تجنيس اللاجئين السوريين يشغل تركيا

بين الفوائد الاقتصادية والصراع السياسي

تجنيس اللاجئين السوريين يشغل تركيا
TT

تجنيس اللاجئين السوريين يشغل تركيا

تجنيس اللاجئين السوريين يشغل تركيا

شبّهت دراسة أكاديمية تركية نشرت أخيراً وضع السوريين خارج المخيمات بتجربة تهجير الأكراد من جنوب شرقي تركيا في تسعينات القرن الماضي إلى إسطنبول ومحافظات غرب تركيا، إذ فاق عددهم في مدينة إسطنبول تعدادهم في مدينة ديار بكر (كبرى حواضر أكراد تركيا) ولم يعد مطروحاً عودتهم إلى مدنهم الأصلية رغم القوانين المحفّزة على ذلك. ولكن، راهناً، يبلغ عدد النازحين واللاجئين السوريين في تركيا 3 ملايين لاجئ ونازح، منهم مليون و330 ألفاً تحت سن 18 سنة وقرابة 500 ألف بين 6 و18 سنة، يتلقون التعليم في المدارس التركية والمراكز المؤقتة بهمّة 9500 مدرّس سوري.
منذ طرح قضية تجنيس السوريين في تركيا للمرة الأولى، خلال رمضان من العام الماضي، على لسان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على مأدبة إفطار في مدينة كيليس الحدودية مع سوريا بجنوب تركيا، فإنها تحولت إلى مجال للجدل والشدّ والجذب بين الحكومة والمعارضة.
بل، لقد غدت موضوعاً يشغل الشارع التركي، ويرتفع الحديث عنه تارة ويخبو تارة أخرى. أضف إلى ذلك، ما عاد موضوع اللاجئين السوريين يرتبط فقط بالتنافس السياسي الداخلي، بل صار في أحيان كثيرة «ورقة ضغط» تلوح بها أنقرة في وجه الاتحاد الأوروبي كلما تفجرت أزمة أو حدث توتر أو فتور بين الجانبين.
جدير بالذكر، أن تركيا هي إحدى أكثر الدول استضافة للاجئين السوريين منذ اندلاع الثورة السورية في مارس (آذار) 2011، على امتداد 6 سنوات، ليصل عدد المسجلين منهم حتى الآن إلى 3 ملايين لاجئ. وفي دراسة أعدتها جامعة حجة تبه (Hacettepe) التركية، دعت إلى تغيير الصورة التقليدية عن اللاجئين عند النظر إلى السوريين الذين فرّوا من الحرب في بلادهم إلى جارتها تركيا. وأوصت الدراسة الحكومة والشعب التركيين بالتهيؤ - نفسياً على الأقل - لتقبّل احتمال أن غالبية اللاجئين السوريين في تركيا سيبقون فيها ولن يعودوا إلى بلادهم. ولم تبتعد تصريحات للمسؤولين في الحكومة التركية كثيراً عمّا خلصت إليه الدراسة، فقد قال نائب رئيس الوزراء التركي المتحدث باسم الحكومة نعمان كورتولموش: «على الأغلب علينا أن نعتاد على أن نعيش معاً في تركيا».

عودة مستبعدة
شبّهت الدراسة الأكاديمية وضع اللاجئين السوريين ممّن يقيمون خارج المخيمات في تركيا بتجربة تهجير الأكراد من جنوب شرقي تركيا في تسعينات القرن الماضي إلى مدينة إسطنبول والمحافظات الغربية من تركيا، حيث أصبح عدد الأكراد المقيمين في إسطنبول بعد ذلك أكبر من عددهم في ديار بكر، كبرى المدن ذات الغالبية الكردية في جنوب شرقي البلاد، ولم يعُد مطروحاً عودتهم إلى مدنهم الأصلية حتى مع القوانين المحفّزة على ذلك.
وأوضحت الدراسة أنه مع الأخذ في الاعتبار أن 13 في المائة من اللاجئين السوريين في تركيا يقيمون في المخيمات، فإن البقية اعتادت على الإقامة في المدن وأسّست لنفسها وسطاً تعيش فيه وأيضاً علاقات اقتصادية واجتماعية وتُقبل على تعلم اللغة التركية. وشجّعهم على ذلك حسن الاستقبال الشعبي وعدم ظهور موجة رفض اجتماعية كبيرة لهم، باستثناء بعض الحالات المحدودة المتفرقة التي لا تعبّر عن التوجه العام.
واعتبرت الدراسة أنه بالنظر إلى أن الحل في سوريا لا يبدو قريباً، وأن إعادة الإعمار ستأخذ وقتاً طويلاً - حتى لو حُلّت المشكلة -، فإن العائلات السورية التي رتّبت أوضاعها على أساس العيش في تركيا لست سنوات سيصعُب دفعها للعودة إلى سوريا بعد هذه الفترة.

فوائد اقتصادية
اللافت في الأمر أن الدراسة أظهرت أن معدّلات البطالة انخفضت في المدن التي استقبلت أكبر موجات لاجئين في جنوب تركيا، مثل مدن كيليس وغازي عنتاب وأديامان، في حين ارتفعت معدلاتها في تركيا عموماً بسبب الوضع الاقتصادي المتأزم، لتصل وفق أحدث الإحصاءات المنشورة الأسبوع الماضي إلى 12.7 في المائة، وهذه نسبة غير مسبوقة منذ عقود.
من ناحية أخرى، أفادت بعض الدراسات بأن الاستثمارات السورية في تركيا تضاعفت منذ انطلاق الاحتجاجات عام 2011 التي تحوّلت إلى حرب ضد نظام بشار الأسد. فبحسب بيانات اتحاد الغرف والبورصات التركية، فإن عدد الشركات التي يملكها سوريون في تركيا منذ عام 2011 ارتفع في نهاية العام الماضي إلى 4 آلاف و450 شركة، برأسمال صافٍ وصل إلى ما يقارب 700 مليون ليرة تركية (180 مليون يورو). ثم إن هناك مستثمراً سورياً بين كل 4 مستثمرين أجانب في تركيا.
وجدير بالذكر، أن الاقتصاد التركي بحاجة ليس للمستثمرين فحسب، بل للمستهلكين أيضاً، علماً بأن البلاد تعاني من انكماش اقتصادي جرّاء تضرّرها المباشر من الأزمة في سوريا، إضافة إلى اضطراب الأوضاع الداخلية منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يوليو (تموز) الماضي.
وبشكل عام، فإن الغالبية العظمى من حالات اللجوء تنتهي بالتوطين، إما من خلال التجنيس أو منح إقامات دائمة للاجئين، وحالات العودة بعد اللجوء منحصرة تقريباً في الصراعات القصيرة، أو في بعض الأحيان متوسطة الأجل. ولكن في حالات النزاع المستمر كأزمة فلسطين - مثلاً - لم يحصل اللاجئون الفلسطينيون كلهم على الجنسية في جميع الدول العربية، باستثناء الأردن.

جدل سياسي
واستعر مسلسل الجدل الدائر في تركيا والمتعلق بمنح الجنسية للاجئين السوريين منذ أعلن إردوغان عن الأمر للمرة الأولى، وأخيراً قال محافظ إسطنبول واصب شاهين إنه جرى إرسال ملفات ألفي عائلة سورية لوزارة الداخلية للنظر فيها، إلا أن نائب رئيس الوزراء ويسي كايناك سارع للتأكيد على أنه لن تمنح الجنسية إلا بعد الاستفتاء على الدستور. ويذكر أن كلام محافظ إسطنبول جاء وسط مشهد سياسي واجتماعي ساخن يسوده التوتر والاحتقان، وذلك قبل أقل من شهرين على الاستفتاء على تعديل الدستور المقرر إجراؤه في 16 أبريل (نيسان) المقبل على تعديلات دستورية تعزز صلاحيات رئيس الجمهورية، وتنقل تركيا من النظام البرلماني المعمول به منذ تأسيس الجمهورية التركية في 1923 إلى النظام الرئاسي.
وللعلم، تعارض غالبية الأحزاب السياسية في تركيا، باستثناء حزب العدالة والتنمية الحاكم، تجنيس اللاجئين السوريين. ووصف دولت بهشلي، رئيس حزب الحركة القومية، هذه الخطوة يوم أعلن عنها إردوغان بأنها «غير مسؤولة»، مضيفاً أنها «تهدد السلم المجتمعي». وللتذكير، هذا الجدل في يوليو من العام الماضي عندما أعلن إردوغان خلال مأدبة إفطار في شهر رمضان بمحافظة كيليس الحدودية مع سوريا نيته منح الجنسية التركية لذوي الكفاءات من اللاجئين السوريين في بلاده. وشدد الرئيس التركي لاحقاً، ومراراً، في خطاباته وتصريحاته على أنه سيصار إلى التركيز أساساً في سياسة التجنيس على «أصحاب الكفاءات والمؤهلات العلمية»، مثل الأطباء والهندسيين والمعلمين، فضلاً عن المستثمرين. وبالفعل، بدأت الحكومة التركية خطوات لتوظيف الأكاديميين السوريين في الجامعات، وكذلك فتح الباب أمام الأطباء السوريين للعمل في المستشفيات. وحالياً يعيش 540 ألف سوري في إسطنبول وحدها.
من ناحية ثانية، تعتبر الأحزاب السياسية التركية المتحفّظة عن التجنيس والرافضة إياه، تجنيس السوريين خطوة من جانب حزب العدالة والتنمية لزيادة نسبة الأصوات المؤيدة لتعديلات إردوغان الدستورية في الاستفتاء. ولكي يخفّف نائب رئيس الوزراء كايناك من التعليقات الحادة على إعلانه البدء في إرسال ملفات العائلات السورية إلى وزارة الداخلية لدراستها، أكد كايناك أن الجنسية التركية لن تُمنح لأي سوري قبل الاستفتاء. والقصد الواضح بهدف منع المعارضين للتعديلات الدستورية من توظيف أي تحرّكات رسمية أو لبس ناجم عنها لحشد التعبئة الشعبية ضد الحكومة، وقال إن ذلك يجنّبها الاتهامات بتجنيسهم لأغراض انتخابية.

استفتاء على التجنيس
وفي السياق ذاته، دفع الحديث عن تجنيس السوريين كمال كيليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر الأحزاب المعارضة في تركيا، إلى المطالبة بالرجوع إلى الشعب في استفتاء شعبي قبل تشريع منح الجنسية التركية للسوريين. غير أن نائب رئيس الوزراء نور الدين جانيكلي قال إن هذه القضية «غير موجودة حالياً في جدول أعمال الحكومة»، وإن تركيا «ستتخذ قرارها بناء على دراسة المصالح والمنافع من مثل هذه الخطوة (التجنيس)، بما يحقق مصلحة البلاد». لكنه، في الوقت ذاته، اعتبر أن دعوة كيليتشدار أوغلو تمثّل «محاولة لتغيير السياق والهروب السياسي من خلال اللعب على وتر القضايا الحساسة لدى المواطنين».
وعودة إلى نائب رئيس الوزراء كايناك، فإنه يقول إن 20 ألف عائلة سورية يبلغ عدد أفرادها 80 ألفاً تناسب شروط منح الجنسية. وإن منح الجنسية لهؤلاء اللاجئين لن يسقط عنهم جنسيتهم الأصلية، خلافاً لما ينص عليه الدستور التركي. ويلفت إلى أن مثل هذا العدد لا يمكن أن يؤثر في نتيجة الاستفتاء على تعديل الدستور على فرض تجنيسهم قبل الاستفتاء.
مع هذا، حذّر إردوغان توبراك، النائب البارز في حزب الشعب الجمهوري المعارض، من «تغييرات ديموغرافية» في كثير من الولايات التركية خلال السنوات المقبلة، بعد أن يتمكن السوريون من الحصول على الجنسية التركية اعتباراً من تاريخ 29 أبريل المقبل.
واتهم توبراك حزب العدالة والتنمية الحاكم بالسعي للحصول على أصوات انتخابية جديدة، من خلال زيادة عدد أصواته بنحو مليون صوت على الأقل في الانتخابات البرلمانية والرئاسية عام 2019، مضيفاً: «يمكن أن نرى رؤساء بلدية أو حتى نواباً سوريين».
كذلك هاجم توبراك اتفاقية اللاجئين وإعادة قبول المهاجرين التي وقعتها تركيا مع الاتحاد الأوروبي، واصفاً الاتفاق بـ«الانتحار» و«الخطأ الكبير». ورأى أن تركيا تحتضن نحو 3 ملايين لاجئ سوري، وبالإضافة للمواليد الجدد واللاجئين العراقيين سيصل العدد إلى أكثر من 3 ملايين و500 ألف لاجئ، ثم بعد اتفاقية إعادة القبول سيصل العدد في تركيا العام المقبل إلى 4 ملايين لاجئ.
الجدير ذكره، هو أنه في إحصاء لعدد اللاجئين السوريين في تركيا، ذكرت المديرية العامة لإدارة الهجرة التركية أن عدد اللاجئين السوريين المسجلين في البلاد بلغ مليونين و957 ألفاً.
وسجلت السلطات المعنية بيانات مليون و580 ألفاً و866 رجلاً، ومليون و376 ألفاً و588 امرأة سورية. وبحسب إدارة الهجرة شهد عدد اللاجئين السوريين القادمين إلى تركيا زيادة في الآونة الأخيرة. وبينما كان عدد الخاضعين لقانون الحماية المؤقتة في تركيا 14 ألف سوري خلال 2012، بلغ هذا العدد مليونين و957 ألفاً و454، حتى فبراير (شباط) الماضي.
وبالتوازي، أعلنت إدارة معبر «باب الهوا» الحدودي مع تركيا وقف التسجيل على طلبات لم الشمل بين اللاجئين السوريين في تركيا وذويهم داخل اﻷراضي السورية. وكانت تركيا قد أعلنت عن إتاحتها الفرصة للاجئين السوريين لديها لاستقدام ذويهم في سوريا بشكل نظامي، مع الاستمرار في إغلاق معبري «باب الهوا» و«باب السلامة» الحدوديين.

ورقة مرفوضة
على صعيد آخر، في خضم الأزمة بين تركيا وعدد من الدول الأوروبية بسبب منع حملات دعم التعديلات الدستورية في الاستفتاء المقبل بتركيا، لوّحت أنقرة بأنها «تفكّر في إلغاء» اتفاق اللاجئين وإعادة قبول المهاجرين الموقع مع الاتحاد الأوروبي في 18 مارس 2016. وكانت تركيا تعهّدت بموجب هذا الاتفاق بتشديد المراقبة على حدودها البحرية وتفكيك شبكات تهريب البشر التي ساعدت المهاجرين في عبور بحر إيجة إلى اليونان، التي تعد نقطة البداية للانطلاق نحو أوروبا.
ومن ثم، انتقد حزبا الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، إقحام اللاجئين في الأزمة التي نشبت أخيراً بين أنقرة ودول في الاتحاد الأوروبي بعد تصريحات وزير شؤون الاتحاد الأوروبي كبير المفاوضين الأتراك عمر جليك الذي دعا إلى مراجعة اتفاقية الهجرة مع الاتحاد الأوروبي. وانتقد أوزكان ياليم نائب رئيس اللجنة البرلمانية لتطوير العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ونائب حزب الشعب الجمهوري، وفيليز كيريستيجي أوغلو نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب تصريحات جيليك، مشيرين إلى أن مشكلة الهجرة واللاجئين «لا يجوز أن تكون جزءاً من المساومات السياسية بين الدول التي تدخل في أزمات دبلوماسية».

تحدّي التعليم
في هذه الأثناء، وسط الجدل حول قضية تجنيس السوريين، التي لا تعد قضية تمس عموم اللاجئين في تركيا، بل سيستفيد منها فقط ذوو الكفاءات والتخصصات النادرة أو رجال الأعمال الذين تسعى تركيا إلى الاستفادة منهم، هناك قضايا أخرى تعمل عليها الحكومة التركية من أجل تحسين أوضاع اللاجئين في مقدمتها التعليم الذي يشكل تحدياً كبيراً.
وفي مطلع العام الماضي، أعدت السلطات التركية خريطة طريق لإلحاق 620 ألف طفل سوري بالخدمات التعليمية في المدارس التركية، عبر تخصيص رواتب للمعلمين السوريين وإنشاء 100 مدرسة جديدة. وأعدت وزارة التعليم التركية حزمة إصلاحات التي أعدتها الوزارة لتعليم اللاجئين. وقال مستشار وزارة التعليم التركية يوسف بيوك إن الهدف يكمن في الوصول إلى 450 ألف طفل سوري، مشيراً إلى أن 75 ألف طفل سوري فقط يدرسون في المدارس التركية، في ظل تخلّف 310 آلاف طفل عن الالتحاق بالمدارس، وأن الآخرين يتلقون التعليم في المدارس التي افتتحها متطوّعون سوريون.
ولفت بيوك إلى أن الحكومة التركية ستخصص مساعدات الاتحاد الأوروبي في بناء مدارس بعد أن قررت إغلاق المدارس السورية ودمج السوريين في المدارس التركية، وذلك كلما توافرت أراضٍ بالمدن التي يكثر فيها اللاجئون السوريون.
وحقاً، أسست الحكومة التركية بالفعل 100 مدرسة بحلول نهاية العام الماضي، كما حوّلت 108 مدارس تابعة لوزارة التعليم الوطني في 19 بلدة يقيم فيها السوريون بكثرة إلى مراكز تعليمية مؤقتة. كذلك أتاحت وزارة التعليم التركية الفرصة لقرابة 9500 معلم ومعلمة سوريين للحصول على إذن رسمي للتدريس في المدارس التي أنشئت خلال عام 2016. وأشار بيوك إلى أن المدرّسين، بعد حصولهم على إذن العمل، يسجّلون للتأمين الاجتماعي ويباشرون العمل في المراكز التعليمية المؤقتة، كما يحصل معلمو اللغة العربية من السوريين على رواتب نظير تدريسهم اللغة العربية في مدارس الأئمة والخطباء التركية.
وبلغ عدد المراكز، التي تقدم فيها الدروس باللغة العربية فيما يتوافق مع المناهج السورية، 300 مركز، يعمل بها 9 آلاف و500 سوري بشكل تطوعي، بينما تقدم 900 ليرة حوافز من «اليونيسيف» عبر البريد لهؤلاء المعلمين، لكن ليس هناك راتب ثابت، حيث يبلغ عدد الطلاب في هذه المراكز نحو 80 ألف طفل يدرسون اللغة التركية لمدة 5 ساعات على الأقل بشكل إجباري.

التعليم الجامعي
في السياق نفسه، أعلن رئيس مجلس التعليم العالي التركي يكتا ساراج أن عدد الطلاب السوريين في الجامعات التركية للعام الحالي وصل إلى 15 ألف طالب. وذكر ساراج خلال مشاركته الأسبوع الماضي في مؤتمر دولي نظمه المجلس وحمل عنوان «الطلاب السوريون في نظام التعليم التركي» في جامعة مصطفى كمال بولاية هطاي (لواء الإسكندرونة) بجنوب تركيا، أن أكثر من 3 آلاف طالب سوري حصلوا على منح دراسية خلال العام الدراسي الحالي.
وأضاف أن عدد الطلاب المسجلين في مرحلة الماجستير يبلغ ألفاً و149 طالباً، وفي مرحلة الدكتوراه 352 طالباً، في حين أن نحو ألفي طالب مسجل في الجامعات التركية الخاصة.
وأشار رئيس مجلس التعليم العالي التركي إلى أن أكثر الجامعات استقبالاً للطلاب السوريين هي جامعة إسطنبول، بواقع 927 ألفاً، وجامعة غازي عنتاب، بألف و680 طالباً، تليهما بالترتيب جامعات كارابوك (في كارابوك) ومرسين (في مرسين) وقهرمان مرعش سوتجو إمام (في مرعش)، وإينونو (في ملطية) وجوكوروفا (في إضنة).
وأوضح ساراج أن عدد الأكاديميين السوريين الذين يعملون بالتدريس في الجامعات التركية بلغ 392 أكاديمياً، بينهم 327 في جامعات حكومية، و65 في الجامعات الخاصة. وأضاف أن عدد اللاجئين السوريين دون الـ18 سنة في تركيا، بلغ مليوناً و330 ألف شخص، وأن قرابة 500 ألف ممن تتراوح أعمارهم بين 6 و18 سنة يتلقون تعليمهم في البلاد، منهم 186 ألفاً يدرسون في المدارس التركية، والبقية في مراكز الإيواء.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.