الاحتفاء بالبساطة وسط صخب المتناقضات

سمير درويش اتخذها أيقونة شعرية في ديوانه «مرايا نيويورك»

الاحتفاء بالبساطة وسط صخب المتناقضات
TT

الاحتفاء بالبساطة وسط صخب المتناقضات

الاحتفاء بالبساطة وسط صخب المتناقضات

يفتتح الشاعر سمير درويش ديوانه «مرايا نيويورك» الصادر حديثا عن الهيئة المصرية للكتاب، بمرثية لـ«قبر ستالين»، يقول فيها:
«لو كنت ضابط أمن سوفياتياً في خمسينيات القرن العشرين، لا أظنني سألبس طاقيّة صوفيّة مستديرة، كي لا أبدو تقليديا، وقد ألعن ستالين كلما حانت فرصة»
هذا الرجاء في سب ستالين باعتباره رمزا للطاغية، يبرز على نحو مختلف في نصوص أخرى بالديوان، وكأنه مرثية لأحلام مقموعة، مؤجلة ومفتقدة، لكنها مع ذلك تبقى معلقة في سقف الذاكرة كنافذة صغيرة، تطل منها الذات بين الحين والآخر على واقعها الخاص، وعلى العالم من حولها بكل أزمنته وأقنعته. ففي نص بعنوان «مطرب العواطف» يطالعنا لون آخر من هذه الرجاءات، حيث تكشف الذات الشاعرة عن نجواها لحلم فرّ منها، تاه في أزقة الحياة والرغبات، وأصبح محض نقطة قابعة فوق تلة الطفولة... يفصح الشاعر عن هذه الرغبة الهاربة في مطلع هذا النص قائلا:
«لو كنت مطربا عاطفيا في التسعينيات، سأرتدي قميصا مفتوح الصدر، أسودَ، وحُلة رمادية داكنة، وأترك لحيتي نابتة كي تعجب المهووسات اللائي سيصطففن أمامي، كأشجار النّبق، أو كالنخيل البازغ فوق أرصفة المدن التي تنهرها أعمدة الإنارة، وعوادم السيارات، وعلب المشروبات الفارغة».
تمنح هذه الرجاءات الصورة الشعرية في الديوان، إمكانية التجوال بحيوية وطفولة، ما بين الداخل والخارج معا، والتفتح في ظلالهما وكأنها ثمرة سقطت للتو، من شجرة الشعر والحياة، ونتاج حي لما يعتمل في القلب والروح، والوجود الإنساني بكل تعقيداته وهشاشته، كمدرك يمكن تعقله وهضمه وإعادة تشكيله ولو بالفوضى والجنون. فهذه الرجاءات المضمرة، بقدر ما تأتي من آبار الماضي السحيقة، فإنها تشكل استراحة خفيفة وعابرة للذات، تلملم في ظلالها أنفاسها المتعبة لتواصل الحياة، رغم ضغوطها وعثراتها الممضة، فالشعر ينبع من الماضي والحاضر معا، بل هو الرجاء الأخير للشاعر ليقول كلمته بحرية وحب، دون قيود وأوهام.
لذلك تلعب هذه الرجاءات في كثير من الأحيان، دور الحارس الشفيف للأحلام والذكريات، كما تمنح الشاعر المقدرة على كسر حصار العزلة التي قد يرى فيها اختيارا صحيحا لصون الذات من عبثية الواقع، كما أنها تذهب غالبا إلى ما هو أبعد من تخوم اللحظة الراهنة، تتقلب ما بين السياسي والثقافي والاجتماعي في سياقها العام، والعاطفي الشخصي. لكن هناك دائما القدرة على التساؤل، وتخطي حواجز الثنائيات المربكة في البشر والوجود والعناصر والأشياء، أو على الأقل التعامل معها، وكأنها صدى لرجاء ما، لرنين ما، لأشياء حية وأخرى بائدة.
ففي قصيدة بعنوان «قلب جوبلز»، وزير الدعاية السياسية في حكومة هتلر، صاحب المقولة الشهيرة: «كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي»... يقول الشاعر في مستهل القصيدة:
«لو أنني وزير الدعاية في حكومة النازي، لن أكون بعيدا مما أنا عليه الآن، أحبُّ البقاء طويلا في غرفة مقفلة،
وأنظر من الشرفة كل حين باحثا عن مشهد يأسرني:
فتاة أو طائر أو عرّافة، وسوف أركب الطائرات كي تحملني إلى مكان أعرفني فيه، وربما سأحبُّ أن أكون فوضويا أكثرَ، وأقلَّ دموية مما أراه داخلي».
هنا، لا يتم استعارة «جوبلز» لإعادة ترتيب الأوراق والأدوار على طاولة الثقافة، وبخاصة في واقعها المصري الراهن، أو التمسح في ظلال مقولته السلبية، وإنما لإشاعة جو من الفانتازيا، لا يخلو من التهكم والسخرية من هذه الطاولة التي عشش فيها الصمم والخواء، واكتظت بمظاهر الرتابة والفساد.
تردُّ الذاتُ على كل هذا العبث، ملوِّحة برجاءاتها في العزلة، وفي أن تكون أكثر فوضوية، وأقل دموية في الداخل. ويظل البحث عن مشهد مؤثر، هو بمثابة البحث عن أسلوب حياة، يمكن العيش فيه شعريا واجتماعيا، وعلى كل المستويات.
ورغم أن «مرايا نيويورك» تبدو محض إطار خارجي معلّق بعنوان الكتاب، لا وجود فعليا له داخل المتن، فإنه يمكن الإحالة إليه، عبر رموز ولطشات مشهدية سريعة، أشبه بزخات مطر خاطفة، تطالعنا هذه الزخات في قصائد مثل: «بائع الورد» و«تمثال مهزوم» و«عاشق إلكتروني» وغيرها. فنيويورك المدينة الأميركية الأشهر، التي خبرها الشاعر نفسه، وربما عاش في كنفها بعضا من الوقت، لا تحتاج إلى مرثية، فهي قادرة على رثاء نفسها بمحض إرادتها، كما لا تحتاج إلى قبر، تتقاطع فيه مفارقات ومشاحنات الحداثة، كما رآها أدونيس في قصيدته الشهيرة: «قبر من أجل نيويورك». إنها هنا تحضر كمرآة، تشاكس الزمن والروح والعقل والخيال، لا تختزن في أبعادها وجها واحدا له ملامح وأبعاد محددة. على عكس إيطاليا، حيث تحضر - عبر زيارة قصيرة - بعاداتها وتقاليدها ورموزها القارة، في بعض قصائد الديوان، مثل «فتاة موديلياني» و«أسوار الفاتيكان». اللافت في القصيدة الثانية أن الممثلة الأميركية الشهيرة «أودري هيبورن»، تحضر في أجوائها مشكلة عصب الحالة الشعرية، وكرمز له مركزيته في تاريخ الفن والثقافة الأميركيين، وفي الوقت نفسه، يمنح النص فاعلية خاصة في غلالة هذه الرجاءات.
إن النص ينحاز لفكرة المرآة السالفة الذكر حتى وهو يولد في نسيج واقع آخر مغاير، وإلا كان منطقيا أن تحضر «صوفيا لورين» بدلا من «أودري هيبورن» وكلتاهما لهما تأثيرهما الباذخ شعريا وفنيا... يؤكد الشاعر هذا الانحياز الرهيف قائلا:
«لا أريد أن أكتب قصيدة عن الفاتيكان، أريد أن أتسكع في شوارع إيطالي، مع امرأة تشبه أودري هيبورن، وهي ترتدي زي الراهبات، وتفضي إلى بسر خبأته طويلا».
لا تبتعد معظم قصائد الديوان عن مناخ هذه التمنيات، التي تنعكس بقوة على الفعل الشعري وتلون حركته صعودا وهبوطا، لتتسع مساحة التخيل بعيدا عن نمطية الواقع المادي ومحدوديته. أيضا لا يبتعد هذا المناخ عن أجواء الشاعر الخاصة، سواء في حواره الشفيف الخاطف مع مفردات عالمه وهمومه اليومية البسيطة، أو في اللعب، على شعرية الفكرة، التي تذوب فيها الحدود الفاصلة بين الأشياء، ببساطة اللغة والجملة الشعرية المنسابة بتلقائية، لا تكلف فيها ولا تصنع. فهو ينفي الأشياء ليثبت الفكرة في الوقت نفسه، والعكس صحيح أيضا، ما يعني أنه ليس ثمة يقين قاطع ونهائي، في فضاء شعري مفتوح على شتى الاحتمالات والإغواءات. لذلك يلجأ الشاعر إلى صيغ لها طابع الإحالة إلى أشياء، قد تحدث أو لا تحدث، من قبيل «لست متأكدا أنني الرجل الذي سيختار فساتينك» أو «أنني سأغني كالعشاق التقليديين» أو «ربما أنام كطفل ليس له مأوى»... تطالعنا أجواء هذه الإحالة بشكل لافت في قصيدة بعنوان «الفستان الأزرق» يقول فيها الشاعر:
«لست متأكدا أنني أنا
وأن العصافير على الأشجار هي العصافير
وأن النيل الذي يرافقنا هو النيل
وأن القهوة قهوة بالفعل، وبسكر قليل
لكنني متيقن أن فستانك الأزرق
الذي يمتد على السجادة الحمراء... هذا
صالح لأكتب قصيدة على ذيله في آخر الليل».
إننا إذن أمام ذات شاعرة تميل إلى البساطة وتأمل عالمها بهدوء، ترى اللغة في ألفتها وغرابتها معا، لذلك تضجر من صخب المتناقضات، لأنه يعلي من الأشياء، بشكل يبدو أحيانا مبالغا فيه إلى حد الإثارة الفجة، بهذه البساطة تذهب إلى الماضي وتعيش لحظتها، لا فرق في أفقها الشعري بين عصا موسى، والخبز الحافي لمحمد شكري، كلاهما سعى لاصطياد أسطورته الخاصة، وإدخال الحرية في جسد العقل والروح، فلا بأس أن يسعى الشاعر إلى إدخالها في جسد قصيدته.
هذا الاتساع والتنوع يؤكد أننا أمام خبرة شعرية كبيرة ومتنوعة امتدت على مدار أربعة عشر ديوانا شعريا لسمير درويش، ترجمت مختارات منها إلى الفرنسية والألمانية، إضافة إلى روايتين، لكن يبقى هذا الديوان من أهم محطاتها الشعرية.



ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
TT

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد

دعاء

أعدني للكتاب

لاخضرار يدي

كلما لامست ورقة.

أعدني إلى الراقدين على الرفِ

علّي أتشربُ شيئا

من مدادٍ يسيلُ

حين يزحف ضوءُ

أو يبرق رعدُ.

أعدني لعيني

تسفح الضوءَ فوق الحروف

على المتنِ والهامشِ

أعدني لتلك السلاسل،

طينيةً، رمليةً، صخريةً،

ولا تغلق الحرفَ دوني.

أعدني لمكتبة النهرِ

أقرأ أسماءَ موتاهُ

مفروشة على الماء مثل النجوم،

لمكتبةِ الطيرِ

أقرأ ما حمل الريشُ

قدني إلى مدخل البرجِ

أبسطْ يديّ،

أعنْ قدميّ

لأصعد للبرجٍ حيث كتاب أبي...

أمام النهر

قلت: أمضي إلى النهرِ

علّيَ أنسى

شبح البيت، يطرق كل مساء

على الصدرِ...

علّ القواربَ تأخذني

إلى آخر النهرِ

حيث السماء

تتلألأ فوق المياه،

لذاك الضياءِ،

موسيقاه تعزف فوق الضفاف.

قمر جديد

سيهبط فوق الشجر

ويولد ليل جديد.

أتوحد والماءَ،

يصعد نحو السماء

قطرةً...قطرةً.....القوارب تمضي بدوني،

ربما إلى البحرِ،

وأنا أرقب النهرَ...

كان نهراً غريبا.

كأني بيت قديم

كأنّيَ بيتٌ قديم

أرمّم أحجارهُ

حجراً... حجراً

كلما مرّت الريحُ بين أركانهِ

وأسدّ الثقوب

ثم تنضح ماء

كلما استدرتُ

سئمتُ

-لا أبا لك-

وأنا أراني

أبدّل عضواً فعضوا

والذين أحبّ مضوا

كلٌ لبيت غريبِ

وقد كنتُ - أذكرُ- بيتاً

كلما بهمُ ضاق يتسعُ

ثمّ أني تعبتُ

من الحلمِ أن أبصر الحلمَ يوماً

ماشياً في الشوارعِ،

وهو يختالُ مرتدياً ثيابي،

يتقافز فوق النوافذ،

ناضحاً ما يشاء

من اللون فوق الرؤوس

فتقوم المدينة

من النوم بيضاء ما مسها ضررُ.

ثمّ أنيَ مني تعبتُ

ومن شبحي

وأنا أنتظر

وقت غارته الأبدية

عند منتصف الليلِ...

كلّ ليلِ.


على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية