تجنيس اللاجئين السوريين يشغل تركيا

بين الفوائد الاقتصادية والصراع السياسي

تجنيس اللاجئين السوريين يشغل تركيا
TT

تجنيس اللاجئين السوريين يشغل تركيا

تجنيس اللاجئين السوريين يشغل تركيا

شبّهت دراسة أكاديمية تركية نشرت أخيراً وضع السوريين خارج المخيمات بتجربة تهجير الأكراد من جنوب شرقي تركيا في تسعينات القرن الماضي إلى إسطنبول ومحافظات غرب تركيا، إذ فاق عددهم في مدينة إسطنبول تعدادهم في مدينة ديار بكر (كبرى حواضر أكراد تركيا) ولم يعد مطروحاً عودتهم إلى مدنهم الأصلية رغم القوانين المحفّزة على ذلك. ولكن، راهناً، يبلغ عدد النازحين واللاجئين السوريين في تركيا 3 ملايين لاجئ ونازح، منهم مليون و330 ألفاً تحت سن 18 سنة وقرابة 500 ألف بين 6 و18 سنة، يتلقون التعليم في المدارس التركية والمراكز المؤقتة بهمّة 9500 مدرّس سوري.
منذ طرح قضية تجنيس السوريين في تركيا للمرة الأولى، خلال رمضان من العام الماضي، على لسان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على مأدبة إفطار في مدينة كيليس الحدودية مع سوريا بجنوب تركيا، فإنها تحولت إلى مجال للجدل والشدّ والجذب بين الحكومة والمعارضة.
بل، لقد غدت موضوعاً يشغل الشارع التركي، ويرتفع الحديث عنه تارة ويخبو تارة أخرى. أضف إلى ذلك، ما عاد موضوع اللاجئين السوريين يرتبط فقط بالتنافس السياسي الداخلي، بل صار في أحيان كثيرة «ورقة ضغط» تلوح بها أنقرة في وجه الاتحاد الأوروبي كلما تفجرت أزمة أو حدث توتر أو فتور بين الجانبين.
جدير بالذكر، أن تركيا هي إحدى أكثر الدول استضافة للاجئين السوريين منذ اندلاع الثورة السورية في مارس (آذار) 2011، على امتداد 6 سنوات، ليصل عدد المسجلين منهم حتى الآن إلى 3 ملايين لاجئ. وفي دراسة أعدتها جامعة حجة تبه (Hacettepe) التركية، دعت إلى تغيير الصورة التقليدية عن اللاجئين عند النظر إلى السوريين الذين فرّوا من الحرب في بلادهم إلى جارتها تركيا. وأوصت الدراسة الحكومة والشعب التركيين بالتهيؤ - نفسياً على الأقل - لتقبّل احتمال أن غالبية اللاجئين السوريين في تركيا سيبقون فيها ولن يعودوا إلى بلادهم. ولم تبتعد تصريحات للمسؤولين في الحكومة التركية كثيراً عمّا خلصت إليه الدراسة، فقد قال نائب رئيس الوزراء التركي المتحدث باسم الحكومة نعمان كورتولموش: «على الأغلب علينا أن نعتاد على أن نعيش معاً في تركيا».

عودة مستبعدة
شبّهت الدراسة الأكاديمية وضع اللاجئين السوريين ممّن يقيمون خارج المخيمات في تركيا بتجربة تهجير الأكراد من جنوب شرقي تركيا في تسعينات القرن الماضي إلى مدينة إسطنبول والمحافظات الغربية من تركيا، حيث أصبح عدد الأكراد المقيمين في إسطنبول بعد ذلك أكبر من عددهم في ديار بكر، كبرى المدن ذات الغالبية الكردية في جنوب شرقي البلاد، ولم يعُد مطروحاً عودتهم إلى مدنهم الأصلية حتى مع القوانين المحفّزة على ذلك.
وأوضحت الدراسة أنه مع الأخذ في الاعتبار أن 13 في المائة من اللاجئين السوريين في تركيا يقيمون في المخيمات، فإن البقية اعتادت على الإقامة في المدن وأسّست لنفسها وسطاً تعيش فيه وأيضاً علاقات اقتصادية واجتماعية وتُقبل على تعلم اللغة التركية. وشجّعهم على ذلك حسن الاستقبال الشعبي وعدم ظهور موجة رفض اجتماعية كبيرة لهم، باستثناء بعض الحالات المحدودة المتفرقة التي لا تعبّر عن التوجه العام.
واعتبرت الدراسة أنه بالنظر إلى أن الحل في سوريا لا يبدو قريباً، وأن إعادة الإعمار ستأخذ وقتاً طويلاً - حتى لو حُلّت المشكلة -، فإن العائلات السورية التي رتّبت أوضاعها على أساس العيش في تركيا لست سنوات سيصعُب دفعها للعودة إلى سوريا بعد هذه الفترة.

فوائد اقتصادية
اللافت في الأمر أن الدراسة أظهرت أن معدّلات البطالة انخفضت في المدن التي استقبلت أكبر موجات لاجئين في جنوب تركيا، مثل مدن كيليس وغازي عنتاب وأديامان، في حين ارتفعت معدلاتها في تركيا عموماً بسبب الوضع الاقتصادي المتأزم، لتصل وفق أحدث الإحصاءات المنشورة الأسبوع الماضي إلى 12.7 في المائة، وهذه نسبة غير مسبوقة منذ عقود.
من ناحية أخرى، أفادت بعض الدراسات بأن الاستثمارات السورية في تركيا تضاعفت منذ انطلاق الاحتجاجات عام 2011 التي تحوّلت إلى حرب ضد نظام بشار الأسد. فبحسب بيانات اتحاد الغرف والبورصات التركية، فإن عدد الشركات التي يملكها سوريون في تركيا منذ عام 2011 ارتفع في نهاية العام الماضي إلى 4 آلاف و450 شركة، برأسمال صافٍ وصل إلى ما يقارب 700 مليون ليرة تركية (180 مليون يورو). ثم إن هناك مستثمراً سورياً بين كل 4 مستثمرين أجانب في تركيا.
وجدير بالذكر، أن الاقتصاد التركي بحاجة ليس للمستثمرين فحسب، بل للمستهلكين أيضاً، علماً بأن البلاد تعاني من انكماش اقتصادي جرّاء تضرّرها المباشر من الأزمة في سوريا، إضافة إلى اضطراب الأوضاع الداخلية منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يوليو (تموز) الماضي.
وبشكل عام، فإن الغالبية العظمى من حالات اللجوء تنتهي بالتوطين، إما من خلال التجنيس أو منح إقامات دائمة للاجئين، وحالات العودة بعد اللجوء منحصرة تقريباً في الصراعات القصيرة، أو في بعض الأحيان متوسطة الأجل. ولكن في حالات النزاع المستمر كأزمة فلسطين - مثلاً - لم يحصل اللاجئون الفلسطينيون كلهم على الجنسية في جميع الدول العربية، باستثناء الأردن.

جدل سياسي
واستعر مسلسل الجدل الدائر في تركيا والمتعلق بمنح الجنسية للاجئين السوريين منذ أعلن إردوغان عن الأمر للمرة الأولى، وأخيراً قال محافظ إسطنبول واصب شاهين إنه جرى إرسال ملفات ألفي عائلة سورية لوزارة الداخلية للنظر فيها، إلا أن نائب رئيس الوزراء ويسي كايناك سارع للتأكيد على أنه لن تمنح الجنسية إلا بعد الاستفتاء على الدستور. ويذكر أن كلام محافظ إسطنبول جاء وسط مشهد سياسي واجتماعي ساخن يسوده التوتر والاحتقان، وذلك قبل أقل من شهرين على الاستفتاء على تعديل الدستور المقرر إجراؤه في 16 أبريل (نيسان) المقبل على تعديلات دستورية تعزز صلاحيات رئيس الجمهورية، وتنقل تركيا من النظام البرلماني المعمول به منذ تأسيس الجمهورية التركية في 1923 إلى النظام الرئاسي.
وللعلم، تعارض غالبية الأحزاب السياسية في تركيا، باستثناء حزب العدالة والتنمية الحاكم، تجنيس اللاجئين السوريين. ووصف دولت بهشلي، رئيس حزب الحركة القومية، هذه الخطوة يوم أعلن عنها إردوغان بأنها «غير مسؤولة»، مضيفاً أنها «تهدد السلم المجتمعي». وللتذكير، هذا الجدل في يوليو من العام الماضي عندما أعلن إردوغان خلال مأدبة إفطار في شهر رمضان بمحافظة كيليس الحدودية مع سوريا نيته منح الجنسية التركية لذوي الكفاءات من اللاجئين السوريين في بلاده. وشدد الرئيس التركي لاحقاً، ومراراً، في خطاباته وتصريحاته على أنه سيصار إلى التركيز أساساً في سياسة التجنيس على «أصحاب الكفاءات والمؤهلات العلمية»، مثل الأطباء والهندسيين والمعلمين، فضلاً عن المستثمرين. وبالفعل، بدأت الحكومة التركية خطوات لتوظيف الأكاديميين السوريين في الجامعات، وكذلك فتح الباب أمام الأطباء السوريين للعمل في المستشفيات. وحالياً يعيش 540 ألف سوري في إسطنبول وحدها.
من ناحية ثانية، تعتبر الأحزاب السياسية التركية المتحفّظة عن التجنيس والرافضة إياه، تجنيس السوريين خطوة من جانب حزب العدالة والتنمية لزيادة نسبة الأصوات المؤيدة لتعديلات إردوغان الدستورية في الاستفتاء. ولكي يخفّف نائب رئيس الوزراء كايناك من التعليقات الحادة على إعلانه البدء في إرسال ملفات العائلات السورية إلى وزارة الداخلية لدراستها، أكد كايناك أن الجنسية التركية لن تُمنح لأي سوري قبل الاستفتاء. والقصد الواضح بهدف منع المعارضين للتعديلات الدستورية من توظيف أي تحرّكات رسمية أو لبس ناجم عنها لحشد التعبئة الشعبية ضد الحكومة، وقال إن ذلك يجنّبها الاتهامات بتجنيسهم لأغراض انتخابية.

استفتاء على التجنيس
وفي السياق ذاته، دفع الحديث عن تجنيس السوريين كمال كيليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر الأحزاب المعارضة في تركيا، إلى المطالبة بالرجوع إلى الشعب في استفتاء شعبي قبل تشريع منح الجنسية التركية للسوريين. غير أن نائب رئيس الوزراء نور الدين جانيكلي قال إن هذه القضية «غير موجودة حالياً في جدول أعمال الحكومة»، وإن تركيا «ستتخذ قرارها بناء على دراسة المصالح والمنافع من مثل هذه الخطوة (التجنيس)، بما يحقق مصلحة البلاد». لكنه، في الوقت ذاته، اعتبر أن دعوة كيليتشدار أوغلو تمثّل «محاولة لتغيير السياق والهروب السياسي من خلال اللعب على وتر القضايا الحساسة لدى المواطنين».
وعودة إلى نائب رئيس الوزراء كايناك، فإنه يقول إن 20 ألف عائلة سورية يبلغ عدد أفرادها 80 ألفاً تناسب شروط منح الجنسية. وإن منح الجنسية لهؤلاء اللاجئين لن يسقط عنهم جنسيتهم الأصلية، خلافاً لما ينص عليه الدستور التركي. ويلفت إلى أن مثل هذا العدد لا يمكن أن يؤثر في نتيجة الاستفتاء على تعديل الدستور على فرض تجنيسهم قبل الاستفتاء.
مع هذا، حذّر إردوغان توبراك، النائب البارز في حزب الشعب الجمهوري المعارض، من «تغييرات ديموغرافية» في كثير من الولايات التركية خلال السنوات المقبلة، بعد أن يتمكن السوريون من الحصول على الجنسية التركية اعتباراً من تاريخ 29 أبريل المقبل.
واتهم توبراك حزب العدالة والتنمية الحاكم بالسعي للحصول على أصوات انتخابية جديدة، من خلال زيادة عدد أصواته بنحو مليون صوت على الأقل في الانتخابات البرلمانية والرئاسية عام 2019، مضيفاً: «يمكن أن نرى رؤساء بلدية أو حتى نواباً سوريين».
كذلك هاجم توبراك اتفاقية اللاجئين وإعادة قبول المهاجرين التي وقعتها تركيا مع الاتحاد الأوروبي، واصفاً الاتفاق بـ«الانتحار» و«الخطأ الكبير». ورأى أن تركيا تحتضن نحو 3 ملايين لاجئ سوري، وبالإضافة للمواليد الجدد واللاجئين العراقيين سيصل العدد إلى أكثر من 3 ملايين و500 ألف لاجئ، ثم بعد اتفاقية إعادة القبول سيصل العدد في تركيا العام المقبل إلى 4 ملايين لاجئ.
الجدير ذكره، هو أنه في إحصاء لعدد اللاجئين السوريين في تركيا، ذكرت المديرية العامة لإدارة الهجرة التركية أن عدد اللاجئين السوريين المسجلين في البلاد بلغ مليونين و957 ألفاً.
وسجلت السلطات المعنية بيانات مليون و580 ألفاً و866 رجلاً، ومليون و376 ألفاً و588 امرأة سورية. وبحسب إدارة الهجرة شهد عدد اللاجئين السوريين القادمين إلى تركيا زيادة في الآونة الأخيرة. وبينما كان عدد الخاضعين لقانون الحماية المؤقتة في تركيا 14 ألف سوري خلال 2012، بلغ هذا العدد مليونين و957 ألفاً و454، حتى فبراير (شباط) الماضي.
وبالتوازي، أعلنت إدارة معبر «باب الهوا» الحدودي مع تركيا وقف التسجيل على طلبات لم الشمل بين اللاجئين السوريين في تركيا وذويهم داخل اﻷراضي السورية. وكانت تركيا قد أعلنت عن إتاحتها الفرصة للاجئين السوريين لديها لاستقدام ذويهم في سوريا بشكل نظامي، مع الاستمرار في إغلاق معبري «باب الهوا» و«باب السلامة» الحدوديين.

ورقة مرفوضة
على صعيد آخر، في خضم الأزمة بين تركيا وعدد من الدول الأوروبية بسبب منع حملات دعم التعديلات الدستورية في الاستفتاء المقبل بتركيا، لوّحت أنقرة بأنها «تفكّر في إلغاء» اتفاق اللاجئين وإعادة قبول المهاجرين الموقع مع الاتحاد الأوروبي في 18 مارس 2016. وكانت تركيا تعهّدت بموجب هذا الاتفاق بتشديد المراقبة على حدودها البحرية وتفكيك شبكات تهريب البشر التي ساعدت المهاجرين في عبور بحر إيجة إلى اليونان، التي تعد نقطة البداية للانطلاق نحو أوروبا.
ومن ثم، انتقد حزبا الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، إقحام اللاجئين في الأزمة التي نشبت أخيراً بين أنقرة ودول في الاتحاد الأوروبي بعد تصريحات وزير شؤون الاتحاد الأوروبي كبير المفاوضين الأتراك عمر جليك الذي دعا إلى مراجعة اتفاقية الهجرة مع الاتحاد الأوروبي. وانتقد أوزكان ياليم نائب رئيس اللجنة البرلمانية لتطوير العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ونائب حزب الشعب الجمهوري، وفيليز كيريستيجي أوغلو نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب تصريحات جيليك، مشيرين إلى أن مشكلة الهجرة واللاجئين «لا يجوز أن تكون جزءاً من المساومات السياسية بين الدول التي تدخل في أزمات دبلوماسية».

تحدّي التعليم
في هذه الأثناء، وسط الجدل حول قضية تجنيس السوريين، التي لا تعد قضية تمس عموم اللاجئين في تركيا، بل سيستفيد منها فقط ذوو الكفاءات والتخصصات النادرة أو رجال الأعمال الذين تسعى تركيا إلى الاستفادة منهم، هناك قضايا أخرى تعمل عليها الحكومة التركية من أجل تحسين أوضاع اللاجئين في مقدمتها التعليم الذي يشكل تحدياً كبيراً.
وفي مطلع العام الماضي، أعدت السلطات التركية خريطة طريق لإلحاق 620 ألف طفل سوري بالخدمات التعليمية في المدارس التركية، عبر تخصيص رواتب للمعلمين السوريين وإنشاء 100 مدرسة جديدة. وأعدت وزارة التعليم التركية حزمة إصلاحات التي أعدتها الوزارة لتعليم اللاجئين. وقال مستشار وزارة التعليم التركية يوسف بيوك إن الهدف يكمن في الوصول إلى 450 ألف طفل سوري، مشيراً إلى أن 75 ألف طفل سوري فقط يدرسون في المدارس التركية، في ظل تخلّف 310 آلاف طفل عن الالتحاق بالمدارس، وأن الآخرين يتلقون التعليم في المدارس التي افتتحها متطوّعون سوريون.
ولفت بيوك إلى أن الحكومة التركية ستخصص مساعدات الاتحاد الأوروبي في بناء مدارس بعد أن قررت إغلاق المدارس السورية ودمج السوريين في المدارس التركية، وذلك كلما توافرت أراضٍ بالمدن التي يكثر فيها اللاجئون السوريون.
وحقاً، أسست الحكومة التركية بالفعل 100 مدرسة بحلول نهاية العام الماضي، كما حوّلت 108 مدارس تابعة لوزارة التعليم الوطني في 19 بلدة يقيم فيها السوريون بكثرة إلى مراكز تعليمية مؤقتة. كذلك أتاحت وزارة التعليم التركية الفرصة لقرابة 9500 معلم ومعلمة سوريين للحصول على إذن رسمي للتدريس في المدارس التي أنشئت خلال عام 2016. وأشار بيوك إلى أن المدرّسين، بعد حصولهم على إذن العمل، يسجّلون للتأمين الاجتماعي ويباشرون العمل في المراكز التعليمية المؤقتة، كما يحصل معلمو اللغة العربية من السوريين على رواتب نظير تدريسهم اللغة العربية في مدارس الأئمة والخطباء التركية.
وبلغ عدد المراكز، التي تقدم فيها الدروس باللغة العربية فيما يتوافق مع المناهج السورية، 300 مركز، يعمل بها 9 آلاف و500 سوري بشكل تطوعي، بينما تقدم 900 ليرة حوافز من «اليونيسيف» عبر البريد لهؤلاء المعلمين، لكن ليس هناك راتب ثابت، حيث يبلغ عدد الطلاب في هذه المراكز نحو 80 ألف طفل يدرسون اللغة التركية لمدة 5 ساعات على الأقل بشكل إجباري.

التعليم الجامعي
في السياق نفسه، أعلن رئيس مجلس التعليم العالي التركي يكتا ساراج أن عدد الطلاب السوريين في الجامعات التركية للعام الحالي وصل إلى 15 ألف طالب. وذكر ساراج خلال مشاركته الأسبوع الماضي في مؤتمر دولي نظمه المجلس وحمل عنوان «الطلاب السوريون في نظام التعليم التركي» في جامعة مصطفى كمال بولاية هطاي (لواء الإسكندرونة) بجنوب تركيا، أن أكثر من 3 آلاف طالب سوري حصلوا على منح دراسية خلال العام الدراسي الحالي.
وأضاف أن عدد الطلاب المسجلين في مرحلة الماجستير يبلغ ألفاً و149 طالباً، وفي مرحلة الدكتوراه 352 طالباً، في حين أن نحو ألفي طالب مسجل في الجامعات التركية الخاصة.
وأشار رئيس مجلس التعليم العالي التركي إلى أن أكثر الجامعات استقبالاً للطلاب السوريين هي جامعة إسطنبول، بواقع 927 ألفاً، وجامعة غازي عنتاب، بألف و680 طالباً، تليهما بالترتيب جامعات كارابوك (في كارابوك) ومرسين (في مرسين) وقهرمان مرعش سوتجو إمام (في مرعش)، وإينونو (في ملطية) وجوكوروفا (في إضنة).
وأوضح ساراج أن عدد الأكاديميين السوريين الذين يعملون بالتدريس في الجامعات التركية بلغ 392 أكاديمياً، بينهم 327 في جامعات حكومية، و65 في الجامعات الخاصة. وأضاف أن عدد اللاجئين السوريين دون الـ18 سنة في تركيا، بلغ مليوناً و330 ألف شخص، وأن قرابة 500 ألف ممن تتراوح أعمارهم بين 6 و18 سنة يتلقون تعليمهم في البلاد، منهم 186 ألفاً يدرسون في المدارس التركية، والبقية في مراكز الإيواء.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.