رحلة إلى ثقب الأوزون عبر طائرة شراعية مطورة

ترتفع إلى أعالي الطبقات بتوظيف ظاهرة الموجات الهوائية الصاعدة طبيعيا

رحلة إلى ثقب الأوزون عبر طائرة شراعية مطورة
TT

رحلة إلى ثقب الأوزون عبر طائرة شراعية مطورة

رحلة إلى ثقب الأوزون عبر طائرة شراعية مطورة

ربما تعد بعض طبقات الجو العليا التي ترتفع 15 ميلا فوق المنطقة القطبية، أغرب جزء من تلك الطبقات، حيث السحب العليا الواسعة للغلاف الجوي المكونة من حامض النتريك، والبخار المائي، تومض وتتلألأ بلون قرنفلي قزحي اللون، في حين تسبب المواد الكيميائية التي هي من صنع الإنسان، خرابا ودمارا بطبقة الأوزون.
ويتوق العلماء لدراسة هذه الطبقات العليا (ستراتوسفير stratosphere) عن كثب، لكن هذه الطبقات تمثل بداية حدود الفضاء الخارجي، وهي عالية جدا بالنسبة إلى طائرة عادية تحلق بشكل مستو تماما.

طائرة أبحاث شراعية
إذن كيف نصل إلى هناك؟ الجواب: على متن طائرة شراعية! ويعتقد المهندسون أنه يمكن رفع طائرة شراعية - من دون وزن محركات الطائرة العادية وثقلها، وكذلك الوقود - إلى هناك بتوظيف ظاهرة جوية طبيعية. لذلك يقوم فريق من العلماء، وهواة الطيران، ورجال الأعمال، بتشييد طائرة شراعية ذات مقعدين مصممة لتحمل مخاطر التحليق على مثل هذه الارتفاعات العالية. ومن المقرر القيام بمثل هذه الرحلة في أغسطس (آب) من عام 2015.
وسيجري تحميل الطائرة الشراعية على ظهر سفينة شحن إلى منطقة إيل كلافايت في الأرجنتين، حيث الرياح من المحيط الهادي تنحرف عن طريق جبال الأنديز، لتؤلف موجة هوائية تشابه الأمواج التي تتكون فوق صخور جدول مائي جبلي. وتنطلق تلك الموجة بتيارات صاعدة تصل سرعتها إلى 30 قدما في الثانية.
ويقول إدوارد وارنوك مهندس علوم الطيران والفضاء، إن «مثل هذه الموجات الهوائية الجبلية تكون كثيرة الحدة والنشاط»، ويشغل وارنوك منصب كبير مديري «مشروع بيرلان» وهو منظمة لا تتوخى الربح، ويقوم حاليا بتشييد الطائرة الشراعية المسماة «بيرلان 2» (Perlan II).
وستقوم طائرة صغيرة خفيفة ذات محرك واحد، من النوع المستخدم في رش المحاصيل الزراعية، بقطر الطائرة الشراعية إلى ارتفاع 10 آلاف قدم، لترتفع بعدها بالتيارات الصاعدة إلى ارتفاع 60 ألف قدم. وهناك حيث تضعف هذه التيارات، تستخدم الطائرة ظاهرة أخرى تسمى «الدوامة القطبية»، التي هي عبارة عن رياح دائرية تشبه الإعصار الكبير الذي يهب شتاء، والذي يوفر دفعا صاعدا شديدا. وإذا ما تمكنت الطائرة من «الإمساك» بالتيار الصاعد هذا فإنها سترتفع أكثر فأكثر إلى السحب المسماة «بيرلان»، ومنها إلى ثقب الأوزون، حيث تجري التفاعلات الكيميائية المدمرة لطبقة الأوزون.
والهدف هو الارتفاع إلى علو 90 ألف قدم، أو 17 ميلا لتسجيل رقم قياسي في الارتفاع بواسطة طائرة شراعية. وكانت الطائرة السابقة «بيرلان 1» قد سجلت رقما بلغ 50726 قدما في عام 2006.

تصميم جديد
وستبلغ كلفة طائرة «بيرلان 2» نحو 7.5 مليون دولار، جرى حتى الآن إنفاق 3.5 مليون دولار منها، ولا يزال المشروع يحاول جمع ما تبقى من المبلغ. ويشارك في تنظيم المشروع دينيس تيتو الذي دفع 20 مليون دولار لزيارة محطة الفضاء الدولية، وستيف فوسيت الملاح الجوي الشهير الذي لقي مصرعه عام 2007 بحادث طائرة صغيرة من محرك واحد، والذي قاد قبلا طائرة «بيرلان 1».
وكانت «بيرلان 1» قد استخدمت أيضا جبال الأنديز لأغراض استخدام التيارات الصاعدة. وقد استغرق الارتفاع نحو 4.5 ساعة. وسيكون للطائرة الجديدة جناح يبلغ امتداده 84 قدما، بزنة 1700 رطل فقط، بما في ذلك وزن الملاحين. والطائرة الجديدة أخف من سابقتها «بيرلان 1» بمقدار 100 رطل (الرطل 153 غراما تقريبا)، على الرغم من أن الأخيرة كان لها جناح امتداده 72 قدما فقط. ويقول المشرفون على صنع الطائرة الجديدة، إنها اكتملت بنسبة 80 في المائة. وتتكون الطائرة الجديد بأغلبيتها من الألياف الكربونية المتينة جدا الخفيفة الوزن. وسيجري طلاء الطائرة بلون أبيض يعكس أشعة الشمس لمنعها من تسخين أجزائها بشكل يضعف الأبوكسي الموجود بكثرة داخل المقصورة، رغم أن الهواء المحيط سيكون مقاربا لدرجة التجمد.
وقد جرى تصميم الطائرة جزئيا عن طريق الحسابات الكومبيوترية، وبعضها الآخر عن طريق الحدس. وقد روعي فيها أن تكون مقاومتها للهواء جيدة، خاصة لطائرة لا تحتوي على أي محركات. وثمة تعقيدات فنية كثيرة يتوجب تذليلها، ولكن «نحن نعمل دائما على أساس المفاضلة والمقايضة»، كما يقول إينار إينفولدسون مؤسس المشروع وكبير طياريه، الذي كان الملاح المساعد لفوسيت لدى قيامه بتحطيم الرقم القياسي السابق.
وإينفولدسون هذا يقود الطائرات الشراعية منذ عام 1947 عندما كان في الخامسة عشرة من عمره، وله خبرة واسعة في قيادة الطائرات المقاتلة وطائرات الأبحاث على الارتفاعات الشاهقة، وهو يبلغ الآن 81 سنة من العمر، وردود فعله العصبية لم تعد ذاتها كما يقول، لكن أحكامه وقراراته في المواقف الصعبة لا تزال كما كانت عليه سابقا.

تصميم مطور
وستبلغ سرعة الطائرة عبر الغلاف الجوي الرقيق جدا 46 ميلا في الساعة، وهو ما يكفيها لكي تظل محلقة. لكن لكي يقوم المقياس بتسجيل مثل هذه القراءة في مثل هذا الجو الرقيق الضعيف الكثافة، ينبغي أن تكون السرعة الفعلية نحو 335 ميلا في الساعة.
وينبغي على مصممي الطائرة المعادلة أو التوفيق بين تقليل مقاومتها للهواء، وزيادة قوة الرفع في الجناحين، كما أن من التعقيدات الأخرى ضرورة زيادة الضغط الجوي داخل المقصورة في مثل هذه الارتفاعات الشاهقة، وهو أمر تقوم به محركات الطائرة عادة بينما «بيرلان 2» تفتقد لأي منها. والحل هو في عزل المقصورة الصغيرة هذه تماما. وهذا من شأنه أن يؤسس لمشكلات أخرى كثيرة يتوجب تذليلها أيضا. وستقوم «بيرلان 2» بأخذ عينات من طبقة الأوزون، كما ستستخدم أشعة الليزر لمراقبة تركزاتها والمواد الكيميائية المتفاعلة معها.
وقبل عام تقريبا قام فيليكس بومغارتنر بالوصول إلى ارتفاع 128.100 قدم على متن منطاد قبل القفز منه، لكن من الصعب جدا الملاحة فترة طويلة عن طريق منطاد عبر ثقب الأوزون.
ويتساءل جيمس أندرسون عالم المناخ في جامعة هارفارد: لماذا لا تستخدم الطائرات أو المركبات من دون طيار في مهام مثل هذه، لأن البشر هنا يشكلون عبئا كبيرا، سواء على صعيد السلامة، أو الصعيد التقني والمشكلات الناجمة عن ذلك.
* خدمة «نيويورك تايمز»



«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟