الشاعر محمد الدميني: الحداثيون قاوموا إرادة المحو.. والمشهد الأدبي يعود لمساره التنويري

يرى أن إحدى فضائل الربيع العربي الكشف عن مدى تجذر القبلية والعصبية والطائفية

محمد الدميني
محمد الدميني
TT

الشاعر محمد الدميني: الحداثيون قاوموا إرادة المحو.. والمشهد الأدبي يعود لمساره التنويري

محمد الدميني
محمد الدميني

ظل الشاعر السعودي محمد الدميني منحازا لقضايا الإنسان، ومعبرا عن همومه، وكانت قصائده تنقّب عن انكسارات الإنسان وخيباته بأكبر قدر من الكثافة الانفعالية واللغوية. وبدأ الدميني حياته الشعرية «تفعيليا»، لكنه سرعان ما وجد ضالته في قصيدة النثر. وأصدر مجموعته الأولى «أنقاض الغبطة» (1989)، والثانية «سنابل في منحدر» (1995)، والأخيرة «أيام لم يدخرها أحد» (2014). وكان الانتقال من كتابة قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر «عسيرا بالنسبة لشاعر مبتلى بفضاءات الشعر القديم وهيمنته على القلب والذاكرة والمخيلة»، كما يقول.
ودرس الدميني، وهو الحداثي شعرا ومنهجا، في جامعة الإمام، لكنه لم يكن الوحيد، كما يقول، الذي درس في هذه الجامعة وتخرج فيها وهو «أكثر تشبثا بسارية التجديد والانحياز إلى أشكال الأدب الجديد». التقينا الشاعر السعودي محمد الدميني في الظهران، حيث يعمل في شركة «أرامكو السعودية»، ويسكن هناك، وأجرينا معه الحوار التالي:

* مرّ نحو ربع قرن منذ أصدرت ديوانك الأول «أنقاض الغبطة» (1989) حتى مجموعتك الأخيرة «أيام لم يدخرها أحد» (2014)، وبينهما صدرت مجموعتك «سنابل في منحدر» (1995).. هل هناك ثمة خيط يجمع هذه التجربة الشعرية؟
- يستطيع القارئ قراءة كل مجموعة مستقلة ومتصلة مع الأخرى. فاللحظة الشعرية التي رافقت كل إصدار مختلفة في زمنها وفي نواتجها الجمالية وفي صداها لدى القارئ. لكنني أحسب أن الخيط الذي يجمع أطراف هذه التجربة هو انخراطها في التنقيب عن انكسارات الإنسان وخيباته بأكبر قدر من الكثافة الانفعالية واللغوية، وإضاءة العنف الموجه إلى وجوده وعصبه وطاقته.
* هل للزمن تأثير على نتاجك الشعري.. بمعنى هل يمنحك مزيدا من الوقت للتأمل؟
- أعتبر نفسي كاتبا خاسرا على هذا الصعيد. لم أفهم طبيعة الزمن ولا تأثيراته على الكتابة ونموها وتوسعها. ورغم هذا فإن للزمن أثره على ما كتبت لا شعرا فقط بل ونثرا أيضا. التأمل هو أحد أسلحة الشاعر لصقل تجربته ونقدها، لكنه أيضا السبيل إلى قراءة مظاهر الحياة اليومية وتمثّلها والخروج على الأنساق الثقافية الكامنة بحثا عن أرض جمالية جديدة.
* كشاعر كانت تسكن قصائده تفاصيل القرية وسهولها.. هل تغيرت نظرتك وأنت تفتقد القرية الآن؟
- لا أستطيع الفرار من فضاء القرية وسلطتها الأولى. هناك تكوّنت طفولتي ولغتي ومشاهداتي الأولى وأحاسيسي المبكرة تجاه كل مفردات الحياة، تجاه المشاعر والأحلام. لقد بني الشغف بكل شيء هناك، ولعل في قصائدي طيفا من الرموز والصور والأمكنة التي عشت فيها، لكن الحديث هنا ليس نوستالجيا ولا رومانسيا، إذ توجب علي أن أدمج كل ذلك الماضي في عالم المدينة المتشابك والمضطرب. ورغم أن فضاء المدينة عندنا لا يزال مطوقا بقيم ومفاهيم قروية مكبرة فإننا نسير باتجاه صياغة المدن كما هو حال مدن العالم، فعالم القرية يتآكل تحت زحف العولمة بكل شرورها وحسناتها!
* هل فكرت يوما في أن تكتب «رواية»؟
- الرواية هي حلم كل كاتب، وما زلت أعتبر الرواية العظيمة، والعمل السينمائي الفريد، المثالين الحقيقيين القريبين من روح إنسان هذا العصر، وأذكر أنني فكرت مع عبد العزيز مشري يوما ما أن نغامر برواية مشتركة على طريقة منيف وجبرا في روايتهما «البحث عن وليد مسعود»، لكن الفكرة تبخّرت سريعا كتبخّر النجاح الطفيف التي حققته تلك الرواية. بحكم قراءاتي المنتظمة للروائيين الكبار فقد كتبت اجتهادات سردية لكنني لم أقتنع بنشرها يوما.
* هل يحتاج الشاعر إلى «حافز» يشده، أو «وجع» يثيره.. هل تحتاج القصيدة إلى نار المعاناة فعلا؟
- أعتقد أن الناس شركاء في نار المعاناة، فأين هو الشخص السعيد اليوم؟ والأسوأ أن يصاب الجيل الجديد مبكرا بالتعاسة والنقمة، أي أن التطور العلمي والتقني والتواصلي لم يوسع أبواب السعادة كما كنا نحلم. القصيدة وكل قطعة أدبية أو فنية ستبقى وليدة الآلام والمشقات، لكنها لا تستهدف تدوير العذاب على الناس بل صناعة لحظة فرح أو توقد إنساني أداته اللغة والمعنى والمخيلة، وهنا تبدأ مهمة الشاعر.
التجربة الشعرية
* بدأت شاعرا تفعيليا، لكن سرعان ما أرسيت مراكبك في شاطئ قصيدة النثر.. ماذا وجدت في قصيدة النثر؟
- مناهجنا الدراسية في الثانوية والجامعة كانت تتمترس حول الدين واللغة والتراث الأدبي. لربما سهّل هذا طريقي إلى قصيدة التفعيلة، التي كتبتها كثيرا ثم استخلصت منها مجموعتي «أنقاض الغبطة». الانتقال من كتابة قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر لم يكن يسيرا. كان عسيرا بالنسبة لشاعر مبتلى بفضاءات الشعر القديم وهيمنته على القلب والذاكرة والمخيلة. إنها عملية تشبه إعادة البرمجة بالمفهوم الحاسوبي المعاصر.
* ماذا تعني لك قصيدة النثر؟
- قصيدة النثر كانت أحد المراكب التي جرّبت عبرها الخوض في بحر ما، ولم أكن أعرف ماذا سأصادف. كنت أجرّب خلاصا ما من اشتراطات الوزن والقافية، ومن هيمنة اللغة المعجمية، وأحاول اكتشاف أرض لم تدسها الخيول كثيرا، ووجدت هذا الطريق.
* في أي سياق تضع هذه التجربة؟
- أضع هذه التجربة في سياق إحياء قصيدتنا المحلية وإحالتها إلى الفضاء الحداثي العربي. لا أملك الحس العصابي تجاه أي شكل شعري. أزمتي الدائمة هي مع الشكل الذي لا ينتج شعرا، ولا يمنحنا صفة أخرى لنوقف مراكبنا في هوائها.
الحداثة والتجديد
* كيف رأيت ما واجهته الحداثة خلال الثمانينات من هجوم كاسح؟
- الهجوم الكاسح على الحداثة ومضامينها تبين أنه هجوم ذكي، بحيث إنه استثار الحساسية الدينية ضدها، لكنه ضالّ من حيث إنهم لم يدركوا أن الحاجة إلى التجديد والنهوض والحداثة لا في الأدب وحده هي حاجة فطرية، والآن يتعرف الناس على جناية التطرف الديني، لا على الأدب والفن اللذين خيّم فيهما لعقود طويلة، بل على مقوّمات المجتمع تعليما وفكرا ومعرفة. قاوم الحداثيون إرادة المحو تلك، ودفعوا ثمنا باهظا لتهم التكفير، لكن المشهد الأدبي يعود مرة أخرى إلى مساره التنويري.
* أليس غريبا أن تكون شاعرا حداثيا وأنت أحد طلاب جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض (حصل منها على بكالوريوس المكتبات 1980)؟
- لست وحدي من تخرج في جامعة الإمام وهو أكثر تشبثا بسارية التجديد والانحياز إلى أشكال الأدب الجديد، وإلى أطروحات النهوض الاجتماعي، وإعلاء الحريات. لي صديق يمازحني بهذه التهمة بين وقت وآخر لكنني أسرد له أسماء في القصة والشعر والنقد والصحافة تخرجت في تلك الجامعة ثم أصبحت نجوما لامعة في صحافتنا الثقافية في الشرقية والرياض وجدة. فضاء الجامعة ذو الصبغة الدينية الغالبة كان حاضنا لطلاب ذوي ميول شتى، بينهم المتشدد الأعمى الذي لا ينتمي إلى المملكة فقط بل إلى جنسيات آسيوية وأوروبية وأفريقية تلقت منحًا للدراسة، وبينهم قوميون وتنويريون، لكن هذه الجامعة ألقتنا دون أن تدري إلى الشاطئ الآخر!
* هل يمكن أن تنمو قصيدة النثر في مجتمع قبلي محافظ؟
- المجتمع القبلي ليس حكرا علينا، إحدى فضائل الربيع العربي هي الكشف عن مدى تجذر القبلية والعصبية والطائفية في بنية مجتمعاتنا. قصيدة النثر توجد في هذه المجتمعات، لكنه وجود نسبي يرتبط بمدى حرص الأجهزة الثقافية والتعليمية في تلك الدول على نشر مفاهيم التجديد والنهضة والحداثة. كتبتُ في مجلة «دارين» أن مواصلة عزل النصوص الأدبية الحديثة عن المناهج التعليمية التي تدرسها الناشئة ستؤدي إلى غربة قاسية بين الجيل الجديد وتذوقه الأدبي والجمالي. لو كان بعض أدب حمزة شحاتة ومحمد حسن عواد وغازي القصيبي ومحمد العلي يدرّس في فصولنا ألا يمكن أن نكون في صحة أدبية أفضل؟
* الناقد الدكتور سعد البازعي اعتبر أن عقد التسعينات الذي بزغت فيه تجربتك الشعرية كان «على المستوى الشعري عقد قصيدة النثر بامتياز».. كيف كان حضور هذه القصيدة في المشهد الشعري آنذاك؟
- هذه القصيدة بدأت بالحضور مبكرا في مشهدنا الشعري وتجسدت في تجربة فوزية أبو خالد الرائدة، وفي تجارب لاحقة كان أبرزها محمد عبيد الحربي. لكن فترة التسعينات كانت الأكثر احتضانا لتلك القصيدة، والسبب هو أن خارطة هذه القصيدة عربيا كبرت، فيما تحالفت مجموعة شعراء ضمنا وبلا تخطيط لمنح قصيدة النثر حقها في المشهد المحلي، وقد ترافق هذا مع فتور في قصيدة التفعيلة التي قدم أبرز رموزها تجاربهم الفارقة في الثمانينيات، ثم تنمطت تجاربهم أو عادت إلى الشكل التقليدي لاستمالة القارئ. لكن هذه المرحلة الشعرية لم تكن لتتقدم لولا إيمان عدد من النقاد بها، فكتبوا عنها بإخلاص وتحفيز، وأعتقد بصدق أن الأساتذة البازعي والسريحي ومعجب الزهراني قد منحوها ذلك الأفق.
* يقول الناقد محمد الحرز إن انحيازك لقصيدة النثر لم يشغلك بالشكل أو الصياغة «قدر الاشتغال بمراقبة القصيدة وهي تقول ما يقبض عليه الزمن تحت مخالبه».. بصراحة ماذا يبقى من الشعر إذا أهمل الشاعر الشكل والصياغة؟
- ليست لدي أي خصومة مع العصور الأدبية أو الأشكال الشعرية، فأنا أقرأها بكل غبطة منذ امرئ القيس وحتى عباس بيضون. هكذا تبقى القصيدة في مكانها كفنار يضيء خطوط الملاحة، رغم تبدل الأشكال، وانزياح اللغة، ولعل هذا ما قصده الصديق محمد الحرز. منذ «جلجامش» و«ألواح الموتى عند الفراعنة»، مرورا بالملاحم، والشعر يتعدد ويرحل عبر الزمن. هل يهمّ ما إذا كان أبو تمام أمينا لقصيدته العروضية، أو أن السياب غامر بقصيدته التفعيلية، أو أن أنسي الحاج تطرّف في قصيدته النثرية لكي نتعرف على ما صنعوه من ذائقة جمالية جديدة؟
مرثية الروح
* في مرحلة ما اتسمت قصائدك بنفس تشاؤمي فاقع، نلحظ ذلك في قصيدتك «ملاك الحسرة»، وقصيدتك «كتابة نهارية عن ليل نيويورك»، والعديد من القصائد الأخرى.. إلامَ تعزو ذلك؟
- كتبت «ملاك الحسرة» تحت دخان حرق الآبار النفطية في الكويت 1991، وكانت مرثية للروح والجسد والأحلام المغدورة في تلك اللحظة. كانت تلك الواقعة الضخمة مفصلا قاصما في رؤيتي الفكرية والسياسية وحتى الإبداعية، على غرار ما خلّفته نكسة 67 على الجيل الذي سبقني. أما قصيدة «كتابة نهارية عن ليل نيويورك» فكانت محاولة لقراءة هذه المدينة من الداخل، ومحاولة لاستنطاق تاريخها ورمزيتها، لكن زمن المناخ الغاضب على الرمزية الأميركية في تلك الحقبة، ولذا تناثرت عبارات الغضب المطعّم بنفحات آيديولوجية، لكنها المدينة الأكثر ترحيبا بكل أنواع القراءات. التشاؤم ليس موقفا يمكن تمثيله أو استعارته، هو حالة تكمن في النسيج النفسي لأي كاتب يحاول قراءة مجتمعه بأعلى قدر من الشفافية.
* انتقدت في مقال لك ما سميته «جنسنة الأدب والفكر وتقسيمه إلى إناث وذكور»، كأنك تدعو لحياة ثقافية مشتركة بين المبدعين.. في مجتمع قائم على الفصل الجسدي بين الجنسين..
- كتبتُ هذا في مقال غاضب «الأدب والحيطان» عن ولع بعض دوائرنا الثقافية والأكاديمية بتقسيم الأدب وفقا لجنس من يكتبه، وما يثير الحيرة هو دفاع بعض الأديبات والكاتبات عن الصالونات الأدبية النسائية التي سميتها «حلقات الذكر النسائية»، ومناداتهن بضرورة العزل في قاعات الأدب والفنون، وفي فصول الدرس الأكاديمي. ليس هذا سوى انفصام جامعي حين يسجن المحاضر في غرفة ليلقي محاضرته عبر كاميرا داخلية إلى صفوف من الدارسات، ويتلقى عبرها الأسئلة والملاحظات. إذا لم يكن الحرم الأكاديمي السامي حارسا للأستاذ وطالباته، والعكس، فإلى أين يتجه مجتمعنا؟ وفقا لهذا المسلك، فإن الأمهات والسيدات يسهمن عن علم أو جهل في صنع جيل يحارب الفنون والآداب.
* انتقدت اشتغال وزارة الثقافة بالنشر وتساءلت «لماذا نحاول أن نعرض على شعوب الدول الأخرى بضاعة لا ترقى أن تكون تمثيلا ثريا لمعطانا الأدبي والفكري؟».. لكن هناك من ينتقد الوزارة لتقصيرها في دعم المنتج الفكري والأدبي السعودي وتعريفه للعالم..
- أحسد أحيانا وزارة الثقافة على اتساع هامشها للنقد، لكنني أعرف أن هناك إنجازات أدبية وفنية محلية لم تكرس لها الوزارة بعض الوقت والضوء، وهي لم تقدمها كما يليق إلى الخارج. وكان هناك مسؤول في الوزارة يعتقد أن خصوصية ثقافتنا الوطنية لا تجسدها سوى فرق العرضات الشعبية وإيقاعات الطبول وبعض الأزياء التي يجوب بها عواصم العالم، هل حاسبه أحد على تلك السياسة؟ برامج الوزارة للأسف تعيش في عزلة عن جيل جديد ومتغير يحقق وجوده عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال العالم الرقمي الذي بلا حدود. كل من زار معرض الرياض للكتاب فوجئ باستخفاف الوزارة بإصدارات الأندية الأدبية التي كدستها في جناح صغير تعمه الفوضى وتصيب الزائر بالنفور.
* خلال عضويتك في نادي الشرقية الأدبي، كيف تقيم تجربة الانتخابات في الأندية الأدبية.. ما الذي كان ينقص هذه التجربة لكي تنجح؟
- الانتخابات تجربة فاشلة، وقد أسست لهذا التخبط الذي تعيشه الأندية الأدبية كلها منذ سنوات. معايير الانضمام لهذه الأندية كانت فضفاضة وغير مقننة منذ البداية، ولا تقبل بها أي مؤسسة منظمة ومنضبطة. فغياب المعايير سمح بدخول من لا صفة أدبية له إلى رحاب الأندية، وهكذا قادت التكتلات ذات المنزع الديني المؤدلج إلى احتلال عضوية الأندية وشل أنشطتها أو تحويلها إلى قاعات لدروس الوعظ الديني أو الاستعادات التراثية. أما الأسوأ فهو إحالة جملة من مشكلات الأندية وشخوصها إلى ساحات القضاء.

* سيرة ذاتية

* مواليد قرية محضرة، منطقة الباحة.
* يحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات من جامعة الإمام محمد بن سعود، وقضى سنة في دراسة اللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة.
* يعمل في «أرامكو السعودية». وأسهم مسؤولا ومحررا في مطبوعات الشركة الأسبوعية والشهرية والفصلية، وتولى تحرير مجلة «القافلة».
* عمل في تحرير ملحقي «المربد» ثم «اليوم الثقافي» اللذين كانت تصدرهما جريدة «اليوم».
* نشر مجموعة من نصوصه الأدبية ومقالاته في عدد من الصحف والمجلات المحلية والعربية. وشارك في عدد من الأمسيات الأدبية في المملكة ومهرجانات شعرية في ألمانيا وفرنسا.
* يعمل نائبا لرئيس نادي المنطقة الشرقية الأدبي، وهو رئيس تحرير مجلة «دارين» التي يصدرها النادي.
* صدرت له ثلاث مجموعات شعرية هي:
- «أنقاض الغبطة» دار «الشروق»، عمان – الأردن 1989.
- «سنابل في منحدر»، دار «السراة»، لندن – بريطانيا 1994.
- «أيام لم يدخرها أحد»، عن دار «أثر» للنشر والتوزيع - السعودية (2014).
* ترجم عددا من قصائده إلى الإنجليزية والألمانية والفرنسية.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.