لماذا لا ترتفع أسعار النفط رغم تحسن التزام «أوبك»؟

4 تفسيرات تشرح الفجوة بين خفض الإنتاج والأسعار

عامل عراقي في حقل بشمال البصرة (أ.ب)
عامل عراقي في حقل بشمال البصرة (أ.ب)
TT

لماذا لا ترتفع أسعار النفط رغم تحسن التزام «أوبك»؟

عامل عراقي في حقل بشمال البصرة (أ.ب)
عامل عراقي في حقل بشمال البصرة (أ.ب)

اجتمع الأسبوع الماضي في العاصمة الكويتية 5 وزراء من كبار الدول المنتجة للنفط في العالم، للاطلاع على مدى التزام الدول الـ22 الذين تعهدوا بخفض إنتاجهم في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، من أجل إعادة الاستقرار لسوق النفط التي شهدت على مدى عامين هبوطاً حاداً في الأسعار نتيجة تخمة المعروض.
وخلص الوزراء الخمسة الأعضاء في اللجنة الوزارية لمراقبة الإنتاج التي تترأسها الكويت، وتتكون من الجزائر وفنزويلا وروسيا وعمان، إلى أن التزام المنتجين تحسن بشكل كبير في فبراير (شباط) مقارنة بشهر يناير (كانون الثاني).
وعقب الاجتماع، أعلن وزير النفط الكويتي عصام المرزوق أن نسبة الالتزام باتفاق خفض الإنتاج بين «أوبك» والمنتجين المستقلين بلغت حتى الآن 94 في المائة بشكل عام لكل المنتجين ارتفاعاً من 86 في المائة في يناير. والتزمت دول «أوبك» حتى الآن بنحو 106 في المائة من الكمية التي تستهدف خفضها، أي ما يعني أن «أوبك» خفضت فوق المطلوب منها بنحو 6 في المائة.
وتعهدت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) بخفض الإنتاج نحو 1.2 مليون برميل يومياً من أول يناير، وذلك في أول اتفاق من نوعه على خفض الإمدادات منذ 2008. وتعهد منتجون من خارج «أوبك» بخفض الإنتاج بنحو نصف ذلك القدر.
ووصف الوزير الكويتي مستوى الالتزام باتفاق خفض الإنتاج حتى الآن بأنه «ممتاز»، إلا أن أسعار النفط لم ترتفع كثيراً منذ بداية العام، بل على العكس سجلت أسعار النفط في الربع الأول من العام الحالي أسوأ أداء لها على أساس فصلي منذ عام 2015.
وانخفض «برنت» في تسوية العقود الآجلة يوم الجمعة 13 سنتاً إلى 52.83 دولار للبرميل. وخسرت العقود نحو 7 في المائة منذ الربع السابق، وهي أكبر خسارة فصلية منذ أواخر 2015. وسجل الخام الأميركي ارتفاعاً طفيفاً في العقود الآجلة بلغ 25 سنتاً إلى 50.60 دولار للبرميل بعدما هبط دون 50 دولاراً للبرميل، واختتم الربع على تراجع بنحو 5.7 في المائة ليسجل أيضاً أكبر خسائره الفصلية منذ أواخر 2015.
إذن ما الذي يحدث في سوق النفط؟ ولماذا أسعار النفط لم تتحسن رغم كل الإعلانات من كبار المنتجين في العالم عن مدى تحسن التزامهم؟
هناك كثير من التفسيرات لهذا الأمر المحير؛ أولها وأهمها هو أن المخزونات النفطية لم تهبط حتى الآن بالحجم الذي يجعل السوق تتوازن. وثاني هذه التفسيرات هو أن المضاربين في عقود النفط لا يزالون متخوفين حيال إمكانية عودة النفط الصخري بقوة في الأشهر المقبلة، خصوصاً مع تحسن الأسعار.
أما التفسير الثالث، فهو أن الخفض في الإنتاج حتى الآن لم يترجم إلى خفض في الصادرات. والتفسير الأخير أن الإنتاج من بعض الدول خارج «أوبك» في زيادة، أو أن الأرقام التي تعلنها بعض دول «أوبك» غير دقيقة.
1) تباطؤ هبوط المخزونات: أحد أكبر التحديات التي تواجهها سوق النفط هو مسألة ارتفاع المخزونات النفطية. ولكن لا أحد يعلم بالتحديد حجم النفط المخزن، وهو الأمر الذي عبر عنه وزير الطاقة السعودي خالد الفالح في مقابلة مع تلفزيون «بلومبيرغ» الشهر الماضي، حين قال إن شفافية أرقام المخزونات ليست كاملة.
وخارج الولايات المتحدة وخارج الدول الصناعية الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية، لا توجد أرقام دقيقة حول المخزونات. ويقدر وزير النفط الكويتي أن الفائض في المخزونات يقدر بنحو 285 مليون برميل فوق مستوى الخمس سنوات. فيما قال الأمين العام لـ«أوبك» محمد باركيندو إن المخزونات في الدول الصناعية فائضة بنحو 282 مليون برميل. وكان وزير النفط السعودي خالد الفالح قد قدرها الشهر الماضي في هيوستن عند 300 مليون برميل.
ويبقى المهم هو حجم تراجع المخزونات، ولكن لعدم وجود الشفافية، تقدير هذا التراجع أصبح صعباً. ويقدر مصرف مورغان ستانلي هذا التراجع منذ بداية العام حتى الآن بنحو 72 مليون برميل، وهذه تشمل المخزونات غير المرئية خارج الدول الصناعية. ويقول المصرف إن التخزين العائم تراجع كذلك نحو النصف إلى 67 مليون برميل. ورغم هذا التراجع البطيء، يتوقع البنك أن تزداد وتيرة خفض المخزونات في الأشهر المقبلة مع تحسن الطلب ودخول الصيف، لينتهي العام على سحوبات قدرها من 250 إلى 300 مليون برميل وهذه الكمية كافية لإعادة التوازن للسوق.
2) مفاجأة النفط الصخري: لا أحد يستطيع بالتحديد تقدير كمية النفط الصخري التي ستعود للسوق هذا العام مع تحسن الأسعار. لكن السوق تراقب حفارات النفط وهذه الآن عادت لمستويات عالية، حيث زادت الشركات الأميركية عدد حفارات النفط للأسبوع الحادي عشر على التوالي في أفضل فصل لزيادة عدد الحفارات منذ الربع الثاني من 2011 مع اكتساب موجة تعافٍ مدتها 10 أشهر للزخم في ظل تعزيز شركات الطاقة إنفاقها على الإنتاج الجديد.
وقالت بيكر هيوز لخدمات الطاقة يوم الجمعة إن الشركات أضافت 10 حفارات نفطية في الأسبوع المنتهي في 31 مارس (آذار)، ليصل العدد الإجمالي إلى 662 حفارة، وهو الأكبر منذ سبتمبر (أيلول) 2015.
ويتوقع مصرف مورغان ستانلي أن يزيد إنتاج النفط الصخري هذا العام بنحو 700 ألف برميل يومياً، فيما تضع مصارف أخرى وبيوت استشارات الزيادة بين 300 ألف برميل يومياً إلى 800 ألف برميل يومياً.
3) الصادرات مرتفعة: رغم تخفيض كل الدول إنتاجها حسبما هو معلن، لا تزال الصادرات مرتفعة من بعض البلدان. وتظهر بيانات تتبع ناقلات النفط التي نشرتها «بلومبيرغ» أن صادرات السعودية في شهر مارس زادت نحو 326 ألف برميل يومياً عن فبراير، فيما انخفضت صادرات العراق بصورة ضئيلة تبلغ 50 ألف برميل، ولم يكن هذا الانخفاض من موانئ البصرة، بل من النفط المصدر من إقليم كردستان. وزادت فنزويلا صادراتها النفطية بنحو 5.8 في المائة خلال مارس مقارنة بفبراير.
4) زيادة من خارج «أوبك» أو أرقام غير دقيقة: ويبقى آخر تفسير لما يحدث هو أن الأرقام التي تصدر من الدول ليست دقيقة، أو أن الأرقام التي تصدرها المصادر الثانوية في السوق ليست دقيقة، وهو ما يظهر جلياً في حجم تراجع المخزونات. والتفسير الآخر هو أن يكون الإنتاج من خارج «أوبك» مرتفعاً بصورة عطلت عملية الخفض من «أوبك». ولم تصل روسيا التي هي جزء من الاتفاق إلى كامل خفضها البالغ 300 ألف برميل، وخفضت حتى الشهر الماضي بنحو 200 ألف برميل. فيما لا تزال كازاخستان التي هي جزء من الاتفاق كذلك غير ملتزمة. وبالأمس قال نائب وزير الطاقة في كازاخستان إن إنتاج بلاده من النفط الخام تجاوز المستوى الذي اتفقت عليه مع كبار المنتجين الآخرين بواقع 10 آلاف برميل يومياً في مارس.



البنوك السعودية تُسجل عاماً تاريخياً في 2025 وتستعد لمرحلة جديدة خلال 2026

أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
TT

البنوك السعودية تُسجل عاماً تاريخياً في 2025 وتستعد لمرحلة جديدة خلال 2026

أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)

شهد عام 2025 محطة تاريخية فارقة للبنوك السعودية التي سجلت أرباحاً قياسية بلغت 24.5 مليار دولار (ما يعادل 92 مليار ريال)، وبنمو سنوي نسبته 16 في المائة، وبفارق 3.46 مليار دولار (13 مليار ريال) مقارنةً بعام 2024. وفي وقت تترقب الأسواق أداء القطاع خلال العام الجاري، تشير التوقعات إلى نمو أكثر اعتدالاً واستقراراً، وسط رهانات على استمرار الإنفاق الحكومي في دعم المشاريع الكبرى بوصفها ركائز أساسية تحافظ على زخم الطلب الائتماني.

وقد جاء هذا الأداء القوي ثمرةً لتضافر عوامل استراتيجية، بدءاً من قوة الملاءة المالية للبنوك، وصولاً إلى توسع مَحافظ الإقراض. كما أن الأرقام المسجَّلة لم تكن بمعزل عن التقييمات الدولية؛ إذ يؤكد صندوق النقد الدولي أن القطاع المصرفي السعودي يتمتع بمرونة عالية، ومستويات رسملة قوية، وسيولة وفيرة، مع انخفاض ملحوظ في القروض المتعثرة لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2016. ويشير إلى أن البنوك السعودية أثبتت قدرتها على تحمل الصدمات الاقتصادية وتقلبات أسعار النفط بفضل اختبارات الضغط الصارمة، وأن القطاع المصرفي السعودي يمتلك أساسات صلبة تمكّنه من مواصلة دعم نمو الاقتصاد غير النفطي.

العاصمة السعودية (واس)

ما البنوك؟

شمل هذا الأداء القوي المصارف العشرة المدرجة في السوق السعودية، وهي: «البنك الأهلي السعودي»، ومصرف «الراجحي»، و«بنك الرياض»، و«البنك السعودي الأول»، و«البنك السعودي الفرنسي»، و«البنك العربي الوطني»، ومصرف «الإنماء»، وبنك «البلاد»، و«البنك السعودي للاستثمار»، و«بنك الجزيرة».

تصدر «البنك الأهلي السعودي» قائمة البنوك من حيث صافي الأرباح، مسجلاً 25 مليار ريال، بنسبة نمو بلغت 18 في المائة. وجاء «مصرف الراجحي» في المرتبة الثانية من حيث صافي الأرباح، لكنه حقق أعلى نسبة نمو بين المصارف المدرجة، تجاوزت 26 في المائة، لتصل أرباحه إلى أكثر من 24.7 مليار ريال. في حين حل «بنك الرياض» ثالثاً بأرباح بلغت 10.4 مليار ريال، وبنسبة نمو بلغت 12 في المائة.

مبنى «الراجحي» في العاصمة السعودية (أ.ف.ب)

هيمنة البنوك الكبرى

وفي تعليق على النتائج المالية، قال محلل الأسواق المالية، وعضو «جمعية الاقتصاد» السعودية، الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن نتائج القطاع البنكي خلال عام 2025 تظهر أداءً استثنائياً، وهو نمو يعكس قوة القطاع المصرفي ومتانته، حيث تصدر البنك الأهلي السعودي ومصرف الراجحي المشهد، مما يؤكد استمرار هيمنة البنوك الكبرى المدعومة بقاعدة رأسمالية قوية وانتشار واسع.

وأضاف أن هذا النمو جاء مدفوعاً بعدة عوامل رئيسية، أبرزها استمرار ارتفاع أسعار الفائدة خلال معظم فترات العام، مما عزَّز صافي دخل العمولات الخاصة، كما أسهم التوسع في الإقراض، خصوصاً التمويل العقاري وتمويل الشركات المرتبطة بمشاريع «رؤية السعودية 2030»، في زيادة حجم الأصول المدرّة للدخل، كذلك استفادت البنوك من تحسن جودة الأصول وانخفاض المخصصات مقارنةً بفترات سابقة، إلى جانب التوسع في الخدمات الرقمية التي رفعت كفاءة التشغيل وخفضت التكاليف.

ويتوقع الخالدي أن يشهد القطاع المصرفي السعودي نمواً أكثر اعتدالاً خلال 2026، مع احتمالية استقرار أو تراجع أسعار الفائدة، مما قد يضغط نسبياً على الهوامش الربحية، مضيفاً أن استمرار الإنفاق الحكومي والمشاريع الكبرى، إضافةً إلى نمو القطاع غير النفطي، سيُبقي الطلب على التمويل عند مستويات قوية.

ويُرجِّح أن تركز البنوك على تنويع مصادر الدخل عبر الرسوم والخدمات الاستثمارية، وتعزيز التحول الرقمي لرفع الكفاءة، لافتاً إلى أن القطاع المصرفي السعودي سيبقى في موقع قوي، مدعوماً ببيئة اقتصادية مستقرة وإصلاحات هيكلية، مما يجعله قادراً على الحفاظ على مستويات ربحية جيدة رغم التحديات المحتملة.

أرباح «تاريخية»

من جهته، وصف المحلل المالي ناصر الرشيد، خلال تصريح له لـ«الشرق الأوسط»، أرباح القطاع لعام 2025 بأنها «تاريخية»، وتأتي مدفوعةً بالنمو المستمر في الأعمال بالاقتصاد السعودي والنمو السنوي للميزانية الحكومية، مضيفاً أن البنوك جزء من المنظومة المالية، كما أن القطاع البنكي هو القطاع الأكثر دعماً لمؤشر السوق السعودية.

وفي تحليل لنمو أرباح البنوك، أرجع الرشيد ذلك إلى نمو صافي الدخل من الفوائد والعمليات التشغيلية، الناتج من توسع محفظة الإقراض المصرفي، ونمو الدخل من الرسوم المصرفية والعمولات، وكذلك التوسع القوي في محفظة الإقراض وارتفاع حجم القروض البنكية وزيادة الطلب على التمويل من الشركات والأفراد، مما أسهم في زيادة الأرباح.

مبنى بنك الرياض (الشرق الأوسط)

نمو الطلب على الائتمان

وأشار إلى أن تحسن البيئة الاقتصادية وتشغيل بعض المشاريع الضخمة ضمن «رؤية 2030» عزَّزا الطلب على التمويل المصرفي وزادا الطلب على الائتمان، بالإضافة إلى تحسن مستويات الربحية التشغيلية وانخفاض تكاليف المخاطر في بعض البنوك وارتفاع الطلب على التمويل، كما حقق بعض البنوك أرباحاً رأسمالية من بيع الأصول والاستثمارات، مما أسهم في زيادة صافي الربح السنوي للقطاع البنكي.

وأضاف أن غالبية البنوك استفادت من تنوع مصادر الدخل وحققت مكاسب من الأدوات المالية المتنوعة، كالصكوك، والاستثمارات الأخرى، بالإضافة إلى استفادتها من الاستقرار والتخفيض النسبي في أسعار الفائدة، مما أسهم في تحسين الهوامش الربحية لدى بعض البنوك.

ورغم هذا الأداء الاستثنائي، يرى محللون أن القطاع المصرفي يواجه عدداً من التحديات في عام 2026؛ لعل أبرزها احتمال ضغوط الهوامش الربحية الناتجة عن اتجاهات أسعار الفائدة. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب التسارع الرقمي استثمارات مستمرة في الأمن السيبراني لمواكبة التهديدات المتطورة، إلى جانب التحدي المتمثل في الحفاظ على جودة الأصول في ظل بيئة ائتمانية متسارعة، وهو ما يفرض على البنوك انتهاج سياسات تحوطية مرنة تضمن استدامة الربحية والنمو في آن واحد.


انهيار شركة رهن بريطانية كبرى يضع البنوك العالمية في مواجهة الخسائر

الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)
الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)
TT

انهيار شركة رهن بريطانية كبرى يضع البنوك العالمية في مواجهة الخسائر

الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)
الحي المالي في لندن (إ.ب.أ)

يواجه القطاع المصرفي العالمي حالة من الترقب المشوب بالحذر عقب الانهيار المفاجئ لشركة «ماركت فاينانشال سوليوشنز (MFS)»، وهي شركة بريطانية متخصصة في تقديم الرهن العقاري، وسط مزاعم خطيرة بالاحتيال وتضليل المستثمرين.

هذا الانهيار لم يقتصر تأثيره على الشركة ذاتها، بل امتد ليشكل تهديداً مباشراً لمؤسسات مالية كبرى في «وول ستريت» ولندن، مما أعاد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة عن ضعف معايير الاكتتاب التي سبقت الأزمات المالية الكبرى، وجسّد تحذيرات المدير التنفيذي لبنك «جي بي مورغان»، جيمي ديمون، بشأن وجود «صراصير» كامنة في أسواق الائتمان تنتظر الظهور مع تراجع السيولة، وفق ما ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز».

خيوط الأزمة

بدأت فصول الأزمة عندما تقدمت شركتا «أمبر بريدجينغ» و«زيركون بريدجينغ» بطلب قضائي ضد شركة «ماركت فاينانشال سوليوشنز»، كاشفتين عن «مخالفات جسيمة» في إدارة حسابات الشركة المالية. وبناءً على هذه المعطيات، وافق رئيس محكمة الإعسار والشركات في لندن، القاضي نيكولاس بريغز، على وضع الشركة تحت الإدارة القضائية، واصفاً مزاعم الاحتيال الموجهة ضدها بأنها «بالغة الخطورة».

ويكمن جوهر الاتهامات في ممارسة «الرهن المزدوج»، حيث يُزعم أن الشركة استخدمت الأصول العقارية ذاتها ضمانات للحصول على قروض متعددة، مما أدى إلى «عجز كبير» في الضمانات العقارية التي تغطي قروض المقرضين. هذا التلاعب، الذي يتطلب تحقيقاً عاجلاً، يعني أن المؤسسات المالية التي ضخت مليارات الجنيهات في الشركة وجدت نفسها أمام أصول متضخمة القيمة أو غير موجودة في الواقع، مما دفع القضاء البريطاني إلى تعيين خبراء من شركة «أليكس بارتنرز» لإدارة عملية التصفية والبحث في حجم الخسائر التي قد تصل إلى 930 مليون جنيه إسترليني (1.3 مليار دولار).

هيكلية السيطرة

لم يكن انهيار «إم إف إس» نتيجة سوء إدارة مؤسسي فحسب، بل سلّط الضوء على نموذج «الملكية المطلقة». فقد تأسست الشركة عام 2006 على يد باريش رجا، الذي كان يدير الشركة بصفته المدير الوحيد والمسيطر المطلق على الأقسام كافة، بمشاركة زوجته براثيبا رجا بصفتها عضو مجلس إدارة، حيث كان الزوجان هما المساهمين الوحيدين. ورغم أن الشركة كانت تدّعي في منشوراتها الترويجية أنها تمتلك فِرقاً لإجراء «العناية الواجبة المعززة»، فإن تركيز الصلاحيات في يد فرد واحد أتاح تمرير عمليات تمويل مشبوهة بعيداً عن الرقابة الداخلية الفعالة. وفي محاولة لاحتواء الموقف، أصدر رجا بياناً زعم فيه أن الأزمة هي «مأزق تقني وإجرائي» وليست فشلاً في جودة الأصول، وهي تصريحات قوبلت بتشكيك واسع من الدائنين والمحللين القانونيين.

شعار «باركليز» (رويترز)

ارتدادات عالمية

أحدث هذا السقوط صدمة في أروقة المال، خصوصاً مع انكشاف حجم تعرض المؤسسات المالية الكبرى. ويَبرز بنك «باركليز» بوصفه أحد أكثر المتضررين بحجم تعرض يقدَّر بنحو 600 مليون جنيه إسترليني، مما أدى إلى تراجع أسهم البنك في بورصة لندن، وفق صحيفة «التايمز».

ولم تكن المؤسسات الأميركية بمنأى عن هذا الزلزال؛ إذ يواجه بنك «جيفريز» (الذي تعرض سابقاً لخسائر من انهيار «فيرست براندز»)، وشركة «أطلس إس بي بارتنرز» التابعة لـ«أبولو غلوبال مانجمنت»، إلى جانب «ويلز فارغو» و«سانتاندير» و«تي بي جي»، ضغوطاً متزايدة لتقييم خسائرها. وتشير التقديرات إلى أن إجمالي التمويلات التي قدمتها هذه المؤسسات للشركة المنهارة تجاوزت ملياري جنيه إسترليني، مما دفع صناديق التحوط الائتماني للبدء بتحليل دفاتر الشركة، متوقعةً عمليات بيع قسرية لديون الشركة بخصومات حادة لاسترداد ما يمكن استرداده.

صلات مشبوهة

كشفت التحقيقات التي تحدثت عنها «فاينانشال تايمز» عن أن جزءاً كبيراً من أعمال «إم إف إس» كان مرتبطاً بتمويل عقارات مرتبطة بوزير بنغلاديشي سابق. فقد كانت الشركة تمول استثمارات ضخمة مرتبطة به منذ عام 2019، وشمل ذلك مئات العقارات في إنجلترا وويلز. أثار هذا الملف تساؤلات حادة حول مدى امتثال الشركة لقوانين مكافحة غسيل الأموال، خصوصاً أن الأصول المعلنة للسياسي في بلاده كانت لا تتناسب مطلقاً مع حجم ثروته العقارية في بريطانيا، التي جمدت الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة جزءاً كبيراً منها في وقت سابق.

وقد عززت هذه القضية من الانتقادات الموجَّهة إلى شركات الائتمان التي تلهث خلف عوائد مرتفعة دون التدقيق الكافي في جودة الأصول، وهو ما وصفه جيمي ديمون مؤخراً بـ«الأفعال الغبية» التي تعيد تذكير المحللين بما حدث في عام 2008.

شعار شركة «جيفريز فاينانشال غروب» معروض على شاشة في بورصة نيويورك (رويترز)

أزمة ثقة تتجاوز «إم إف إس»

لا يمثل انهيار «إم إف إس» حالة منعزلة، بل هو حلقة في سلسلة من الإخفاقات التي ضربت شركات أميركية مؤخراً، مثل «فيرست براندز» و«تريكولور هولدينغز»، اللتين تواجهان بدورهما تحقيقات بتهم احتيال وتزييف فواتير. وتؤكد هذه الوقائع المتسارعة أن ثقافة «التوسع السريع» و«النمو غير المدروس» في سوق الإقراض المدعوم بأصول قد خلقت بيئة هشة. ومع استمرار التحقيقات، يظل السؤال الأهم الذي يطرحه المستثمرون حالياً: هل يعد انهيار «إم إف إس» جرس إنذار أخير قبل ظهور حالات احتيال أخرى في أسواق الائتمان الخاص، أم أنه مجرد فصل آخر من تداعيات السيولة الرخيصة التي تلاشت في ظل أسعار الفائدة المرتفعة؟

في ظل هذه المعطيات، تجد البنوك الدولية نفسها اليوم في موقف دفاعي، مطالبةً بتعزيز معايير الرقابة والمحاسبة، بينما يراقب العالم ما إذا كان هذا الانهيار سيقود إلى موجة من الملاحقات القضائية التي قد تغير قواعد اللعبة في سوق الإقراض العقاري الموازي.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أسعار الجملة الأميركية تفوق التوقعات وتُجدد مخاوف الضغوط التضخمية

متسوقة تدفع عربة تسوق داخل متجر كوستكو قبل تخفيضات «بلاك فرايدي» في أرلينغتون بفيرجينيا (رويترز)
متسوقة تدفع عربة تسوق داخل متجر كوستكو قبل تخفيضات «بلاك فرايدي» في أرلينغتون بفيرجينيا (رويترز)
TT

أسعار الجملة الأميركية تفوق التوقعات وتُجدد مخاوف الضغوط التضخمية

متسوقة تدفع عربة تسوق داخل متجر كوستكو قبل تخفيضات «بلاك فرايدي» في أرلينغتون بفيرجينيا (رويترز)
متسوقة تدفع عربة تسوق داخل متجر كوستكو قبل تخفيضات «بلاك فرايدي» في أرلينغتون بفيرجينيا (رويترز)

سجّلت أسعار الجملة في الولايات المتحدة ارتفاعاً فاق التوقعات، خلال الشهر الماضي، في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية عند مستويات تفوق ما كان يُنتظر.

وأعلنت وزارة العمل، الجمعة، أن مؤشر أسعار المنتجين – الذي يقيس التضخم عند بوابة الإنتاج قبل انتقاله إلى المستهلكين – ارتفع بنسبة 0.5 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول)، وبنسبة 2.9 في المائة على أساس سنوي حتى يناير (كانون الثاني) 2025. وكانت توقعات الاقتصاديين، وفقًا لمسح أجرته شركة «فاكت سيت»، تشير إلى زيادة شهرية قدرها 0.3 في المائة، وسنوية بنحو 1.6 في المائة.

وعند استثناء أسعار الغذاء والطاقة شديدة التقلب، ارتفعت أسعار الجملة الأساسية بنسبة 0.8 في المائة على أساس شهري و3.6 في المائة على أساس سنوي، متجاوزةً بدورها تقديرات المحللين.

في المقابل، تراجعت أسعار الطاقة؛ إذ انخفضت أسعار البنزين بالجملة بنسبة 5.5 في المائة مقارنة بديسمبر، وبنسبة حادة بلغت 15.7 في المائة على أساس سنوي.

وجاءت الزيادة مدفوعة بشكل رئيسي بارتفاع أسعار الخدمات بالجملة، نتيجة اتساع هوامش الربح لدى تجار التجزئة والجملة.

ويأتي تقرير أسعار المنتجين بعد أسبوعين من إعلان وزارة العمل أن أسعار المستهلكين ارتفعت بنسبة 2.4 في المائة فقط على أساس سنوي، الشهر الماضي، لتقترب بذلك من هدف التضخم البالغ 2 في المائة الذي يسعى إليه الاحتياطي الفيدرالي.

وكان عدد من الاقتصاديين قد أبدوا مخاوف من أن تؤدي الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات إلى تسريع وتيرة التضخم، إلا أن تأثيرها حتى الآن جاء أقل من المتوقع، رغم بقاء معدلات التضخم أعلى من المستوى المستهدف من قبل الاحتياطي الفيدرالي.

وتُعدّ أسعار الجملة مؤشراً استباقياً لمسار تضخم المستهلكين، كما تحظى بمتابعة دقيقة من قبل الاقتصاديين نظراً إلى أن بعض مكوناتها - لا سيما مؤشرات الرعاية الصحية والخدمات المالية - تدخل ضمن حساب مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل لدى «الاحتياطي الفيدرالي» لرصد التضخم.