وسط توتر غير مسبوق بين أنقرة والاتحاد الأوروبي على خلفية منع عدد من دوله مسؤولين أتراكاً من عقد لقاءات للدعاية للتعديلات الدستورية التي يجرى عليها استفتاء في تركيا في 16 أبريل (نيسان) المقبل، انطلقت أمس عمليات التصويت على هذه التعديلات في عدد من الدول الأوروبية التي تستمر حتى 9 أبريل.
وتوجه الناخبون الأتراك في 6 دول أوروبية أمس إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الاستفتاء الذي يشمل تعديل 18 مادة دستورية تكفل الانتقال من النظام البرلماني المعمول به حالياً إلى النظام الرئاسي الذي يعطي لرئيس الجمهورية صلاحيات واسعة ويلغي منصب رئيس الوزراء، وهي التعديلات التي من المقرر أن يبدأ العمل بها اعتباراً من أول انتخابات برلمانية ورئاسية في تركيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019.
وتوجه المواطنون الأتراك المقيمون في ألمانيا والنمسا وبلجيكا وفرنسا وسويسرا والدنمارك، إلى صناديق الاقتراع في القنصليات والقنصليات العامة، في مدن مختلفة بالدول الست، للتصويت. ويبلغ عدد الناخبين الأتراك في الخارج مليونين و927 ألف ناخب، سوف يدلون بأصواتهم في مراكز الاستفتاء، في 120 ممثلية دبلوماسية تركية في 57 دولة.
وبإمكان المواطنين الأتراك الإدلاء بأصواتهم في مراكز الاستفتاء التي أقيمت على البوابات الحدودية، وذلك حتى 16 أبريل، وهو اليوم الذي سيتم فيه التصويت في الاستفتاء داخل تركيا.
ونشرت الجريدة الرسمية التركية في 11 فبراير (شباط) الماضي، قانوناً يتيح طرح التعديلات الدستورية الخاصة بالتحول إلى النظام الرئاسي، في استفتاء شعبي. ويجرى التصويت المثير للجدل وسط توتر متزايد في العلاقات بين تركيا وأوروبا التي يعيش فيها ما يقدر بنحو 2.5 مليون مواطن تركي يحق لهم التصويت.
ودفع حظر ألمانيا وهولندا لتجمعات نظمها مسؤولون أتراك للترويج للتعديلات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى وصف قادة أوروبيين، في مقدمتهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بأنهم ينتهجون «أساليب نازية». وقال وزير المالية الألماني فولفجانج شيوبله أول من أمس إن تصريحات إردوغان تعيد اندماج الأتراك في ألمانيا سنوات إلى الوراء وإن إصلاح الأضرار سيستغرق سنوات بدوره. وهناك نحو 3 ملايين شخص في ألمانيا من أصل تركي، من بينهم 800 ألف من أصول كردية يحق لهم التصويت.
وبحسب إردوغان والمسؤولين الأتراك، فإن التعديلات الدستورية ستؤدي لتجنب عدم الاستقرار المرتبط بتشكيل حكومات ائتلافية في وقت تواجه فيه تركيا تهديدات إرهابية. ويقول منتقدو التعديلات، ومن بينهم زعماء أوروبيون إلى جانب المعارضة التركية ممثلة في حزبي الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي (الموالي للأكراد)، إنها ستمنح الرئيس سلطات أكثر من اللازم.
وذكرت وكالة «رويترز» أن عشرات الأشخاص اصطفوا خارج القنصلية التركية في برلين للتصويت، فيما حمل عدد قليل من مؤيدي حزب معارض تركي رئيسي موالٍ للأكراد، وهو حزب الشعوب الديمقراطي لافتات احتجاجية كتب على إحداها «6 ملايين ناخب من حزب الشعوب الديمقراطي غير ممثلين في صندوق الاقتراع». واعتقل كثير من نواب البرلمان التابعين لحزب الشعوب الديمقراطي في تركيا. ويخشى نواب أتراك في ألمانيا من إحجام معارضي إردوغان عن التصويت لتجنب تبعات ذلك عليهم وعلى أسرهم في تركيا.
ويستمر التصويت في ألمانيا حتى التاسع من أبريل على أن تنقل صناديق الاقتراع المغلقة جواً لأنقرة، لفرزها عشية التصويت في داخل تركيا. ويعيش في فرنسا ما يزيد قليلاً على 318 ألف تركي يحق لهم التصويت، بينما يوجد في هولندا نحو 245 ألفاً و600 ناخب تركي. كما تعيش في النمسا وبلجيكا وبريطانيا وسويسرا جاليات تركية كبيرة.
وبينما تجرى عمليات التصويت على التعديلات الدستورية في أوروبا، واصل الرئيس إردوغان، حملاته لحشد الناخبين داخل تركيا للتصويت لصالح التعديلات، مستنداً بشكل أساسي على الهجوم على أوروبا، حيث حذر في تجمع شبابي في إسطنبول أمس من وجود مشاريع لتقسيم المنطقة اعتماداً على المنظمات الإرهابية. وقال إردوغان: «مثلما جرى رسم حدود دول المنطقة قبل مائة عام بالدماء والدموع والفتن، نشهد محاولات مشابهة اليوم من خلال استخدام الشبكات الإرهابية». وأشار إلى وجود ما سماه «مساومات قذرة» خلف الأبواب المغلقة، في الوقت الحالي، على غرار «سايكس بيكو»، وشدد على ضرورة توعية الشباب للحيلولة دون انجرارهم وراء خطابات المنظمات الإرهابية وآيديولوجياتها، التي تقدس العنف والموت والقتل.
كما تطرق إردوغان إلى تصاعد العنصرية ومعاداة الأجانب في أوروبا، قائلاً: «نشهد انتهاك المفاهيم التي تروج على أنها القيم السامية لأوروبا، والضرب بها عرض الحائط من قبل أصحابها».
وكان إردوغان وصل بهجومه على الاتحاد الأوروبي إلى ذروته خلال تجمعات في إسطنبول، أول من أمس، عندما قال إن «اجتماع قادة دول الاتحاد الأوروبي في الفاتيكان بمناسبة الذكرى السنوية الستين لتأسيس الاتحاد أظهر تحالفهم الصليبي». وكان قادة دول الاتحاد الأوروبي اجتمعوا السبت في العاصمة الإيطالية روما والفاتيكان بمناسبة الذكرى الـ60 لتوقيع اتفاقية «روما» التي تأسس بموجبها الاتحاد.
وتساءل إردوغان: «لماذا اجتمعتم في الفاتيكان؟! ومنذ متى كان البابا عضواً في الاتحاد الأوروبي؟!»، لافتاً إلى أن «الاتحاد الأوروبي يرفض عضوية تركيا كونها دولة مسلمة». وانتقد إردوغان مواقف الأوروبيين تجاه تركيا، متهماً إياهم بدعم الإرهابيين وتوفير الأسلحة للعناصر الإرهابية الناشطة في المنطقة. وفي هذا الصدد قال إردوغان: «عليهم ألا ينسوا بأنّ من يدخل الجحر مع الأفعى لن يسلم من لدغها، فالأسلحة التي يعطونها للإرهابيين سيأتي يوم وتُشهر في وجوههم... إن غضب الأوروبيين ليس لأننا انحرفنا عن الطريق الصحيح، وإنما لأننا لم نعد نأتمر بأمرهم ولم نعد ننصاع لمطالبهم».
وفي لقاءات أخرى في إسطنبول أمس، قال إردوغان إن الانتقال إلى النظام الرئاسي عبر التعديلات الدستورية التي سيجرى الاستفتاء عليها في 16 أبريل المقبل، سيزيل كثيراً من العقبات التي كانت تعترض تقدم تركيا وتطورها في جميع المجالات. وأضاف أنه «مع النظام الجديد لن نشهد تشكيل الحكومات في غرف الفنادق، وبتعليمات من مالكي وسائل الإعلام كما كان في السابق، وكل شيء سيكون شفافاً، فالشعب هو الذي سيختار الحكومة ورئيس البلاد معاً». وبحسب التعديلات الدستورية المقترحة ستجرى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية معاً في يوم واحد وستزاد الدورة البرلمانية إلى 5 سنوات بدلاً من 4، كما هو الوضع الآن.
الأتراك في 6 دول أوروبية يبدأون التصويت على تعديل الدستور
إردوغان يواصل التصعيد ويهاجم الاتحاد الأوروبي «الصليبي»
سيدة تدلي بصوتها في القنصلية التركية بمدينة كولون الألمانية أمس (إ.ب.أ)
الأتراك في 6 دول أوروبية يبدأون التصويت على تعديل الدستور
سيدة تدلي بصوتها في القنصلية التركية بمدينة كولون الألمانية أمس (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
