المغرب: «التقدم والاشتراكية» يطلق مؤسسة باسم زعيمه الراحل «علي يعته»

الملك محمد السادس وجه رسالة إلى جمعها التأسيسي

عبد اللطيف المنوني وعبد الإله ابن كيران ونبيل بنعبدالله لدى تدشين مؤسسة «علي يعته» في الرباط («الشرق الأوسط»)
عبد اللطيف المنوني وعبد الإله ابن كيران ونبيل بنعبدالله لدى تدشين مؤسسة «علي يعته» في الرباط («الشرق الأوسط»)
TT

المغرب: «التقدم والاشتراكية» يطلق مؤسسة باسم زعيمه الراحل «علي يعته»

عبد اللطيف المنوني وعبد الإله ابن كيران ونبيل بنعبدالله لدى تدشين مؤسسة «علي يعته» في الرباط («الشرق الأوسط»)
عبد اللطيف المنوني وعبد الإله ابن كيران ونبيل بنعبدالله لدى تدشين مؤسسة «علي يعته» في الرباط («الشرق الأوسط»)

وسط حضور سياسي وإعلامي وازن، أعلن حزب التقدم والاشتراكية المغربي (الشيوعي سابقا)، مساء أول من أمس بمقره المركزي في الرباط العاصمة، عن إطلاق «مؤسسة علي يعته»، التي يسعى من ورائها الحزب لاستعادة صورة زعيمه الراحل، والتعريف بسيرته وحياته النضالية، التي بصمت تاريخ المغرب المعاصر.
ويروم القائمون على المبادرة جعل «مؤسسة علي يعته» فضاء «منفتحا على الدراسات والبحوث والتناظر في قضايا الفكر والسياسة والمجتمع»، من خلال الخوض في «سيرة واحد من رموز اليسار التقدمي المغربي، وأحد الأسماء الكبيرة في التاريخ السياسي والإعلامي والنضالي الوطني».
ووجه العاهل المغربي الملك محمد السادس رسالة للجمع العام التأسيسي لـ«مؤسسة علي يعته»، تلاها مستشاره عبد اللطيف المنوني، أشاد فيها بخصال الراحل يعته، الذي وصفه بـ«الوطني الغيور والمناضل الملتزم»، كما أعرب فيها عن دعمه لمبادرة «إحداث مؤسسة تحمل اسم الزعيم علي يعته».
ودعا العاهل المغربي في رسالته إلى «استلهام القيم والمبادئ التي ناضل من أجلها، وجعل هذه المؤسسة منارة للوطنية الصادقة، وملتقى للفكر الرصين والحوار البناء، وفضاء للمساهمة الإيجابية في مختلف القضايا الوطنية»، كما نوه الملك محمد السادس بيعته الذي كان يحظى بمكانة خاصة لدى والده الراحل الملك الحسن الثاني، وباحترام المغاربة، وبخاصة منهم الذين عرفوه أو عاصروه.
وأضاف العاهل المغربي قائلا: «كما نكن له شخصيا كل التقدير اعتبارا للوطنية الصادقة التي كان يتحلى بها، ولرصيده النضالي من أجل الحرية والاستقلال، وإسهامه الإيجابي في بناء المغرب الحديث»، كما اعتبر الملك محمد السادس، الراحل يعته من «القادة السياسيين المغاربة الرواد، المشهود لهم بالمصداقية والعطاء الوطني البناء والوفير في المجالين السياسي والحزبي، ومن رموز العمل الوطني والحزبي الرصين».
وأثنت الرسالة الملكية، على فكر الراحل يعته ورؤيته للعمل السياسي، وجاء فيها: «كان حاملا لمقاربة متميزة للالتزام السياسي، قوامها المساهمة البناءة في العمل المؤسسي الهادف، وجعل المصلحة العليا الوطنية تعلو فوق أي اعتبار، بعيدا عن المزايدات العقيمة»، وهو ما مكنه من ترك بصمات «عميقة ودالة في مسار حزبه وتطوره منذ نواته الأولى، إلى تأسيس حزب التقدم والاشتراكية، الذي كان أول أمين عام له».
وزاد العاهل المغربي قائلا في معرض إطرائه ومدحه للسياسي الراحل علي يعته: «لقد كرس طاقته وجهوده لإعطاء هذا الحزب المكانة التي يستحقها في المشهد السياسي الوطني، وتعزيز دوره، بمعية الأحزاب الوطنية في ترسيخ قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وانخراطه في النهوض بورشات التنمية والتحديث ببلادنا».
وسجلت الرسالة الملكية أن الراحل «ساهم بانفتاحه وبرصيده الفكري وبالقيم السامية التي كان يؤمن بها، في بناء يسار مغربي متسم بالنضج السياسي وبروح المسؤولية العالية، بالإضافة إلى تشبثه بثوابت الأمة ومقدساتها، وحرصه على خدمة الوطن، والدفاع عن قضاياه، بعيدا عن كل ما كان يطبع التيارات اليسارية المتطرفة، التي ظهرت في بعض مناطق العالم، في النصف الثاني من القرن الماضي».
من جهته، أكد مولاي إسماعيل العلوي، رئيس اللجنة التحضيرية المكلفة بوضع أسس «مؤسسة علي يعته»، أن الراحل الذي نحتفي به اليوم «كان متشبعا بأفكار الرواد ويدرك تمام الإدراك تطور تاريخ البشرية، كما يعرف ما يعتمل في مجتمعه ومحيطه ويحرص على إدراج كل المعطيات في سياق الزمن والظرف المعيشة في مختلف السياقات السياسية»، مشددا على أن «سي علي»، كما كان يناديه رفاقه، وطني صادق «كافح ضد الوجود الاستعماري في الوطن».
وأفاد العلوي في كلمة بالمناسبة أن زعيم حزبه ورفيق دربه كان مناضلا من أجل «رفع مستوى الوعي السياسي لمنتجي الثروة بالبلاد من العمال المنجميين والزراعيين والفلاحين والمواطنين الأحرار»، موضحا أن هاجس الراحل المركزي كان «نصرة الديمقراطية الحقة التي ترعى الحقوق والحريات، وتضمن الحقوق الاجتماعية الملموسة التي تهم الحياة اليومية للمجتمع»، مضيفا أنه كان من رواد فكرة «الديمقراطية بالمشاركة التي تخفف ممارستها من الانحرافات الكامنة في الديمقراطية التمثيلية التفويضية».
وشدد العلوي على أن المؤسسة ينبغي أن تستلهم روحها من «تجربة المناضل علي يعته وحزبه، وأن تساعد المناضلين على فهم محيطه ومناقشة أوضاعه قبل تقديم خلاصات على شكل دراسات وأبحاث تنشر للعموم»، مسجلا أن المجالات التي ستنكب على دراستها المؤسسة هي «الحياة السياسية المبنية على أسس الديمقراطية، والحياة الاجتماعية المرتكزة على المساواة بحسن توزيع الثروة الوطنية وباحترام الفرد، ذكرا كان أو أنثى، والحياة الاقتصادية المعتمدة على شعب عارف، وعلى أحدث ما وصلت إليه عبقرية البشر كالأنظمة الرقمية»، بالإضافة إلى «الحياة الثقافية المنفتحة على الآخر».
أما نبيل بن عبد الله، أمين عام حزب التقدم والاشتراكية، فذهب إلى أن إحداث «مؤسسة علي يعته»، يأتي في إطار وفاء الحزب ومناضليه لـ«الإرث الفكري الأصيل والثري الذي خلفه الفقيد على أكثر من مستوى»، موضحا أن المؤسسة ستعمل على استثماره في «مواصلة المسير على هدي تعاليمه»، مشيرا إلى أن المؤسسة ستكون «فضاء مفتوحا ومنفتحا للتناظر في قضايا الفكر والسياسة والثقافة والإعلام والمجتمع».
وأعرب بنعبدالله عن أمله في أن تغدو «المؤسسة فضاء لتطوير الممارسة السياسية والارتقاء بأساليبها، في إطار الجمع بين التشبث بالقيم الأصيلة للمجتمع المغربي والانفتاح الواعي على العصر والتكيف الدائم مع تطوراته باعتبارها من الدعائم الأساس للتجربة الديمقراطية المغربية الفتية»، مبرزا أن الراحل، حاز مكانة بارزة في الحياة السياسية المغربية على مدى عقود.
وأشار أمين عام «التقدم والاشتراكية» في كلمته إلى أن الراحل يعته كان له «إسهام قوي في الحياة البرلمانية»، مذكرا بمقولة للعاهل الراحل الحسن الثاني، قالها في حقه إبان ذلك الوقت: «يقوم وحده بما لا تقوم به فرق برلمانية بكامل أعضائها»، وذلك في إشادة واضحة من عاهل البلاد بالأداء والقدرات التي كان يتمتع بها النائب يعته.
كما أشاد بنعبدالله، بالدور الذي قام به يعته في إغناء الفضاء الإعلامي بالبلاد، إذ اعتبر أن كتاباته اليومية وتحاليله وتقاريره المنشورة كانت تشكل «منجما من ذهب وهي بمثابة تأريخ مباشر ومتفاعل مع التطورات التي عايشها وكان فاعلا أساسيا في أحداثها»، مطالبا رفاقه وأعضاء حزبه بالاستفادة من تراث وسيرة الزعيم الراحل.
وشهد إعلان ميلاد «مؤسسة علي يعته» حضور كل من رئيس حكومة تصريف الأعمال عبد الإله ابن كيران، ورئيس الحكومة المعين سعد الدين العثماني، ورئيس مجلس المستشارين حكيم بنشماس، ووزير العدل والحريات مصطفى الرميد، ومستشاري الملك محمد السادس، عبد اللطيف المنوني وأندري أزولاي، والأمين العام السابق للاتحاد الاشتراكي محمد اليازغي، والسياسي محمد بنسعيد آيت يدر، ونبيلة منيب الأمينة العامة لليسار الاشتراكي الموحد، وعدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين والسياسيين والإعلاميين والمثقفين.
يشار إلى أن الراحل يعته من بين الشخصيات التي طبعت تاريخ المغرب السياسي والحركة الوطنية، رأى النور بمدينة طنجة (شمال البلاد) سنة 1920، والتحق بصفوف الحزب الشيوعي المغربي في أربعينات القرن الماضي، وانخرط في مقاومة الاستعمار الفرنسي مع رجال الحركة الوطنية، قبل أن ينفى في بداية الخمسينات إلى فرنسا ويحاكم فيها. ويعد يعته أول أمين عام لحزب التقدم والاشتراكية بعد تغيير اسمه سنة 1975 إلى (حزب التحرر والاشتراكية)، وظل قائدا للحزب إلى أن توفي في أغسطس (آب) 1997، بعد أن صدمته سيارة كان سائقها مخمورا.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.