إجماع في كلمات القادة على الحلول السياسية ومواجهة الإرهاب

المداخلات شددت على إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بصفتها أولوية للعرب

الرئيس السوداني خلال الجلسة الافتتاحية للقمة أمس (أ.ف.ب) - أمير الكويت لدى مشاركته في القمة (أ.ب)
الرئيس السوداني خلال الجلسة الافتتاحية للقمة أمس (أ.ف.ب) - أمير الكويت لدى مشاركته في القمة (أ.ب)
TT

إجماع في كلمات القادة على الحلول السياسية ومواجهة الإرهاب

الرئيس السوداني خلال الجلسة الافتتاحية للقمة أمس (أ.ف.ب) - أمير الكويت لدى مشاركته في القمة (أ.ب)
الرئيس السوداني خلال الجلسة الافتتاحية للقمة أمس (أ.ف.ب) - أمير الكويت لدى مشاركته في القمة (أ.ب)

أجمعت المداخلات التي أدلى بها القادة العرب في الجلسة الافتتاحية للقمة العربية التي انعقدت، أمس، في منطقة البحر الميت في الأردن، على ضرورة توحيد العمل العربي المشترك، وتحديد الأولويات في إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية، بصفتها قضية العرب الأولى، إضافة إلى ضرورة مكافحة التطرف والإرهاب، وإيجاد الحلول السياسية للأزمات في سوريا واليمن وليبيا.
وكانت القمة افتتحت بكلمة للرئيس الموريتاني، محمد ولد عبد العزيز، الذي كانت بلاده ترأس القمة السابقة، فكرر ما قاله ممثلو موريتانيا في الاجتماعات التي سبقت افتتاح القمة، عن أن الشعوب تعلق آمالاً كبيرة على القمة العربية. ورأى «أننا نحتاج إلى تجنيب منطقتنا العربية مزيداً من التأزيم، وتعزيز التفاهم والتعاون بين العرب، وإسماع صوتهم والدفاع عن قضاياهم العادلة في المحافل الإقليمية والدولية».
وعرض في كلمته جهود بلاده «في تنفيذ القرارات العربية الصادرة عن قمة نواكشوط ومتابعتها، ومنها إدانة الاستيطان للأراضي الفلسطينية المحتلة، حين صادق مجلس الأمن الدولي على قرار 2334، كما عكست نتائج القمة العربية - الأفريقية الرابعة عمق العلاقات بين أفريقيا والعالم العربي ومتانتها، وتمسك الأفارقة بمواقفهم المبدئية والثابتة لدعم القضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية».

* العاهل الأردني يدعو إلى «حلول تاريخية»

بعدها سلم الرئيس الموريتاني رئاسة القمة إلى العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، الذي باشر إدارة الجلسة، ملقياً كلمة تطرق فيها إلى أوضاع المنطقة العربية ودعا القادة العرب إلى «أخذ زمام المبادرة لوضع حلول تاريخية لتحديات متجذرة» لتجنب «التدخلات الخارجية في شؤوننا».
واعتبر الملك عبد الله الثاني أن التوصل إلى هذه الحلول يبدأ بـ«التوافق على أهدافنا ومصالحنا الأساسية، بدلاً من أن نلتقي كل عام، ونكرر مواقف نعلم جيداً أنها لن تترجم في سياساتنا»، وقال: «تحدياتنا مشتركة، فلا بد من أن تكون حلولنا مشتركة أيضاً»، داعياً إلى أن تكون القمة «محطة جديدة في العمل العربي المشترك».
وحذر من «خطر الإرهاب والتطرف على المنطقة العربية»، وقال: «نواجه اليوم تحديات مصيرية لدولنا وشعوبنا وأمتنا، من أهمها خطر الإرهاب والتطرف الذي يهدد أمتنا، ويسعى إلى تشويه صورة ديننا الحنيف، واختطاف الشباب العربي ومستقبلهم»، وأضاف أن «واجبنا أن نعمل معاً على تحصينهم دينياً وفكرياً (...) الإرهاب يهددنا، نحن العرب والمسلمين، أكثر مما يهدد غيرنا، وضحايا الإرهاب أكثرهم من المسلمين، ولا بد من تكامل الجهود بين دولنا والعالم لمواجهة هذا الخطر من خلال نهج شامل».
وأشار إلى أن إسرائيل «تستمر في توسيع الاستيطان، وفي العمل على تقويض فرص تحقيق السلام»، مؤكداً أنه «لا سلام، ولا استقرار في المنطقة، من دون حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية؛ القضية المركزية في الشرق الأوسط، من خلال حل الدولتين»، وقال: «سنواصل دورنا في التصدي لأي محاولة لتغيير الوضع القائم، وفي الوقوف بوجه محاولات التقسيم الزماني أو المكاني للمسجد الأقصى، وأنتم السند والعون للأردن في هذه المسؤولية (...) لا بد لنا من العمل يداً واحدة لحماية القدس، والتصدي لمحاولات فرض واقع جديد، وهو ما سيكون كارثياً على مستقبل المنطقة واستقرارها».
* أبو الغيط: لا نجد شريكاً للسلام
وألقى الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، كلمة قال فيها إنه استشعر «ارتياحاً كبيراً ودفعة معنوية هائلة من حديثه مع جميع القادة، حيث كان الخط العام هو دعم الجامعة العربية وعملها، والتمسك بمهمتها السامية في تمثيل وتوحيد العرب، والتعبير عن مصالحهم والذود عنها، وتجسيد آمالهم وتطلعاتهم والسعي إليها». وأضاف: «تحوم حول منطقتنا طيور جارحة كثيرة، تريد أن تنهش في الجسد العربي، وأن تفتئت على قدرة العرب على توحيد صفهم، وأن تضع العرب في تناقض بين بعضهم بعضا، وهناك من هذه القوى من يوظف الطائفية والمذهبية على نحو مقيت لتحقيق أغراض سياسية تناقض المصلحة العربية على طول الخط، وهو نهج نرفضه ونتصدى له، وندعو الأطراف التي تمارسه إلى مراجعة حساباتها».
وأكد أن «اليد العربية لا تزال ممدودة بالسلام على نحو ما تقضي مبادرة السلام العربية، ولا نزال في انتظار شريك حقيقي على الجانب الآخر يفهم متطلبات السلام ويعمل بجدية من أجل تحقيقه... وللأسف، لا نجد هذا الشريك رغم تعدد الوساطات والجهود».
وألقى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، كلمة رأى فيها أن الأوضاع التي يشهدها العالم العربي فتحت المجال أمام التدخلات الخارجية، مؤكداً استعداد الأمم المتحدة للعمل مع الجامعة العربية لتحقيق التنمية. وأكد أن «المسلمين هم أول ضحايا الإرهاب، وحماية المضطهدين أمر متجذر في الإسلام».
وقالت الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني: إن «هناك حاجة إلى سلام دائم وشامل بين الفلسطينيين والإسرائيليين». وأضافت: «نحن نؤمن بشكل عميق بأن حل الدولتين هو الطريقة الواقعية لإنهاء الصراع في المنطقة، وندرك أن أي تغييرات في حدود عام 1967 يجب أن يتم بالتفاوض، خصوصاً فيما يتعلق بالقدس».
ودعا الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، يوسف العثيمين، إلى إيجاد إرادة قوية لتحريك عملية السلام، وفقاً لحل الدولتين. وجدد «رفض المنظمة المبدئي والمطلق للإرهاب والتطرف»، مؤكداً «أهمية القضاء على خوارج العصر الذين شوهوا صورة الإسلام». وثمّن «دور دول المنظمة في التصدي للإرهاب ونبذه مهما كان مصدره أو شريعته»، مؤكداً «حرص المنظمة على مجابهة أي استهداف طائفي يؤدي إلى التشرذم». وشدد على «ضرورة احترام سيادة الدول الأعضاء في المنظمة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية واحترام حسن الجوار قولاً وعملاً».
* أمير الكويت ينتقد «وهم الربيع العربي»
وبعد كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، ألقى أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، كلمة قال فيها إن «ما يسمى الربيع العربي وهمٌ أطاح بأمن واستقرار أشقاء لنا، وعطل التنمية والبناء لديهم، وامتد بتداعياته السلبية ليشمل أجزاء من وطننا العربي». وحض على «استخلاص العبر مما حصل، وتصحيح الكثير من مسارات عملنا؛ تحصيناً لمجتمعاتنا وتماسكاً لجبهتنا الداخلية، وتحقيقاً لتطلعات شعوبنا المشروعة».
وقال: إن ما يواجهه العالم العربي من تحديات جسيمة يفرض الالتزام بنهج مختلف «عما درجنا عليه في السابق»، داعياً إلى «أن تكون هذه القمة بداية لتحديد مسار جديد نعمل من خلاله على التركيز على موضوعات محددة تمثل تشخيصاً للمعوقات التي نواجهها، ولندع بقية موضوعاتنا الاعتيادية للنظر فيها، والتعامل معها عبر المستويات الوزارية».
ورأى أن «المجتمع الدولي لا يزال يقف عاجزاً عن إيجاد حل للكارثة التي يعايشها الأشقاء في سوريا بكل أبعادها، رغم نتائجها وإفرازاتها الخطيرة». وفيما يخص العلاقة مع إيران، قال: «نؤكد الأسس المستقرة في العلاقات الدولية والقانون الدولي التي أساسها احترام سيادة الدول، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية لها، واحترام متطلبات حسن الجوار، متطلعين إلى استمرار المشاورات والحوار البناء بين دول المنطقة وبينها لتحقيق الأمن والاستقرار».
* السيسي: رسالة قاطعة لرفض التدخلات
ثم ألقى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، كلمة أمام المجتمعين. وشدد على ضرورة توجيه «رسالة قاطعة» ضد التدخلات الخارجية في الشؤون العربية، مشدداً: «إننا لن نسمح لأي قوة كانت بالتدخل في شؤوننا. ومحاولات الهيمنة المذهبية أو العقائدية، أو فرض مناطق نفوذ داخل أراضى الدول العربية، ستواجه بموقف عربي موحد صارم، عازم على حماية مؤسسات الدولة الوطنية، قادر على صيانة مقدرات الشعوب العربية، والوفاء بحقوقها في العيش الكريم والتنمية».
وأكد أن «الإرهاب أصبح ظاهرة عالمية لا يمكن التهاون معها، أو القبول بأي تبريرات في شأنها»، معتبرًا أن «مواجهة الإرهاب ليست بالأمر الهين... ويجب أن تكون شاملة، تبدأ من الحسم العسكري، وتستمر لتشمل العمل على تحسين الظروف التنموية والاقتصادية والمعيشية في بلادنا بشكل عاجل وفعال، والتصدي للفكر المتطرف على المستوى الديني والآيديولوجي والثقافي».
واستنكر «انتشار الإرهاب، والاستقطاب الطائفي والمذهبي، في ربوع الدولة السورية التي تشهد تدخلاً خارجياً غير مسبوق في شؤونها ومقدرات شعبها»، ورأى أن «الحل السياسي للأزمة هو السبيل الوحيد»، وأكد «تشجيع الأشقاء في ليبيا على إيجاد صيغة عملية لتنفيذ الاتفاق السياسي». وندد بامتداد «مساعي قوى الظلام والإرهاب لتفكيك الدولة الوطنية في جميع أرجاء الوطن العربي» إلى اليمن الذي «يعاني من دعوات الاستقطاب المذهبي والطائفي»، وجدد التزام مصر «بدعم اليمن ومؤسساته الشرعية، وتأمين حرية الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر»، ودعا إلى التعجيل باستئناف المفاوضات للتوصل إلى حل سياسي على أساس قرارات مجلس الأمن والمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني، وأعرب عن دعمه الكامل للعراق في «حربه ضد التطرف»، وأكد استمرار مساعي مصر لحل القضية الفلسطينية.
* أمير قطر: أولوية القضية الفلسطينية
وغادر السيسي القاعة، فور بدء أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، إلقاء كلمته التي رأى فيها أنه «ليس من الإنصاف أن نبذل جهداً لاعتبار تيارات سياسية نختلف معها إرهابية». وقال: إن «مكافحة الإرهاب أخطر من أن نخضعها للخلافات والمصالح السياسية والشد والجذب بين الأنظمة».
وتحدث مطولاً عن القضية الفلسطينية، قائلا إنها «تظل في مقدمة أولوياتنا رغم جمود عملية السلام بسبب المواقف المتعنتة لإسرائيل». وأضاف: «نحن مطالبون بالعمل للضغط على المجتمع الدولي لرفض إقامة نظام فصل عنصري، والتعامل بحزم مع إسرائيل». وطالب بوقف «الانتهاكات المستمرة ضد الشعب الفلسطيني ورفع حصار غزة الجائر الذي يمنع سكانها من ممارسة حياتهم الطبيعية». ودعا «جميع القيادات الفلسطينية إلى التحلي بالحكمة لإنهاء الانقسام وتشكيل حكومة وفاق وطني».
* عباس: نعمل على المصالحة
من جانبه، قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس: إن «القضية المركزية والقومية الأولى لأمتنا العربية، هي القضية الفلسطينية؛ وذلك بفضل عدالتها، وصمود شعبها، وثباته على أرضه، وعملنا الدؤوب لحشد التضامن معها، وتعزيز مكانة فلسطين وتثبيتها في النظام الدولي، بدعم أخوي عربي أصيل، وتضامن دولي صديق». وشدد على أهمية دعم القدس والمقدسيين. وأشاد بدور السعودية في إنشاء صندوقين لدعم القدس. وتحدث عن المصالحة الوطنية الفلسطينية، قائلاً: «نعمل على توحيد أرضنا وشعبنا، وتحقيق المصالحة بحكومة وحدة وطنية تلتزم ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية، وإجراء الانتخابات العامة في أسرع وقت ممكن؛ بناءً على ما تم الاتفاق عليه في المحادثات في دولة قطر».
* البشير: قمة ثقافية لمكافحة الإرهاب
واقترح الرئيس السوداني عمر البشير على الزعماء العرب «عقد قمة ثقافية لمكافحة الإرهاب». ودعا إلى «التعاون مع الأسرة الدولية لدرء مخاطر الإرهاب التي تستهدف البشرية جمعاء». وأضاف: إن المنطقة العربية تواجه «تحديات جساماً لا تحتاج إلى شرح ودليل... ولسنا في حاجة إلى التذكير بأن قضايانا الأمنية والسياسية والاقتصادية تتطلب تطوير العمل العربي المشترك، وإعلاء قيم الحوار».
* عون: وقف الحروب بين الإخوة
ودعا الرئيس اللبناني، ميشال عون، العرب إلى «وقف الحروب بين الإخوة، بجميع أشكالها، العسكرية والمادية والإعلامية والدبلوماسية، والجلوس إلى طاولة الحوار؛ لتحديد المصالح الحيوية المشروعة لكل فريق واحترامها»، مطالباً في الوقت ذاته بعودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم «لتجنيب لبنان التداعيات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والسياسية للازدياد المتواصل في أعدادهم». وقال إن «العاصفة التي ضربت منطقتنا أصابت جميع أوطاننا، منها من تضرر مباشرة، ومنها من حمل عبء النتائج، ومنها من يقف مترقباً بحذر وقلق؛ خوفاً من وصول شراراتها إليه. وقد طالت شظاياها جامعة الدول العربية، لا بل ضربتها في الصميم، فشلت قدراتها، وجعلتها تقف عاجزة عن إيجاد الحلول. لذلك؛ يمكن القول، وبكل ثقة، إننا جميعنا معنيون بما يحدث، ولا يمكن أن نبقى بانتظار الحلول تأتينا من الخارج».
* العبادي: موقف عربي موحد لرفض التدخلات
وأكد رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، أن بلاده تمكنت من إعادة أكثر من 1.6 مليون نازح إلى مدنهم بعد تحريرها من تنظيم داعش. وأشار إلى أن بلاده «وضعت برنامجاً متكاملاً لإعادة الاستقرار والخدمات والإعمار إلى هذه المناطق». ودعا الدول العربية إلى «المشاركة في جهود إعادة البناء والاستقرار إلى هذه المدن التي لحق بها دمار كبير؛ من أجل ضمان عدم عودة الإرهاب في المستقبل».
وشدد على أن «موقف العراق الذي هو دولة مؤسسة للجامعة العربية واضح تجاه الثوابت والقضايا الكبرى وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ونرى أن الإرهاب والتطرف والانشغال بالنزاعات الداخلية أدى إلى حرف الأمور عن مسارها الصحيح وتبديد الجهود والتضحيات وتحويل الأولويات إلى قضايا ثانوية». ودعا إلى «موقف عربي موحد تجاه أي تجاوز على السيادة الوطنية للعراق أو أي دولة عربية، وعدم السماح به واعتبار ذلك خطا أحمر في علاقاتنا مع الدول، وأن تكون علاقاتنا مع جميع الدول مبنية على الثقة وعدم التدخل واحترام السيادة والتعاون وتبادل المصالح». وقال إن «العراق مقبل على مرحلة جديدة بعد القضاء على (داعش) وطرده خارج حدودنا»، داعياً الدول العربية إلى «توحيد جهودها وتبادل المعلومات الأمنية والاستخباراتية» من أجل منع تمدد التنظيم إلى دول أخرى.
* هادي: الميليشيات تسد آفاق الحل
أما الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، فرأى ضرورة «إعادة صياغة وبلورة رؤانا المشتركة واستراتيجياتنا المستقبلية لتتواكب مع المصالح العربية العليا، ومع طموحات الشعوب العربية التي تعلق علينا الكثير من الآمال والتوقعات». وقال: «كنا في الجمهورية اليمنية نأمل باستضافة هذه القمة في العاصمة صنعاء لنجمع العرب في عاصمتهم التاريخية، لولا سيطرة الميليشيات الانقلابية عليها واستمرارها في تأزيم الأوضاع، والإصرار على سد كل آفاق العودة للعملية السياسية».
وتحدث عن المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية التي قادتها السعودية، باعتبارها «مخرجاً سلمياً وعادلاً لانتقال السلطة ولمصالحة وطنية جديدة، متهماً نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح بـ«إنعاش كل أمراض التخلف ورعاية الإرهاب في صورتيه القاعدية والحوثية». واتهم إيران بـ«تغذية الميليشيات العابثة لصالح مشروعها التوسعي المدمر للهوية العربية؛ فهذه الدولة هي الراعي الحقيقي للإرهاب بشقيه المتمثل بالقاعدة و(داعش) من جهة، والحوثيين و(حزب الله) ومن على شاكلتهم من جهة أخرى».



«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.


«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.