مصير دي ميستورا بين يدي أمين عام الأمم المتحدة وتقارير تفيد بإنهاء مهمته

رئيس وفد الهيئة العليا: لا اجتماع مقرراً مع غاتيلوف والأسد يريد نسف المفاوضات

دي ميستورا لدى اجتماعه بوفد من النظام السوري في جنيف أمس (أ.ف.ب)
دي ميستورا لدى اجتماعه بوفد من النظام السوري في جنيف أمس (أ.ف.ب)
TT

مصير دي ميستورا بين يدي أمين عام الأمم المتحدة وتقارير تفيد بإنهاء مهمته

دي ميستورا لدى اجتماعه بوفد من النظام السوري في جنيف أمس (أ.ف.ب)
دي ميستورا لدى اجتماعه بوفد من النظام السوري في جنيف أمس (أ.ف.ب)

لم تكن الصدفة وحدها هي التي دفعت المبعوث الدولي الخاص ستيفان دي ميستورا إلى تحديد يوم الجمعة 31 الجاري موعدا لإنهاء الجولة الخامسة من محادثات جنيف التي شهدت يوم أمس لقاءه كل وفود النظام والمعارضة الموجودة كلها في المدينة السويسرية.
ذلك أنه مع نهاية شهر مارس (آذار) الجاري ينتهي التكليف الذي منحه الأمين العام السابق بان كي مون للدبلوماسي السويدي - الإيطالي في شهر يوليو (تموز) من عام 2014 لمحاولة إيجاد مخرج سياسي يضع حدا للحرب السورية، وذلك بعدما أخفق سابقاه في هذه المهمة، وهما الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي عنان والدبلوماسي الجزائري المخضرم الأخضر الإبراهيمي.
مصادر دبلوماسية أوروبية أبلغت «الشرق الأوسط» أمس أن دي ميستورا (البالغ من العمر 70 سنة) عرض على بان كي مون الاستقالة، وكذلك فعل مع أنطونيو غوتيريش الأمين العام الجديد للمنظمة الدولية. غير أن الأخير طلب منه البقاء في منصبه حتى نهاية ولايته التي تحل يوم الجمعة القادم. وبحسب هذه المصادر، فإن أمام غوتيريش حلين: الأول، أن يبقي دي ميستورا في منصبه لفترة إضافية باعتباره يعرف تفاصيل وتحديات الحرب السورية، كما يعرف أدوار اللاعبين المحليين، الإقليميين والدوليين، وبالتالي فإنه الأكثر تهيؤا للاستمرار في هذه المهمة. أما الحل الثاني فقوامه تعيين مبعوث خاص جديد، وهو الخيار المرجح لأن «كل أمين عام يفضل التعامل مع المبعوثين الخاصين الذين يثق بهم وبقدرتهم على القيام بالمهمة التي يوليهم إياها».
تقارير إعلامية واردة من نيويورك ومعلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط» من مصادر أوروبية تتابع عن قرب تطورات جنيف 5 تفيد بأن الحل الثاني هو الأرجح. وتؤكد هذه المصادر أن هناك تداخلا بين الأسباب الشخصية والأخرى المهنية التي تدفع دي ميستورا إلى التخلي عن الملف السوري. وأول سبب شخصي أن زوجة المبعوث الدولي الموجودة في إيطاليا مريضة وهو «ينوي أن يكون قريبا منها». وهذا السبب هو الذي يفسر غياب المبعوث الدولي أحياناً عن جنيف. وفضلا عن ذلك، فإن بعض المحيطين بالمبعوث الدولي في جنيف يقولون عنه إنه مرهق وإنه «يريد أن ينتهي من الملف السوري» وأن يسلم المهمة لشخص آخر.
أما السبب المهني فقوامه أن دي ميستورا الذي اجتمع بغوتيريش مطولا لدى ذهابه إلى نيويورك خلال هذا الشهر، لم يحقق أي نجاح فعلي رغم كل الجهود التي بذلها ولجوئه إلى فنون الدبلوماسية التي يتقنها، علما بأنه شغل منصب وزير دولة للشؤون الخارجية في إيطاليا.
ويضيف العارفون أن دي ميستورا عانى كثيرا من الضغوط التي مورست عليه، خصوصا من الطرف الروسي الذي اتهمه أكثر من مرة بعد الفعالية بأنه «لا يقوم بالدور الذي أولاه إياه الأمين العام والقرار الدولي رقم 2254»، وكان مصدر دبلوماسي غربي قد كشف لـ«الشرق الأوسط» أن الجانب الروسي أعلن من جانب واحد عنه استئناف المحادثات في جنيف في 20 مارس من دون التشاور مع المبعوث الدولي. وأخيرا وبعد المحادثات التي أجراها في نيويورك مع الأمين العام، عمد إلى تحديد 23 الجاري موعدا لها.
حتى الآن، لم يصدر أي خبر عن مكتب غوتيريش بخصوص هوية خليفة دي ميستورا، الذي سيترك منصبه بعد صفعة سدده لها النظام السوري عندما رفض استقباله في 19 الجاري بعدما كان دي ميستورا قد أبدى رغبته في زيارة دمشق. وأشار رئيس وفد النظام السفير بشار الجعفري أول من أمس إلى ذلك بقوله إن حكومة نظامه أرادت لفت انتباهه «بشكل لائق» لأنه «ارتكب خطأ وخرج عن ولايته»، في إشارة ضمنية لتصريح أدلى به دي ميستورا، وقال فيه إنه «يصعب بلورة دستور جديد لسوريا في ظل النظام الحالي»، وهو ما اعتبرته دمشق «انحيازا» للمعارضة. وبعدها حاولت موسكو التوسط بين الطرفين. وراهناً، من الأسماء المطروحة لخلافة دي ميستورا هناك اسمان: الأول هو حارث سيلاديتش، وزير خارجية البوسنة والهرسك السابق، والثاني سيغريد كاغ منسقة شؤون الأمم المتحدة في لبنان.
في هذه الأثناء، انتقد دي ميستورا على «نهجه» التفاوضي، وخصوصا على الدعوة لمفاوضات لأسبوع أو عشرة أيام تليها فترة توقف لمدة مشابهة. إذ يعتبر مراقبون أنه كان «من الأجدى» ألا يترك الوسيط الدولي الأطراف المتحاربة يتفكك عقدها لأنه سيصعب بعد ذلك إعادتها إلى جنيف بسبب التطورات الميدانية أو غيرها من الأسباب. كذلك انتقد لكثرة أحاديثه الصحافية وحرصه على التحدث للإعلام في نهاية كل يوم من أيام المحادثات.
وهكذا، يرجح جدا أن تكون زيارة الـ24 التي سيقوم بها المبعوث الخاص غدا في عمّان للقاء وزراء الخارجية العرب آخر زياراته «الخارجية»، وهو الذي سعى دوما لدفع اللاعبين الإقليميين والدوليين لمساعدته في مهمته. ولقد قال وزير الدولة الأردني محمد المومني أمس إن دي ميستورا سيحضر اجتماعات وزراء الخارجية العرب «ويتحدث للوزراء عن تقديره لآخر مستجدات العملية السياسية»، مضيفا أنه «كان من الأهمية بمكان للوزراء الاستماع بشكل مباشر من المبعوث الدولي الذي يحظى بدعم كامل من كافة الدول العربية في مسعاه لمساعدة أطراف المعادلة السورية للانطلاق بالعملية السياسية وإنجاحها بإذن الله».
لكن دي ميستورا، في أيام ولايته الأخيرة، ما زال يسعى لتحقيق شيء ما وإن كان متواضعا، إذ اعترف في كلامه للصحافة ليل أول من أمس بأنه «لا ينتظر تحقيق معجزات»، كما أنه لا يتوقع تعليق المحادثات التي يصر على أن تستمر «غير مباشرة» أو ما يسميها بالإنجليزية «Proximity Talks»، بينما يطالب وفد الهيئة العليا للمفاوضات بالانتقال إلى المفاوضات المباشرة.
كذلك يطرح أكثر من سؤال على «التسوية» التي توصل إليها بشأن حل عقدة «أولويات» مناقشة «السلال» الأربع بين النظام الذي يريد أولا سلة الإرهاب والمعارضة التي تطالب بسلة الحوكمة أي الانتقال السياسي. وما تفتق عنه ذهن دي ميستورا ومساعديه هو ترك كل طرف يحدد «السلة» التي يريد التفاوض بشأنها شرط أن تناقش في النهاية كل «السلال». وفي أي حال، ما زالت أجواء التوتر تسيطر على قصر الأمم في جنيف وما يغذيها استمرار اشتعال المعارك في أكثر من منطقة سورية والاتهامات المتبادلة بين وفد النظام والهيئة العليا، خصوصا تلك التي وجهها الجعفري والتي وصف أعضاءها بـ«الإرهابيين». ناهيك عن غموض الموقف الأميركي وانعدام اليقين بشأن استعداد موسكو للضغط على الأسد للسير في الحل السياسي. ومن المقرر وفق وكالة تاس الروسية أن يصل نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف إلى جنيف يوم الاثنين لمواكبة محادثات جنيف وكان قد حضر الأيام الأخيرة من جنيف 4.
وأمس، كما سبقت الإشارة، التقى دي ميستورا كجميع الوفود مستهلا اجتماعاته مع وفد النظام قبيل الظهر ثم وفد الهيئة العليا عصرا، واتفق أن يلتقي مساء وفدي منصتي القاهرة وموسكو. وإذ امتنع الجعفري عن الحديث للصحافة أمس، ندد نصر الحريري، رئيس وفد الهيئة العليا، بعد اجتماع هو الثاني من نوعه مع دي ميستورا بـ«إرهاب النظام وحلفائه» بسبب «المجازر» التي ارتكبوها في بلدة حمورية (غوطة دمشق) كما أبرز صورا لأطفال أزهقتهم القنابل. كذلك ندد بقيام طائرات النظام بإلقاء 20 برميلا متفجرا على قرية كوكب في ريف محافظة حماة. واعتبر الحريري أن ما حصل في حمورية «ناتج من تخوف النظام من الضغوط الدولية التي تدفعه باتجاه الحل السياسي». وبرأيه أن النظام «يستخدم التصعيد العسكري لعرقلة الحل السياسي» وهي التهمة نفسها التي ساقها أول من أمس الجعفري بحق الفصائل المعارضة. وبحسب الحريري، فإن النظام يعي أن «أي خطة باتجاه الحل السياسي تعني سقوطه وتخليص الشعب السوري من إرهابه»، داعيا «أصحاب النفوذ» على الأسد (في إشارة إلى روسيا) لأن يلعبوا «دورا بناء» في الدفع نحو عملية الانتقال السياسي. لكنه شكا من أن المعارضة «لا تجد شريكا ملتزما بالبحث عن السلام»، كما أن الأطراف المؤثرة على النظام «لا نجد منها إلا التزاما بضرب المدنيين وضرب البنى التحتية».
من جانب آخر، كشف الحريري أن المناقشات مع المبعوث الدولي دارت حول عملية تشكيل هيئة الحكم الانتقالي ذات الصلاحيات الكاملة، وعلى مهامها الخاصة بتمكين الشعب السوري من تقرير مصير بلده والمحافظة على المؤسسات بعد إعادة هيكلتها، واحترام حقوق الإنسان ومشاركة جميع السوريين فيها بشكل عادل وعلى قاعدة تكافؤ الفرص. وكان لافتا أمس أن رئيس وفد الهيئة العليا تلافى الإشارة إلى إمكانية انسحاب الوفد من المحادثات في حال استمر التصعيد العسكري، معتبرا أن ما تقوم به الفصائل المعارضة «دفاع عن النفس ورد بالمثل» على ما يقوم به النظام.
ونفى الحريري وجود لقاء مبرمج مع نائب وزير الخارجية الروسي غاتيلوف، كما نفى علمه بأي شيء يتناول مستقبل دي ميستورا.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».