الحكومة المصرية تتعهد بالقضاء على «الإرهاب الأسود» وإعادة الأمن والاستقرار

مقتل شرطي بعبوة ناسفة في القاهرة ومجند بالجيش في هجمات انتحارية بسيناء

قوات الشرطة المصرية تغلق الطرق المؤدية لموقع انفجار القنبلة التي استهدفت مركزا للشرطة في مصر الجديدة، بالقرب من مبنى محكمة القاهرة (أ.ب)
قوات الشرطة المصرية تغلق الطرق المؤدية لموقع انفجار القنبلة التي استهدفت مركزا للشرطة في مصر الجديدة، بالقرب من مبنى محكمة القاهرة (أ.ب)
TT

الحكومة المصرية تتعهد بالقضاء على «الإرهاب الأسود» وإعادة الأمن والاستقرار

قوات الشرطة المصرية تغلق الطرق المؤدية لموقع انفجار القنبلة التي استهدفت مركزا للشرطة في مصر الجديدة، بالقرب من مبنى محكمة القاهرة (أ.ب)
قوات الشرطة المصرية تغلق الطرق المؤدية لموقع انفجار القنبلة التي استهدفت مركزا للشرطة في مصر الجديدة، بالقرب من مبنى محكمة القاهرة (أ.ب)

قتل مجند في هجوم انتحاري في جنوب سيناء، بينما نجا عمال مصريون من هجوم انتحاري متزامن بالمحافظة نفسها، وقتل شرطي برتبة «عريف»، بعبوة ناسفة، استهدفت نقطة مرور شرق القاهرة. بينما أصيب 12 آخرون، في الهجمات التفجيرية الثلاث التي وقعت صباح أمس في القاهرة وجنوب سيناء، وفقا لما أعلنت السلطات المصرية. وبينما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن تلك الهجمات، تعهدت الحكومة المصرية بـ«مواصلة معركتها للقضاء على الإرهاب الأسود وإعادة الأمن والاستقرار».
ومنذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي عن الحكم في الثالث من يوليو (تموز) الماضي، تشهد البلاد أعمال عنف متزايدة، أوقعت المئات من رجال الشرطة والجيش، في هجمات يشنها مسلحون من الجماعات الإرهابية.
وتتزامن تفجيرات الأمس مع دعوة وجهها «تحالف دعم الشرعية»، الذي تقوده جماعة الإخوان المسلمين، لأنصاره بالتظاهر بدءا من أمس، ولمدة ثلاثة أسابيع، فيما أطلق عليه «الموجة الثورية الثالثة»، لرفض ترشح المشير عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع السابق، في انتخابات رئاسة الجمهورية نهاية الشهر الحالي، باعتباره قائدا لعملية عزل مرسي العام الماضي. وخلال مظاهرات الأمس وقعت اشتباكات بين أنصار الإخوان والشرطة، مما أسفر عن مقتل اثنين.
وسبق أن أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس «الإرهابية»، التي تتخذ من سيناء مقرا لها، مسؤوليتها عن العديد من الهجمات التي استهدفت شخصيات ومقار أمنية للجيش والشرطة ومنها محاولة اغتيال وزير الداخلية وتفجير مبنى مديرية أمن القاهرة، وكذلك هجمات ضد سياح أجانب في سيناء.
وتنظر الحكومة المصرية لمثل هذه التنظيمات الجهادية بأنها تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، والتي جرى تصنيفها أيضا كأحد التنظيمات الإرهابية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، لكن «تحالف دعم الشرعية»، أدان تفجيرات الأمس، نافيا أي علاقة له بها. وأعلنت وزارة الداخلية المصرية أمس عن مقتل عريف شرطة وإصابة أربعة آخرين إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت كشك مرور بميدان المحكمة بحي مصر الجديدة شرق العاصمة القاهرة.
وأوضح مسؤول إعلامي بالوزارة، في بيان أمس، أن عبوة محلية (الصنع) انفجرت بصندوق الإشارات المرورية بميدان «المحكمة»، أسفرت عن مقتل العريف عبد الله محمد من قوة إدارة مرور النزهة، وإصابة الملازم أول نصر عبد القادر محمد إبراهيم الضابط بالإدارة العامة لمرور القاهرة وثلاثة مجندين، مضيفا أنه جرى فرض كردون أمني بالمنطقة، حيث قامت الأجهزة الأمنية بتمشيطها وكثفت جهودها للوقوف على ملابسات الواقعة.
وقال اللواء عبد الفتاح عثمان مساعد وزير الداخلية للإعلام والعلاقات إن رجال المفرقعات مشطوا محيط الانفجار للتأكد من عدم وجود أية قنابل أو مواد متفجرة أخرى، مضيفا أن الأجهزة الأمنية تبذل قصارى جهدها لملاحقة العناصر الإرهابية وضبطها، وناشد المواطنين بالمزيد من التعاون مع أجهزة الأمن من خلال سرعة الإبلاغ عن أية أجسام غريبة أو الاشتباه في أي من الأشخاص الخطرين.
ووقع تفجير مصر الجديدة بعد ساعات قليلة من هجومين نفذا صباح أمس أيضا في محافظة جنوب سيناء، بينهما هجوم استهدف كمينا أمنيا بمدينة الطور، مما أسفر عن مقتل منفذ الهجوم ومجند بالجيش وإصابة أربعة آخرين.
وقال مصدر أمني بوزارة الداخلية، إن «أحد العناصر الإرهابية قتل إثر انفجار عبوة ناسفة كان يحملها، عند تعامل قوات كمين تأمين طريق الطور بجنوب سيناء معه حال اقترابه منهم»، مضيفا أن «الهجوم أسفر عن مقتل مجند من القوات المسلحة وإصابة ثلاثة أفراد من قوات الشرطة وآخر من القوات المسلحة».
وتابع أن هجوما آخر وقع، حيث «فجر انتحاري عبوة ناسفة كان يحملها أثناء مرور إحدى حافلات نقل الركاب على طريق الطور، مما أدى إلى اشتعال النار في الحافلة وإصابة أربعة من عمال أحد المصانع بإصابات طفيفة»، مؤكدا أنه بتمشيط المنطقة «عثرت أجهزة الأمن على سيارة خاصة بداخلها عدد من قذائف آر بي جي»، وأضاف أنه جرى فرض كردون أمني حول تلك المنطقة.
وروى العقيد أركان حرب أحمد علي، المتحدث باسم القوات المسلحة، تفاصيل واقعة مقتل مجند الجيش أمس، مشيرا إلى أنه «في تمام الساعة السادسة والربع من صباح الجمعة توجه شخص يرتدي زيا بدويا إلى كمين الوادي بمدينة الطور، وسأل أحد الجنود عن كيفية الذهاب إلى مدينة الطور، وعندما طلب منه المجند مغادرة الكمين، قام الشخص بتفجير نفسه، مما أسفر عن استشهاد المجند أحمد علي سيد عمر، وإصابة 5 آخرين من الشرطة المدنية».
وتقوم الأجهزة الأمنية بتمشيط المناطق المجاورة من خلال المرورات والأكمنة الأمنية الثابتة والمتحركة، وتكثف جهودها للوقوف على ملابسات الواقعتين والكشف عن هوية منفذيهما.
من جهتها، قالت وزارة الصحة والسكان إن حصيلة التفجيرات في القاهرة وجنوب سيناء، هي مقتل أربعة بينهم إرهابيان، وإصابة 12 آخرين. وأوضحت الوزارة في بيان لها أمس أنه جرى نقل المصابين إلى مستشفيات (الطور العسكري، وشرم الشيخ الدولي، والطور العام، وهليوبوليس).
وأدان مجلس الوزراء المصري تفجيرات القاهرة وجنوب سيناء، وأكد عزم الحكومة على مواصلة حربها ضد الإرهاب. وقال المجلس، في بيان أصدره أمس، إن تلك العمليات التي وصفها بالجبانة «لن تزيد رجال القوات المسلحة والشرطة البواسل إلا عزيمة وإصرارا على استكمال معركتهم الشريفة للقضاء على الإرهاب الأسود وملاحقة عناصره الإجرامية وإعادة الأمن والاستقرار».
وشدد على أن مصر «لن تلتفت إلى الوراء، وهي ماضية بخطوات ثابتة وواثقة نحو تحقيق خارطة المستقبل»، التي أعلنها الجيش عقب عزل مرسي، وشملت إقرار دستور جديد وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية. وأضاف أن ما سماها «قوى الإرهاب» لن تنجح في التأثير على إرادة الشعب المصري.
كما استنكر الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر التفجيرات، مؤكدا ضرورة التصدي لمثل هذه الأعمال «الإجرامية القبيحة التي لم تراع أي حرمة للدماء والأنفس التي عصمها الله»، كما طالب بـ«سرعة تعقب هؤلاء المجرمين المفسدين في الأرض، واتخاذ إجراءات قانونية رادعة».
من جهة أخرى، واصل أمس أنصار جماعة الإخوان المسلمين مظاهراتهم الأسبوعية المناهضة للسلطات الحالية، ورفض ترشح السيسي للرئاسة، وذلك في عدة مناطق بالقاهرة وعدد من المحافظات، حاملين شعارات «رابعة» وصورا للرئيس المعزول. ودخل المتظاهرون في صدامات عنيفة مع قوات الشرطة، أسفرت عن مقتل متظاهرين وإصابة ثلاثة في الإسكندرية، بحسب مصادر إخوانية، كما ألقت قوات الشرطة القبض على العشرات.
وكان «التحالف الوطني لدعم الشرعية»، قد دعا أنصاره إلى الاحتشاد بدءا من أمس الجمعة ولمدة ثلاثة أسابيع في إطار ما سماه جمعة «زواج أميركا من مصر باطل»، ردا على تصريحات منسوبة لوزير الخارجية المصري نبيل فهمي شبه فيها علاقة مصر بواشنطن بأنها علاقة زواج. وهو ما نفته الخارجية المصرية بالقول إن «هذا التصريح غير دقيق وإن ما ذكره الوزير أن العلاقات المصرية - الأميركية هي علاقات ممتدة على مدى طويل ومتشعبة ومثل الزواج».
وقال مصدر أمني بالعاصمة القاهرة إن قوات أمن سيطرت على عدة اشتباكات في عدد من المناطق التي شهدت تجمعات إخوانية، ومنها محيط المدينة الجامعية بالأزهر، الذي وقعت فيه اشتباكات عنيفة بين طلبة الإخوان وقوات الأمن، بعد رشق الطلاب قوات الأمن بالحجارة وزجاجات المولوتوف، بينما قامت القوات بإطلاق القنابل المسيلة للدموع لمنع محاولات الطلبة الخروج خارج أسوار المدينة.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.