الشاعر محمد الدميني: الحداثيون قاوموا إرادة المحو.. والمشهد الأدبي يعود لمساره التنويري

يرى أن إحدى فضائل الربيع العربي الكشف عن مدى تجذر القبلية والعصبية والطائفية

محمد الدميني
محمد الدميني
TT

الشاعر محمد الدميني: الحداثيون قاوموا إرادة المحو.. والمشهد الأدبي يعود لمساره التنويري

محمد الدميني
محمد الدميني

ظل الشاعر السعودي محمد الدميني منحازا لقضايا الإنسان، ومعبرا عن همومه، وكانت قصائده تنقّب عن انكسارات الإنسان وخيباته بأكبر قدر من الكثافة الانفعالية واللغوية. وبدأ الدميني حياته الشعرية «تفعيليا»، لكنه سرعان ما وجد ضالته في قصيدة النثر. وأصدر مجموعته الأولى «أنقاض الغبطة» (1989)، والثانية «سنابل في منحدر» (1995)، والأخيرة «أيام لم يدخرها أحد» (2014). وكان الانتقال من كتابة قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر «عسيرا بالنسبة لشاعر مبتلى بفضاءات الشعر القديم وهيمنته على القلب والذاكرة والمخيلة»، كما يقول.
ودرس الدميني، وهو الحداثي شعرا ومنهجا، في جامعة الإمام، لكنه لم يكن الوحيد، كما يقول، الذي درس في هذه الجامعة وتخرج فيها وهو «أكثر تشبثا بسارية التجديد والانحياز إلى أشكال الأدب الجديد». التقينا الشاعر السعودي محمد الدميني في الظهران، حيث يعمل في شركة «أرامكو السعودية»، ويسكن هناك، وأجرينا معه الحوار التالي:

* مرّ نحو ربع قرن منذ أصدرت ديوانك الأول «أنقاض الغبطة» (1989) حتى مجموعتك الأخيرة «أيام لم يدخرها أحد» (2014)، وبينهما صدرت مجموعتك «سنابل في منحدر» (1995).. هل هناك ثمة خيط يجمع هذه التجربة الشعرية؟
- يستطيع القارئ قراءة كل مجموعة مستقلة ومتصلة مع الأخرى. فاللحظة الشعرية التي رافقت كل إصدار مختلفة في زمنها وفي نواتجها الجمالية وفي صداها لدى القارئ. لكنني أحسب أن الخيط الذي يجمع أطراف هذه التجربة هو انخراطها في التنقيب عن انكسارات الإنسان وخيباته بأكبر قدر من الكثافة الانفعالية واللغوية، وإضاءة العنف الموجه إلى وجوده وعصبه وطاقته.
* هل للزمن تأثير على نتاجك الشعري.. بمعنى هل يمنحك مزيدا من الوقت للتأمل؟
- أعتبر نفسي كاتبا خاسرا على هذا الصعيد. لم أفهم طبيعة الزمن ولا تأثيراته على الكتابة ونموها وتوسعها. ورغم هذا فإن للزمن أثره على ما كتبت لا شعرا فقط بل ونثرا أيضا. التأمل هو أحد أسلحة الشاعر لصقل تجربته ونقدها، لكنه أيضا السبيل إلى قراءة مظاهر الحياة اليومية وتمثّلها والخروج على الأنساق الثقافية الكامنة بحثا عن أرض جمالية جديدة.
* كشاعر كانت تسكن قصائده تفاصيل القرية وسهولها.. هل تغيرت نظرتك وأنت تفتقد القرية الآن؟
- لا أستطيع الفرار من فضاء القرية وسلطتها الأولى. هناك تكوّنت طفولتي ولغتي ومشاهداتي الأولى وأحاسيسي المبكرة تجاه كل مفردات الحياة، تجاه المشاعر والأحلام. لقد بني الشغف بكل شيء هناك، ولعل في قصائدي طيفا من الرموز والصور والأمكنة التي عشت فيها، لكن الحديث هنا ليس نوستالجيا ولا رومانسيا، إذ توجب علي أن أدمج كل ذلك الماضي في عالم المدينة المتشابك والمضطرب. ورغم أن فضاء المدينة عندنا لا يزال مطوقا بقيم ومفاهيم قروية مكبرة فإننا نسير باتجاه صياغة المدن كما هو حال مدن العالم، فعالم القرية يتآكل تحت زحف العولمة بكل شرورها وحسناتها!
* هل فكرت يوما في أن تكتب «رواية»؟
- الرواية هي حلم كل كاتب، وما زلت أعتبر الرواية العظيمة، والعمل السينمائي الفريد، المثالين الحقيقيين القريبين من روح إنسان هذا العصر، وأذكر أنني فكرت مع عبد العزيز مشري يوما ما أن نغامر برواية مشتركة على طريقة منيف وجبرا في روايتهما «البحث عن وليد مسعود»، لكن الفكرة تبخّرت سريعا كتبخّر النجاح الطفيف التي حققته تلك الرواية. بحكم قراءاتي المنتظمة للروائيين الكبار فقد كتبت اجتهادات سردية لكنني لم أقتنع بنشرها يوما.
* هل يحتاج الشاعر إلى «حافز» يشده، أو «وجع» يثيره.. هل تحتاج القصيدة إلى نار المعاناة فعلا؟
- أعتقد أن الناس شركاء في نار المعاناة، فأين هو الشخص السعيد اليوم؟ والأسوأ أن يصاب الجيل الجديد مبكرا بالتعاسة والنقمة، أي أن التطور العلمي والتقني والتواصلي لم يوسع أبواب السعادة كما كنا نحلم. القصيدة وكل قطعة أدبية أو فنية ستبقى وليدة الآلام والمشقات، لكنها لا تستهدف تدوير العذاب على الناس بل صناعة لحظة فرح أو توقد إنساني أداته اللغة والمعنى والمخيلة، وهنا تبدأ مهمة الشاعر.
التجربة الشعرية
* بدأت شاعرا تفعيليا، لكن سرعان ما أرسيت مراكبك في شاطئ قصيدة النثر.. ماذا وجدت في قصيدة النثر؟
- مناهجنا الدراسية في الثانوية والجامعة كانت تتمترس حول الدين واللغة والتراث الأدبي. لربما سهّل هذا طريقي إلى قصيدة التفعيلة، التي كتبتها كثيرا ثم استخلصت منها مجموعتي «أنقاض الغبطة». الانتقال من كتابة قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر لم يكن يسيرا. كان عسيرا بالنسبة لشاعر مبتلى بفضاءات الشعر القديم وهيمنته على القلب والذاكرة والمخيلة. إنها عملية تشبه إعادة البرمجة بالمفهوم الحاسوبي المعاصر.
* ماذا تعني لك قصيدة النثر؟
- قصيدة النثر كانت أحد المراكب التي جرّبت عبرها الخوض في بحر ما، ولم أكن أعرف ماذا سأصادف. كنت أجرّب خلاصا ما من اشتراطات الوزن والقافية، ومن هيمنة اللغة المعجمية، وأحاول اكتشاف أرض لم تدسها الخيول كثيرا، ووجدت هذا الطريق.
* في أي سياق تضع هذه التجربة؟
- أضع هذه التجربة في سياق إحياء قصيدتنا المحلية وإحالتها إلى الفضاء الحداثي العربي. لا أملك الحس العصابي تجاه أي شكل شعري. أزمتي الدائمة هي مع الشكل الذي لا ينتج شعرا، ولا يمنحنا صفة أخرى لنوقف مراكبنا في هوائها.
الحداثة والتجديد
* كيف رأيت ما واجهته الحداثة خلال الثمانينات من هجوم كاسح؟
- الهجوم الكاسح على الحداثة ومضامينها تبين أنه هجوم ذكي، بحيث إنه استثار الحساسية الدينية ضدها، لكنه ضالّ من حيث إنهم لم يدركوا أن الحاجة إلى التجديد والنهوض والحداثة لا في الأدب وحده هي حاجة فطرية، والآن يتعرف الناس على جناية التطرف الديني، لا على الأدب والفن اللذين خيّم فيهما لعقود طويلة، بل على مقوّمات المجتمع تعليما وفكرا ومعرفة. قاوم الحداثيون إرادة المحو تلك، ودفعوا ثمنا باهظا لتهم التكفير، لكن المشهد الأدبي يعود مرة أخرى إلى مساره التنويري.
* أليس غريبا أن تكون شاعرا حداثيا وأنت أحد طلاب جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض (حصل منها على بكالوريوس المكتبات 1980)؟
- لست وحدي من تخرج في جامعة الإمام وهو أكثر تشبثا بسارية التجديد والانحياز إلى أشكال الأدب الجديد، وإلى أطروحات النهوض الاجتماعي، وإعلاء الحريات. لي صديق يمازحني بهذه التهمة بين وقت وآخر لكنني أسرد له أسماء في القصة والشعر والنقد والصحافة تخرجت في تلك الجامعة ثم أصبحت نجوما لامعة في صحافتنا الثقافية في الشرقية والرياض وجدة. فضاء الجامعة ذو الصبغة الدينية الغالبة كان حاضنا لطلاب ذوي ميول شتى، بينهم المتشدد الأعمى الذي لا ينتمي إلى المملكة فقط بل إلى جنسيات آسيوية وأوروبية وأفريقية تلقت منحًا للدراسة، وبينهم قوميون وتنويريون، لكن هذه الجامعة ألقتنا دون أن تدري إلى الشاطئ الآخر!
* هل يمكن أن تنمو قصيدة النثر في مجتمع قبلي محافظ؟
- المجتمع القبلي ليس حكرا علينا، إحدى فضائل الربيع العربي هي الكشف عن مدى تجذر القبلية والعصبية والطائفية في بنية مجتمعاتنا. قصيدة النثر توجد في هذه المجتمعات، لكنه وجود نسبي يرتبط بمدى حرص الأجهزة الثقافية والتعليمية في تلك الدول على نشر مفاهيم التجديد والنهضة والحداثة. كتبتُ في مجلة «دارين» أن مواصلة عزل النصوص الأدبية الحديثة عن المناهج التعليمية التي تدرسها الناشئة ستؤدي إلى غربة قاسية بين الجيل الجديد وتذوقه الأدبي والجمالي. لو كان بعض أدب حمزة شحاتة ومحمد حسن عواد وغازي القصيبي ومحمد العلي يدرّس في فصولنا ألا يمكن أن نكون في صحة أدبية أفضل؟
* الناقد الدكتور سعد البازعي اعتبر أن عقد التسعينات الذي بزغت فيه تجربتك الشعرية كان «على المستوى الشعري عقد قصيدة النثر بامتياز».. كيف كان حضور هذه القصيدة في المشهد الشعري آنذاك؟
- هذه القصيدة بدأت بالحضور مبكرا في مشهدنا الشعري وتجسدت في تجربة فوزية أبو خالد الرائدة، وفي تجارب لاحقة كان أبرزها محمد عبيد الحربي. لكن فترة التسعينات كانت الأكثر احتضانا لتلك القصيدة، والسبب هو أن خارطة هذه القصيدة عربيا كبرت، فيما تحالفت مجموعة شعراء ضمنا وبلا تخطيط لمنح قصيدة النثر حقها في المشهد المحلي، وقد ترافق هذا مع فتور في قصيدة التفعيلة التي قدم أبرز رموزها تجاربهم الفارقة في الثمانينيات، ثم تنمطت تجاربهم أو عادت إلى الشكل التقليدي لاستمالة القارئ. لكن هذه المرحلة الشعرية لم تكن لتتقدم لولا إيمان عدد من النقاد بها، فكتبوا عنها بإخلاص وتحفيز، وأعتقد بصدق أن الأساتذة البازعي والسريحي ومعجب الزهراني قد منحوها ذلك الأفق.
* يقول الناقد محمد الحرز إن انحيازك لقصيدة النثر لم يشغلك بالشكل أو الصياغة «قدر الاشتغال بمراقبة القصيدة وهي تقول ما يقبض عليه الزمن تحت مخالبه».. بصراحة ماذا يبقى من الشعر إذا أهمل الشاعر الشكل والصياغة؟
- ليست لدي أي خصومة مع العصور الأدبية أو الأشكال الشعرية، فأنا أقرأها بكل غبطة منذ امرئ القيس وحتى عباس بيضون. هكذا تبقى القصيدة في مكانها كفنار يضيء خطوط الملاحة، رغم تبدل الأشكال، وانزياح اللغة، ولعل هذا ما قصده الصديق محمد الحرز. منذ «جلجامش» و«ألواح الموتى عند الفراعنة»، مرورا بالملاحم، والشعر يتعدد ويرحل عبر الزمن. هل يهمّ ما إذا كان أبو تمام أمينا لقصيدته العروضية، أو أن السياب غامر بقصيدته التفعيلية، أو أن أنسي الحاج تطرّف في قصيدته النثرية لكي نتعرف على ما صنعوه من ذائقة جمالية جديدة؟
مرثية الروح
* في مرحلة ما اتسمت قصائدك بنفس تشاؤمي فاقع، نلحظ ذلك في قصيدتك «ملاك الحسرة»، وقصيدتك «كتابة نهارية عن ليل نيويورك»، والعديد من القصائد الأخرى.. إلامَ تعزو ذلك؟
- كتبت «ملاك الحسرة» تحت دخان حرق الآبار النفطية في الكويت 1991، وكانت مرثية للروح والجسد والأحلام المغدورة في تلك اللحظة. كانت تلك الواقعة الضخمة مفصلا قاصما في رؤيتي الفكرية والسياسية وحتى الإبداعية، على غرار ما خلّفته نكسة 67 على الجيل الذي سبقني. أما قصيدة «كتابة نهارية عن ليل نيويورك» فكانت محاولة لقراءة هذه المدينة من الداخل، ومحاولة لاستنطاق تاريخها ورمزيتها، لكن زمن المناخ الغاضب على الرمزية الأميركية في تلك الحقبة، ولذا تناثرت عبارات الغضب المطعّم بنفحات آيديولوجية، لكنها المدينة الأكثر ترحيبا بكل أنواع القراءات. التشاؤم ليس موقفا يمكن تمثيله أو استعارته، هو حالة تكمن في النسيج النفسي لأي كاتب يحاول قراءة مجتمعه بأعلى قدر من الشفافية.
* انتقدت في مقال لك ما سميته «جنسنة الأدب والفكر وتقسيمه إلى إناث وذكور»، كأنك تدعو لحياة ثقافية مشتركة بين المبدعين.. في مجتمع قائم على الفصل الجسدي بين الجنسين..
- كتبتُ هذا في مقال غاضب «الأدب والحيطان» عن ولع بعض دوائرنا الثقافية والأكاديمية بتقسيم الأدب وفقا لجنس من يكتبه، وما يثير الحيرة هو دفاع بعض الأديبات والكاتبات عن الصالونات الأدبية النسائية التي سميتها «حلقات الذكر النسائية»، ومناداتهن بضرورة العزل في قاعات الأدب والفنون، وفي فصول الدرس الأكاديمي. ليس هذا سوى انفصام جامعي حين يسجن المحاضر في غرفة ليلقي محاضرته عبر كاميرا داخلية إلى صفوف من الدارسات، ويتلقى عبرها الأسئلة والملاحظات. إذا لم يكن الحرم الأكاديمي السامي حارسا للأستاذ وطالباته، والعكس، فإلى أين يتجه مجتمعنا؟ وفقا لهذا المسلك، فإن الأمهات والسيدات يسهمن عن علم أو جهل في صنع جيل يحارب الفنون والآداب.
* انتقدت اشتغال وزارة الثقافة بالنشر وتساءلت «لماذا نحاول أن نعرض على شعوب الدول الأخرى بضاعة لا ترقى أن تكون تمثيلا ثريا لمعطانا الأدبي والفكري؟».. لكن هناك من ينتقد الوزارة لتقصيرها في دعم المنتج الفكري والأدبي السعودي وتعريفه للعالم..
- أحسد أحيانا وزارة الثقافة على اتساع هامشها للنقد، لكنني أعرف أن هناك إنجازات أدبية وفنية محلية لم تكرس لها الوزارة بعض الوقت والضوء، وهي لم تقدمها كما يليق إلى الخارج. وكان هناك مسؤول في الوزارة يعتقد أن خصوصية ثقافتنا الوطنية لا تجسدها سوى فرق العرضات الشعبية وإيقاعات الطبول وبعض الأزياء التي يجوب بها عواصم العالم، هل حاسبه أحد على تلك السياسة؟ برامج الوزارة للأسف تعيش في عزلة عن جيل جديد ومتغير يحقق وجوده عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال العالم الرقمي الذي بلا حدود. كل من زار معرض الرياض للكتاب فوجئ باستخفاف الوزارة بإصدارات الأندية الأدبية التي كدستها في جناح صغير تعمه الفوضى وتصيب الزائر بالنفور.
* خلال عضويتك في نادي الشرقية الأدبي، كيف تقيم تجربة الانتخابات في الأندية الأدبية.. ما الذي كان ينقص هذه التجربة لكي تنجح؟
- الانتخابات تجربة فاشلة، وقد أسست لهذا التخبط الذي تعيشه الأندية الأدبية كلها منذ سنوات. معايير الانضمام لهذه الأندية كانت فضفاضة وغير مقننة منذ البداية، ولا تقبل بها أي مؤسسة منظمة ومنضبطة. فغياب المعايير سمح بدخول من لا صفة أدبية له إلى رحاب الأندية، وهكذا قادت التكتلات ذات المنزع الديني المؤدلج إلى احتلال عضوية الأندية وشل أنشطتها أو تحويلها إلى قاعات لدروس الوعظ الديني أو الاستعادات التراثية. أما الأسوأ فهو إحالة جملة من مشكلات الأندية وشخوصها إلى ساحات القضاء.

* سيرة ذاتية

* مواليد قرية محضرة، منطقة الباحة.
* يحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات من جامعة الإمام محمد بن سعود، وقضى سنة في دراسة اللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة.
* يعمل في «أرامكو السعودية». وأسهم مسؤولا ومحررا في مطبوعات الشركة الأسبوعية والشهرية والفصلية، وتولى تحرير مجلة «القافلة».
* عمل في تحرير ملحقي «المربد» ثم «اليوم الثقافي» اللذين كانت تصدرهما جريدة «اليوم».
* نشر مجموعة من نصوصه الأدبية ومقالاته في عدد من الصحف والمجلات المحلية والعربية. وشارك في عدد من الأمسيات الأدبية في المملكة ومهرجانات شعرية في ألمانيا وفرنسا.
* يعمل نائبا لرئيس نادي المنطقة الشرقية الأدبي، وهو رئيس تحرير مجلة «دارين» التي يصدرها النادي.
* صدرت له ثلاث مجموعات شعرية هي:
- «أنقاض الغبطة» دار «الشروق»، عمان – الأردن 1989.
- «سنابل في منحدر»، دار «السراة»، لندن – بريطانيا 1994.
- «أيام لم يدخرها أحد»، عن دار «أثر» للنشر والتوزيع - السعودية (2014).
* ترجم عددا من قصائده إلى الإنجليزية والألمانية والفرنسية.



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.