت مع الفنان الراحل نور الشريف في بداياتي الفنية، كان يعلم خلفيتي الرياضية، خصوصاً تفاصيل ممارستي للملاكمة»، موضحاً أنه «تحمَّس لتجسيد شخصية (علي كلاي) لأنها قريبة إلى قلبه وحياته الخاصة، وإلى الرياضة التي نشأ على تفاصيلها منذ الصغر».

وأشار إلى أن «أكثر ما أرهقه خلال تصوير العمل هو تعدّد أماكن التصوير، التي تجاوزت 150 موقعاً، وتطلّبت ديكورات ضخمة ومتشعّبة»، لافتاً إلى أن «هذا الأمر، رغم إرهاقه وصعوبة تنفيذه، خلق تفاصيل مختلفة في العمل، ونتج عنه تنوّع بصري كبير يراه الناس».

ونفى العوضي وجود علاقة بين فيلمه «البلدوزر»، الذي أعلن عن تقديمه منذ سنوات، ومسلسل «علي كلاي»، لافتاً إلى أن «ما يجمعهما هو تناول رياضة الـMMA فقط، إذ كانت رغبته تجسيد شخصية بطل في هذه الرياضة ضمن الفيلم، لكن انشغاله وانشغال المخرج حينها حالا دون استكمال المشروع».

ويشارك في بطولة مسلسل «علي كلاي»، إلى جانب أحمد العوضي، نخبة من النجوم، من بينهم دُرّة، ويارا السكري وغيرهما، وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج محمد عبد السلام.

وعن سبب تكرار التعاون مع المؤلف والمخرج في أكثر من عمل فني، يقول: «نحن ثلاثي متفاهم، وتربطنا علاقة وطيدة، ونشعر بأريحية خلال تعاوننا معاً».

الملصق الترويجي للمسلسل (حساب العوضي على فيسبوك)

وينتظر أحمد العوضي طرح فيلم «شمشون ودليلة» خلال موسم عيد الأضحى المقبل، مؤكداً أن الفيلم سيشهد تخلّيه عن ثيمة «البطل الشعبي» التي اعتاد تقديمها خلال الفترة الماضية. وقال إن أحداث الفيلم تدور في إطار «أكشن كوميدي»، ولم يتبقَّ على استكمال تصويره سوى 10 أيام فقط، وسيُنجز خارج مصر.

وعن تأخّره في خوض تجربة المسرح، أكد أحمد العوضي أنه عاشق للمسرح، لكنه يحتاج إلى تفرّغ كبير، مشيراً إلى أنه سيعمل على تقديم كثير من العروض المسرحية قريباً، معترفاً بتقصيره في هذا الجانب المهم، بسبب تركيزه الكامل خلال الفترة الماضية على تقديم أعمال فنية في السينما والدراما.

العوضي في كواليس «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

وعن الجدل الذي أثارته تصريحاته في كونه «الأعلى أجراً» و«الأكثر مشاهدة»، قال العوضي إن «كل شخص له مطلق الحرية فيما يقول، ما دام لم يتجاوز حدود الزمالة»، موضحاً أنه عندما يتحدث إلى جمهوره أو يطلق تصريحات، فإنه لا يتعمّد مضايقة أحد أو إلحاق الضرر بأيٍّ من زملائه.

ويستبعد العوضي فكرة الابتعاد عن التمثيل أو اعتزال الوسط الفني بسبب مثل هذه الصراعات، قائلاً: «هذا الأمر مرفوض تماماً، فأنا أعشق الفن بكل جوارحي، ولا يمكنني اعتزاله مهما حدث. وليس لي علاقة بما يجري، ولا أشغل بالي بأحد، بل أضع كامل تركيزي في عملي».

العوضي أعلن عن تخليه عن ثيمة البطل الشعبي في السينما (حسابه على فيسبوك)

ويرفض الفنان المصري تقديم سيرة الفنان الراحل نور الشريف فنياً لأسباب عدَّة، من بينها أنه «كان حالة خاصة ونجماً فريداً، وتقديم سيرته أمر كبير عليّ وعلى زملائي في الوسط». وأضاف: «هو يمثل لي حالة فنية وإنسانية خاصة، وله مكانة في قلبي لا يمكن لأحد أن ينافسه عليها، فهو (أبي الروحي)، وسيظل أكثر فنان أشعر بالامتنان تجاهه منذ دخولي الوسط الفني».

وأضاف العوضي: «أنا لا أحب أعمال السير الذاتية عادة، خصوصاً الشخصيات التي عاصرها الناس ولها أعمال متداولة، لأن هذا النوع من الفن قد يتحوَّل إلى تقليد لا إلى تجسيد حقيقي، على عكس تقديم سير شخصيات تاريخية يعرفها الناس لكنهم لم يشاهدوها».