الحضور العربي في سرديات الأندلس الأوروبية

لحظتان مميزتان تؤكدان استمرار التماس الحضاري الثري في العصر الحديث

رسم متخيل لسرفانتيس، صاحب «دون كيخوته»
رسم متخيل لسرفانتيس، صاحب «دون كيخوته»
TT

الحضور العربي في سرديات الأندلس الأوروبية

رسم متخيل لسرفانتيس، صاحب «دون كيخوته»
رسم متخيل لسرفانتيس، صاحب «دون كيخوته»

استمراراً لما سبق أن تناولته في مقالة سابقة تحت عنوان «الأندلس: جزيرة أوروبا العربية»، أتوقف هنا عند الأعمال السردية التي ألفت جسراً أوروبياً آخر مع الثقافة العربية، الأعمال التي سبق أن أشرت إليها في المقالة السابقة، وأضيف إليها هنا أعمالاً سردية معاصرة لتؤكد استمرار ذلك الجسر.
مجموعة الحكايات المعروفة بـ«ديسيبلينا كليريكاليس» (قواعد كهنوتية)، قامت على مستوى مختلف بنشر الحكايات القادمة في جذورها من الاحتكاك بالموروث العربي الإسلامي. تلك المجموعة من الحكايات الكهنوتية، التي قصد بها تعليم القساوسة وإرشادهم إلى السلوك القويم، جمعها الإسباني اليهودي موسى السيفاردي، الذي تحول إلى المسيحية في مطلع القرن الثاني عشر، بعد أن درس في الأندلس وانتقل بعد ذلك إلى إنجلترا وفرنسا، مغيراً اسمه إلى بيتروس ألفونسي، أو ألفونس، تيمناً بقديسه أو عرابه (بطرس) وملك أراغون (ألفونس).
تقول دوروثي ميتلتزكي في كتابها المهم «المادة العربية في إنجلترا العصور الوسطى»، إن بيتروس، أو بطرس، كان أحد اثنين أسسا لحركة النقل التي حملت الموروث العربي العلمي والفلسفي ثم الأدبي إلى أوروبا. الآخر هو قسطنطين الأفريقي. كان بيتر، بتعبير ميتلتزكي: «رائد الدراسات العربية على التراب الإنجليزي»، وتقارنه بأول الشعراء الإنجليز الكبار جيفري تشوسر الذي جاء بعده بأربعة قرون. فمن بيتروس ومن قسطنطين جاء كثير من الخيوط والشخوص السردية، إلى جانب المعلومات العلمية التي بثها تشوسر في مجموعته القصصية التأسيسية في السرد الإنجليزي، «حكايات كانتربري»، التي نشرت أواخر القرن الرابع عشر.
إننا نعرف كثيراً اليوم عن أثر ابن سينا وابن رشد والرازي وغيرهم، على النهضة الفلسفية والعلمية في أوروبا، لكن القليل هو الذي يعرف أو يقال عن دور كتاب مثل ديسيبلينا كليريكاليس في تطور الآداب الأوروبية، الكتاب الذي سبق «ألف ليلة وليلة» بقرون وحمل إلى أوروبا ليس متعة الحكايات وخيالها الواسع فحسب وإنما المعرفة العلمية التي كان تُنشد في كتب الأدب في أوروبا العصور الوسطى مثلما كانت تنشد في كتب الجاحظ في العصر العباسي. يقول مترجم الديسيبلينا من اللاتينية إلى الألمانية إن ذلك الكتاب قدم لأوروبا عالماً لم تألفه في ملاحمها، قدم ثقافة مختلفة تتسم أولاً بغياب الرموز المسيحية كالعذراء مع إبراز الحياة المدنية على حساب الحروب والعنف، التاجر بدلاً من الفارس. كما أنه كسر مألوفية التراث اليوناني الروماني الذي طالما قدسته أوروبا ورأته تراثها الوحيد. كتاب ألفونسي، الذي يقول أستاذ اللغات الرومانسية الألماني كارل فوسلر إنه فيما يبدو كتب بالعربية أولاً ثم ترجم إلى اللاتينية ومنها إلى اللغات الأوروبية، كان بوابة أوروبا إلى ثقافة مغايرة تشبه إلى حد ما، ما وجدته في ملحمة «السيد» التي تغيب عنها بعض الشخوص النمطية في الملاحم الأوروبية. في الديسيبلينا استخدم المؤلف ثلاثة مصادر عربية هي: مجامع الأمثال لحنين بن إسحاق (توفي 877) والمبشر بن فاتك (توفي نحو 1020) وكتاب حول «مكائد النساء». ويعزو مترجم الديسيبلينا الشعبية الواسعة للكتاب في عصره إلى الرغبة في معرفة ذلك العالم الأجنبي الذي كانت تدور على حدوده الحروب الصليبية، أي الرغبة التي عرفها العالم الغربي بعد أحداث تماس فيها العالم العربي والإسلامي مع الغرب كما بعد الحادي عشر من سبتمبر (أيلول).
تماس آخر بين أوروبا والعالم العربي الإسلامي، لكنه هذه المرة سلمي وطريف إلى جانب كونه مميزاً، حدث في رائعة سرفانتيس دون كيخوته التي احتفت بالموروث العربي من خلال الراوي الرمز سيدي حامد بننغلي، الموريسكي الذي نسب إليه الكاتب الإسباني حفظ حكاية البطل الإسباني برمتها. فعلى طريقة سرفانتيس الكوميدية الساخرة ولكن الجادة والعميقة في الوقت نفسه يقدم سرفانتيس حكاية الفارس الإسباني الحالم بعصر الملاحم والبطولات القديم بوصفها حكاية قومية كادت تضيع لو لم تحفظها مخطوطة عربية دونها ذلك الموريسكي سيدي حامد لتترجم إلى الإسبانية فيقرأها الكاتب ويتيحها لقرائه. ومع أننا أمام حيلة سردية بأسلوب سرفانتيس الساخر فإن الدلالات تذهب إلى أبعد من ذك لا سيما حين يصف الكاتب الإسباني المؤلف العربي المزعوم بأنه حكيم محمدي استضاء عقله بنور الطبيعة وكأنه فيلسوف يوناني، أي بالطريقة التي فسرت فيها أوروبا المتشددة في تدينها المسيحي معرفة اليونانيين بالحقيقة. فاليونانيون لم يعرفوا الكشف الإلهي أو يروا يسوع وإنما أضاء لهم الله الحقيقة من خلال الطبيعة. وهكذا سيدي حامد، وكأنه ابن رشد أو الفارابي لأوروبا العصور الوسطى. وتتضح رسالة الرواية الإسبانية التي يعدها الكثيرون مؤسسة للفن الروائي في أوروبا حين تشير إلى ضرورة التسامح الديني وتقبّل الآخر وذلك بسرد حكايات جانبية لمسلمين بقوا في إسبانيا وتعرضوا للاضطهاد وأن من الضروري التعامل معهم برأفة. في تلك الحكايات، كما في حضور المؤلف العربي، نجد لحظات تماس مع ثقافة الآخر، لحظات عبور منفتحة نحو الآخر تشبه ما في «الديسيبلينا كليريكاليس» وما حدث من تطورات فيما بعد من خلال «ألف ليلة وليلة» وغيرها.
في ختام هذه الإلمامة باللحظات الأولى للتماس العربي الأوروبي أود أن أقفز إلى العصر الحديث للوقوف على لحظتين مميزتين أخريين تؤكدان استمرار التماس الحضاري الثري من خلال الأندلس. اللحظة الأولى ترسمها بعض قصص الكاتب الأرجنتيني، الإسباني اللغة، خورخي بورخيس الذي تفاعل مع الموروث العربي الأندلسي وغيره على نحو لافت ليشكل جسراً آخر بين العرب والثقافة اللاتينية. ففي عدد لا بأس به من قصصه كتب بورخيس عن شخصيات عربية لبعضها بعد أندلسي-مغاربي لعل أبرزها ابن رشد في حكاية تتناول تعليقاته على أرسطو. هذا إلى جانب استلهامه لـ«ألف ليلة وليلة» وغيرها من الأعمال والشخصيات.
إلى جانب بورخيس هناك أيضاً لحظة تأملها الباحث والمترجم العراقي كاظم جهاد في مقالة نشرتها مجلة «فصول» المصرية عام 1992 حول الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو Goytisolo، وهو شاعر وروائي ولد في برشلونة عام 1929 ويقيم في المغرب منذ أواخر التسعينيات. يقول جهاد إن غويتيسولو في بعض كتاباته الروائية يمارس ما يسمى «الترجمة الداخلية» التي تشير إلى »كل ما يمارسه كاتب داخل نصه من إحالات إلى نصوص أخرى، وأساليب أخرى، ولغات أخرى. عمل به يستحيل النص إلى ما يدعوه الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز بـ«الترقيعة»، بمعنى العمل المجمع الذي ينهل من مصادر كثيرة، مصرحاً بها دائماً، ويكتسب ما يدعوه غويتيسولو نفسه بطبيعته ’الخلاسية’، ’المولدة‘، ’المبرقشة‘، ’المزيج‘».
يقول جهاد إن الكاتب الإسباني في روايته الشعرية دون خوليان وبعد انتقاله للمغرب «يعيد توظيف الآثار العربية في المتخيل الإسباني ويفيد من تقنيات الحكاية والسجع العربيين وإيقاع الكتابة العربية نفسه الذي يتنامى، كما لدى كبار المتصوفة، في جمل ترتسم في دوائر متصاعدة تفضي إلى متاه». هنا يبدو الوضع وكأن روائياً إسبانياً آخر يستعيد إلى الذاكرة الأوروبية ما كادت أو ربما ما أرادت أن تنساه؛ أي التراث الذي ابتدأ بالملاحم والحكايات ودون كيخوته وشعراء التروبادور (الذين يشكلون لحظة مهمة أخرى لم يتسع المجال للتوقف عندها).
رواية غويتيسولو إلى جانب أعمال بورخيس من اللحظات الأحدث في سلسلة اللحظات التي وقفت عندها في ملاحظاتي هذه والتي أرجو أن تكون قد أضاءت جوانب ليست في تقديري بالوضوح الكافي لدى البعض أو لم تحض بالدرس الذي تستحق، وهو درس يصعب تصور ازدهاره واستمراره دون عناية بالدراسات المقارنة التي ما تزال هامشية الحضور في الكثير من أقسامنا الأدبية.



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.