سؤال «النهايات»... وما بعد «داعش»

سؤال «النهايات»... وما بعد «داعش»

بين التنظيم والحالة والفكرة
الاثنين - 29 جمادى الآخرة 1438 هـ - 27 مارس 2017 مـ
شهد العام الماضي 2016 توجها جديدا في مواجهة الإرهاب الداعشي وتتضح آثاره الآن في تراجع التنظيم وفقدانه سيطرته على أغلب مدينة الموصل (رويترز)
دبي: هاني نسيره
يمكن الحديث عن نهاية تنظيم كـ«داعش» لكن قد يستحيل التأكيد على نهاية فكرة كفكرته وآيديولوجية كآيديولوجيته بالإمكانية ذاتها، وهو ما يثبته الواقع والوقائع كل يوم؛ فرغم التراجع الكبير للتنظيم في العراق والتقدم المحرَز في معركة الموصل، وكذلك الانتصار المأمول في الرقة، فإن العمليات الإرهابية من لندن في عملية الدهس، الأربعاء قبل الماضي، إلى عمليات سيناء المتصاعدة تثبت أن سؤال النهاية ليس قريباً وسؤال الـ«ما بعد»... ما زال هناك الكثير قبله، وأن الفكرة - الحالة التي تستلهمها الفروع و«الذئاب المنفردة» تظل هي الخطر الأبقى الذي ينبغي ألا نستهين به.
شرقاً وغرباً، يولع البعض من مراقبين حركات التطرف والإرهاب المتزيَّيْن بزي الدين بحديث «النهايات»، وهو حديث الانتصار والحسم. وهذه ليست حمى ما بعد حداثية، يمكن تفسيرها فلسفياً أو منهجياً فقط، في ظرفها ما بعد الحديث، ولكن تعلقاً بواقعة هنا أو هناك، دون استيعاب كلية الظرف والسياق بشموله، ودون ربط محطات التطور التنظيمي والآيديولوجي، نشأة وصعودا وهبوطا بحسم النهاية مرة واحدة.
وهو المنطق الذي يحمل تناقضاته، ذلك أن بقاء الأسباب من بقاء النتائج، وبقاء السياقات نفسها التي أنتجت ظاهرة «داعش» أو غيرها، يعني المراوحة في إمكانيات العودة من جديد، من قبيل علوق وغياب الحل السياسي في سوريا، وبقاء الجذوة الطائفية الموالية لنظام بشار الأسد أو أخواتها وخطابها المتماهي معها في العراق من الميليشيات الموالية لنظام الولي الفقيه وغيرها... ما يشعل وقود هذه التنظيمات وتولد به مرة أخرى.
وسنحاول فيما يلي طرح محددات ضبط منهجي لمسار تنظيمات الإرهاب، وكذلك مسارات أفكارها وخطابها والالتحام والاشتباك النقدي به، الذي لا يزال مطلوبا وحتميا، ويعاني لغطا وفوضى هائلة، ويبدو أكثر مناعة وتحصنا من التنظيمات، حيث يغلب على أغلب الطرح المناهض لخطاب التطرف العنيف التردد أو الاغتراب أو الإغراق في الأخبار وتفسيراتها دون الاشتباك بالأفكار فعليا كما سنوضح.
بدايةً، لم يكن «داعش» مجرد تنظيم انبعث فجأة في فراغ، بل كان مسارا من المحطات ترتبط بمسار القاعدة وتنظيمات العنف في المنطقة بعموم، والعراق وسوريا بالخصوص، سواء بعد اندلاع الانتفاضات العربية عام 2011 أو بعد سقوط نظام صدام حسين واحتلال بغداد عام 2003.
لقد استمر صعود التنظيم وتوسعه باستمرار في سياقات الأزمة والتوحش، من مجرد تنظيم أسسه الراحل «أبو مصعب الزرقاوي» عام 2004 باسم «تنظيم التوحيد والجهاد» الذي اعتبره المنظر الأردني المتشدد «أبو محمد المقدسي» تيمنا باسم موقعه الحركي الراديكالي حينئذ، ولكن أنكره «الزرقاوي» في مناظرته الشديدة مع شيخه السابق عام 2005. ثم توسع هذا التنظيم إلى «مجلس شورى للمجاهدين» ضاما إليه سائر التنظيمات الراديكالية الأخرى، بما فيه تنظيم كان أحد أعضائه إبراهيم البدري السامرائي - أو «أبو بكر البغدادي» – «أمير» تنظيم داعش و«خليفته» المزعوم في ما بعد.
واستثمرت «القاعدة في بلاد الرافدين» - كما سمت نفسها - أحسن استثمار في سياق نشأتها وصعودها حينئذ، سواء عبر جذب المقاتلين الأجانب من بقايا الأفغان العرب، إلى التركيز على مقولة «التمكين» و«الدولة»، لا «الإنهاك والاستنزاف» الذي كان محل تركيز القيادة المركزية لـ«القاعدة» وفروعها الأخرى. كذلك سعت للاستثمار وتوظيف احتقان العشائر من التدخل الإيراني وسخطها عليه وتطرّف بعض الجماعات الموالية لإيران في استهداف العشائر السنية بها. ومن ثم التقت مكوناتها في حلف سمته هذه المكونات «حلف المطيبين» تيمنا بحلف قديم في الجاهلية ذكرته كتب السنة، ثم أعلنت تأسيس دولة لها عام 2006 واتخذت الأنبار عاصمة لها. غير أنها سقطت لاحقاً عام 2007 بفعل استراتيجية استخدام واحتواء السنّة و«مجالس الصحوات» في مناطق سيطرتها، ولقد نجحت «مجالس الصحوات» في استرداد القوة السنية في العراق من جيب التطرف وطردها من حاضنته. وهو ما استمر بشكل ناجح حتى أعادته سياسات رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي التمييزية الطائفية، خصوصاً في حقبته الثانية التي انتهت عام 2014، وإعلانه ولاءه الواضح للنظام الإيراني وتمييزه الطائفي. وهذا ما استمر معه حتى عزله عام 2014 بعدما استردت «القاعدة في العراق» كل ما خسرته سابقا مسيطرة على الموصل وست محافظات سنية، وبالأخص بعدما تحولت إلى «داعش».
«داعش» استغل في آن واحد ما أتاحته له الأزمة السورية من سياقات جديدة، كتلك التي كانت في العراق بعد عام 2003، وكذلك السياقات العراقية التي نضج فيها الاحتقان الطائفي، بعد فض اعتصام الأنبار في يناير (كانون الثاني) عام 2013 بالقوة وتصفية عدد من قادة العشائر وممثليها والقبض على بعض آخر منها، وكلها تطورات وفرت إلى حد ما الحاضنة الشعبية للتنظيم المتطرف من جديد... بعدما وأدته «الصحوات» وأخرجته من الأنبار (حينئذ) بشكل نهائي. ولكن - كما سبق - أدت سياسات المالكي القائمة على الكيد والإهمال والإقصاء إلى تسهيل عودة التشدد السني في العراق بوجه شديد واسم جديد.
شيء مشابه حدث في سوريا، إذ نجح نظام بشار الأسد في «طوأفة» ثورتها الشعبية المدنية اللاعنفية التي كانت تطالب بالديمقراطية والحرية وتدعو لربيع ديمقراطي، عبر استعانته بميليشيات طائفية موالية للنظام الإيراني نصرة له في إنتاج النصرات «السنية» المضادة التي بدأت بـ«جبهة النصرة» التي رفدها ودعمها تنظيم القاعدة في العراق، ثم طلب بيعتها المستقلة عن بيعة القاعدة. بعدها حدث الشقاق بين «النصرة» و«القاعدة في العراق»... استمر. ومن ثم توسعت «القاعدة في العراق» مُطالِبَة بحق الأصل على الفرع، واغتناما لمكاسب اعتبرتها خالصة لها، مستردة كثيرا من عناصر النصرة حينئذ. وهو ما انبعثت معه ثقتها في نفسها وفي تنظيمها وفي سياقات صعودها فأعلنت انفصالها بعد فترة عن تنظيم القاعدة الأم وقيادته (الظواهري الذي لم يتح له ما كان من إجماع وقبول وتقدير لسلفه بن لادن).
كذلك أسهم في السيناريو السياق الدولي والإقليمي بعد عام 2011 وسياسات الإدارة الأميركية السابقة في عهد الرئيس أوباما. أوباما الذي كان حاسما في إلحاحه وقبوله بإسقاط بعض الأنظمة بعد الانتفاضات الشعبية ضدها في مصر وتونس، لكن لم يرد الحسم في سوريا، وظل منكرا لإمكانية توالد الإرهاب وعودة صعوده من سياقات الأزمة الطائفية والتدخل الإيراني، الذي تصالح معه ورفع العقوبات عنه في يوليو (تموز) 2015. ورفض أيضاً فرض أي حل سياسي وفق المرجعيات الدولية، من «جنيف1» إلى «جنيف5» على نظام بشار الأسد الذي غدا استثناء في الانتفاضات العربية... بل مثل قبرا لوعودها وربيعها. وكان الأسوأ رفضه التدخل الدولي والإنساني الحاسم ضد آلة قمع نظام الأسد وأسلحته المحظورة التي استمرت وتأكدت بتصريحات رموز إدارته وزير خارجيته جون كيري أكثر من مرة حينها.
هذا الوضع المحبط، أمام خلفية القمع الدموي والتهجير الطائفي، أدى إلى توسع «داعش» في عملياته التي شملت كبرى العواصم الغربية من باريس إلى بروكسل إلى لندن أخيراً، ثم فوز دونالد ترمب بانتخابات الرئاسة الأميركية، وصعود تيارات اليمين الغربي التي صارت ترى الخطر محدقاً بداخلها، وتلح على فعل أكثر حسما في الحفاظ على هويتها وكياناتها.
في هذه السياقات، شهد النصف الثاني من العام الماضي 2016 توجها جديدا أكثر صدقية في مواجهة الإرهاب الداعشي. هذا التوجه تتضح آثاره الآن في تراجع التنظيم وفقدانه سيطرته على أغلب أجزاء مدينة الموصل، واستهداف عاصمته الرقة، في سوريا، وفي التنسيق العالي المستوى، عربيا ودوليا وكرديا، من أجل الانتصار فيها. وهو ما يعد منحنى خطيرا للتنظيم الذي بلغ أوج نشاطه وتقدمه في العامين السابقين (2014 و2015).
لكن من المهم هنا التأكيد على عدد من الأمور في سياق التنظيم وتاريخه تحدد سؤال مصيره ونهايته، وهي الملاحظات الأربع التالية:
1- أن التنظيم يمتلك فروعا أخرى له في المنطقة، خصوصا في ليبيا ومصر. ولا يزال يملك السيطرة على مناطق واسعة من الأولى، ويقوم بعمليات موجعة في الثانية من آن لآخر. ويتزامن تقدم وصعود عملياته الأخير في سيناء المصرية بتراجعه في الموصل والرقة، ما يعني أن الخط ليس مستقيما وأن واقع التنظيم ليس محدودا بحدوده في سوريا والعراق فقط.
2 - أن خريطة التنظيمات المتطرفة في سوريا، بالخصوص، تشمل كثيراً من التنظيمات العنيفة الأخرى التي يناصبها «داعش» العداء كما تناصبه. وعليه، فإن نهاية «داعش» لا تعني نهاية سياقات الأزمة والتطرف كلية كذلك.
3 - نؤكد على أن بقاء الأسباب والأزمات التي أنتجت «داعش» يعني بقاءها وتجددها، سواء كانت حالة الترهل التي شهدتها بعض الدول بعد الانتفاضات العربية عام 2011، أو مبررات وجوده كالتدخل الإيراني والحماة الطائفية أو بقاء بشار الأسد. وبالتالي، يبقى شرط اختفاء النتائج أو النهايات قائما ومرتبطا باختفاء الأسباب والبدايات.
4- يبقى الأمر الأكثر خطورة هو تحوّل التنظيم إلى حالة يستلهمها كثير من المتشددين و«الذئاب المنفردة» ليقوموا بعملياتهم في «لا مركزية» واضحة تضيف للتنظيم زخما وحضورا بعيدا عن حصاره في بؤر الصراع بسوريا أو العراق أو غيرهما.
من جهة أخرى، ما زالت جهود مكافحة الإرهاب - رغم اختلافها وتنوعها بين بلد وآخر - بحاجة إلى المزيد على الجانب النظري والفكري والتوعوي، إذ تمثل الجماهير ومشاريع التجنيد التربة الخصبة لحياة التنظيم الذي يعمل عليها. وهذا الجانب لا يزال عشوائيا وغير منضبط وغير استباقي شأن عمليات المكافحة الأمنية نفسها. ويغلب على التعاطي الفكري والفقهي مع تنظيرات التطرف العنيف تحاشي الاشتباك النقدي مع نصوصها وأدبياتها، وبقاء كثيرين من المتعرضين للمسألة يلامسونها بالخارج. وهنا يوظف «داعش» وأخواته خطابات وأزمات المؤسسة الدينية لصالحه، وهو ما يستدعي وقفة طويلة في هذا السياق تقوم على عدد من المراجعات لما يلي:
1- أزمة بعض خطابات الإصلاح الديني نفسه.
2 - غياب الشجاعة الكافية في نقد بعض مرجعيات وشعارات التنظيم من الخلافة والحاكمية والتمكين... إلى مفاهيم الدولة والوطنية والمواطنة وغيرها من مبادئ الدولة الحديثة التي يوجبها المنطق ولا يرفضها العقل.
3 - متابعة «داعش» للآخرين وعدم متابعة الآخرين لـ«داعش»، إذ إن كثيراً من الكتاب والباحثين ينتقد التطرف من الخارج دون النقد من الداخل من متنه، فيقع في غرائب أحياناً، كما يظل نقده سطحياً لا ينفذ لعمق آيديولوجية التنظيم.

اختيارات المحرر