انطلاق «جنيف 5» وسط أجواء مشحونة واختلاف على الأولويات

المعارضة تنتظر «مؤشراً حقيقياً» على التزام الحل السياسي... ورئيس وفد النظام يوزع الاتهامات يميناً ويساراً... ودي ميستورا الأحد في عمّان

لقطة من جنيف أمس حيث التقى وفد «الهيئة العليا للمفاوضات» بدي ميستورا (أ.ف.ب)
لقطة من جنيف أمس حيث التقى وفد «الهيئة العليا للمفاوضات» بدي ميستورا (أ.ف.ب)
TT

انطلاق «جنيف 5» وسط أجواء مشحونة واختلاف على الأولويات

لقطة من جنيف أمس حيث التقى وفد «الهيئة العليا للمفاوضات» بدي ميستورا (أ.ف.ب)
لقطة من جنيف أمس حيث التقى وفد «الهيئة العليا للمفاوضات» بدي ميستورا (أ.ف.ب)

خفض المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا سقف التوقعات المرتقبة لجولة المحادثات الجديدة في جنيف حول سوريا، مستبعدا حصول «معجزات»، ما يذكر بما قاله قبل انطلاق الجولة الرابعة منها. لكنه بالمقابل أكد، في المؤتمر الصحافي الذي ختم اجتماعات أمس المطولة في قصر الأمم، أن محادثاته مع وفد الحكومة ووفود المعارضة «تركزت على المسائل الجوهرية» ولم تعد لتناول موضوع أجندة المحادثات المتفق عليها.
كذلك شرح المبعوث الدولي مطولا «منهج» عمله والطريقة التي يتبعها للتوفيق بين مواقف ومتطلبات الوفود المختلفة بشأن مناقشة «السلال» الأربع، فأكد أنه يترك لكل طرف أن يحدد السلة التي يريد مناقشتها مع الالتزام بمناقشة الملفاتكافة مع الإبقاء على نظام المحادثات غير المباشرة. وأشار دي ميستورا إلى أنه سيلبي دعوة جامعة الدول العربية وسيتوجه إلى العاصمة الأردنية عمّان للالتقاء بوزراء الخارجية العرب الذين لديهم تأثير على الملف السوري، وذلك ليوم واحد على أن يتولى مساعده السفير رمزي عز الدين رمزي قيادة المحادثات في غيابه.
كانت الجولة الخامسة من محادثات جنيف قد انطلقت في أجواء متوترة بسبب الاتهامات المتبادلة وعودة كل طرف إلى التمسك بأولوياته. والتقى المبعوث الدولي دي ميستورا كل الوفود السورية في يوم ماراثوني طويل من المحادثات التي بينت عمق الهوة الفاصلة بين الجانبين. ورغم توصل دي ميستورا، في نهاية الجولة الرابعة إلى بلورة أجندة محادثات تنهض على أربع ملفات - أو «سلال» حسب تعبيره -، فإن اليوم الأول بيّن الفوارق في التفسير وفي الأولويات، ما يهدد ببقاء المحادثات تراوح مكانها، خصوصا أن التصعيد الميداني يهدد أكثر فأكثر اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي أصبح نظريا إلى حد بعيد.
كذلك، فإن مبدأ تناول «السلال» الأربع بـ«التوازي»، وهو «الإنجاز» الذي حققه دي ميستورا، أصبح اليوم مهددا لأن وفد الهيئة العليا للمفاوضات عاد للمطالبة بالتركيز أولا على عملية الانتقال السياسي، في حين يعتبر وفد النظام أن مناقشة ملف الإرهاب له الأولوية. ولقد سعى مساعد المبعوث الدولي السفير رمزي إلى الالتفاف على «المشكلة» باقتراح تناول الملفين الأول والرابع بداية، ثم الثاني والثالث بعد ذلك، ما يمكن أن يرضي النظام والمعارضة معا. وفضلا عن ذلك، فإن التطورات الحاصلة في الحرب على تنظيم داعش الإرهابي المتطرف، التي تؤشر على قرب انطلاق معركة تحرير الرقة، تزيد من خلط الأوراق، لا سيما، أن تركيا تشعر أنها «مستبعدة» منها لصالح ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» ذات الغلبية الكردية، التي تلقى دعما واضحا من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا على السواء.
هذا، وعلم من مكتب دي ميستورا في جنيف، أمس، أن الأخير ينوي التوجه غداً الأحد إلى عمّان للمشاركة في اجتماع وزراء الخارجية العرب التمهيدي للقمة؛ وذلك بغرض «استكمال» المشاورات بشأن الملف السوري، والاطلاع على المواقف العربية. وسبق للمبعوث الدولي أن زار كلاً من الرياض وموسكو وأنقرة، وسعى لزيارة دمشق، لكن النظام السوري رفض استقباله. وقبل ذلك ذهب إلى نيويورك التي انتقل منها إلى واشنطن للقاء المسوؤلين في الإدارة الأميركية الجديدة.
وكما كان متوقعا منذ أن نجحت الضغوط السورية والروسية في الجولة الرابعة من جنيف بفرض ملف الإرهاب، إلى جانب الملفات الثلاثة الأخرى المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 (الحوكمة والدستور والانتخابات)، لجأ وفد النظام السوري برئاسة السفير بشار الجعفري إلى التركيز على الإرهاب، والمطالبة بأن يكون على رأس جدول المحادثات، وذلك في أول لقاء رسمي له مع المبعوث الدولي في مقر الأمم المتحدة في جنيف. واعتبر الجعفري، عقب لقائه دي ميستورا أن «التطورات الحاصلة على الأرض - في إشارات إلى العمليات العسكرية بشرق دمشق وفي محافظة حماة - تستدعي أن نبدأ غدا بسلة مكافحة الإرهاب». وأردف أن الأخير «أبدى تفهما ووافقنا الرأي». لكن الجعفري استدرك الأمر بالقول إن هذا «لا يعني أننا نهمل بقية السلال» لأنها، وفق ما قال: «تتساوى من حيث القيمة».
بيد أن اللهجة الهجومية لرئيس وفد النظام لم تقتصر فقط على أولوية الملفات، بل تعدتها لشن هجوم عنيف على وفد الهيئة العليا للمعارضة الذي دأب على تسميته بـ«منصة الرياض» واعتبار أطرافه «إرهابيين» لأنهم «يتعاملون» مع تنظيم «النصرة» الذي يصنفه مجلس الأمن الدولي إرهابيا. وفي نظره، فإن منصات كهذه «ليست منصات معارضة وطنية بل منصات تخريبية ترعى الإرهاب». وهذا ما يعيد «جنيف 5» إلى ما كان يقوله الجعفري في الجولات السابقة ويطرح علامات استفهام على مدى استعداده للتفاوض مع منصات يصفها بأنها «إرهابية» حسب زعمه. لكن رغم ذلك، أكد رئيس وفد النظام السوري أن وفده لن ينسحب ولا يهدد بالانسحاب؛ لأن «كل الهجمات الإرهابية يجمعها هدف واحد وهو تقويض المحادثات»، إن في آستانة أو في جنيف.
وأبعد من ذلك، وسع الجعفري ما سماه «دائرة الإرهاب» ليضم إليها سبع دول غربية وعربية وإقليمية، هي فرنسا وبريطانيا وتركيا والأردن وقطر والمملكة السعودية وإسرائيل. وخص بريطانيا وفرنسا اللتين اعتبرهما دولتين «ترعيان الإرهاب وتستخدمانه سلاحا سياسيا». بالمقابل، حرص على عدم التطرق للدور الأميركي إلا من زاوية الحط مما تقوم به القوات الأميركية في الحرب على «داعش». وفي هذا السياق، وبينما تشهد جبهة الحرب على «داعش» في الطبقة والرقة تطورات ميدانية بالغة الأهمية تؤشر لانطلاق معركة طرد «داعش»، رأى رئيس وفد نظام بشار الأسد أن الوسيلة الوحيدة الجدية لمحاربة الإرهاب هي «التعاون مع الجيش العربي السوري» (أي جيش نظام الأسد) واصفا القوات الأميركية - وغير الأميركية بأنها «غازية» وأن محاربتها الإرهاب «ادعاء غير صحيح». وفي نظره، فإن من يحارب حقيقة «داعش» هو «الجيش السوري بمساعدة الحلفاء الروس والإيرانيين». وكرر القول، إنه في أي حال، حكومة النظام ترى أن أي هجوم تدعمه الولايات المتحدة أو تركيا «لن يكون مشروعا» ما لم يجر بالتنسيق مع الأسد. بالإضافة إلى ذلك، عدد الفصائل المشاركة في العمليات العسكرية شرق دمشق وفي ريف حماة، التي زعم أنها كلها تأتمر بأوامر «جبهة النصرة»، غالبيتها ممثلة في جنيف وسبق أن حضر بعضها اجتماعي «آستانة 1 و2». وبنظره، فإن كل الفصائل المشاركة في حماة «تأتمر بأوامر المخابرات التركية». ومن جانب آخر، ادعى، بشكل غير مباشر، وجود خلاف بين دمشق ودي ميستورا حال دون توجه الأخير إلى دمشق، ولكن من غير أن يكشف عن طبيعة الخلاف، مكتفيا بالقول إنه «عندما يخرج (دي ميستورا) عن ولايته، فإننا نلفت عنايته بشكل لبق إلى ارتكابه خطأ».
هذا الطرح من قبل النظام قابلته مواقف واضحة وقاطعة للمعارضة السورية ممثلة في وفد الهيئة العليا للمفاوضات الذي يديره نصر الحريري. وقال الناطق باسم الوفد سالم المسلط إن المعارضة تطالب بأمرين: الأول، تناول موضوع الانتقال السياسي «الذي لم يجر التطرق إليه جديا في الجولات السابقة» بشكل مباشر، وهو ما وعد به دي ميستورا الذي طالبه بالوفاء بتعهداته. والثاني، الانطلاق فورا في محادثات «مباشرة» تلافيا لإضاعة الوقت. واعتبر الدكتور يحيى العريضي، مستشار الوفد المعارض المفاوض، أن المطالبة بالتركيز أولا على الانتقال السياسي «منطقي لأنه المظلة التي تحتضن الملفات الأخرى» ولأنه «لا نجاعة في محاربة الإرهاب من غير الانتقال السياسي».
وتجدر الإشارة إلى أن عددا من السفراء الغربيين المكلفين بمتابعة الملف السوري نصحوا وفد الهيئة العليا بقبول الملفات الأربع ومبدأ التوازي ومناقشة ملف الإرهاب واستخدامه من أجل التنديد بالأعمال الإرهابية التي يقوم بها الطرف الآخر والميليشيات التي تدعمه. وقال مصدر فرنسي رسمي رفيع المستوى لـ«الشرق الأوسط»، إن الاجتماع الذي حصل في واشنطن وضم وزراء خارجية فرنسا والسعودية والأردن والإمارات وتركيا تناول هذه النقطة واعتبر أنها «توفر ممسكا» للمعارضة للتنديد بإرهاب الطرف الآخر، أكان على شكل استخدام السلاح الكيماوي أو البراميل المتفجرة أو ما تقوم به الميليشيات المدعومة إيرانيا في سوريا.
وفي كلامه إلى الصحافة عقب اجتماعه بالوفد الذي يرافقه إلى المبعوث الدولي وفريقه، وصف الحريري، رئيس وفد الهيئة العليا، اللقاء بأنه كان «مثمرا» وأنه تركز على موضوع الانتقال السياسي. وقال إن الوفد عرض أفكاره حول تشكيل هيئة الحكم الانتقالي والمؤسسات المرتبطة به. وردا على تركيز الجعفري على «سلة» الإرهاب، رد الحريري بأن سوريا «لن تتخلص من الإرهاب ما لم تتحرر من إرهاب الدولة وإرهاب بشار الأسد». وأفاد الحريري بأنه قدم تقريرا للمبعوث دي ميستورا عن الوضع الإنساني بيّن وقوع 586 قتيلا منذ انتهاء جولة «جنيف 4» واستهداف 9 مدارس و5 أسواق واعتقال 647 شخصا، بينهم 43 سيدة وعشرات الأطفال. وإذ جدد الحريري التزام وفد الهيئة العليا بالحل السياسي، ومفتاحه عملية الانتقال السياسية، أفاد بأنه ينتظر «مؤشرا حقيقيا» على أن الطرف الآخر «النظام» «يشاركنا هذا الالتزام».
في هذه الأثناء، قالت مصادر أوروبية مواكبة لما يجري في جنيف اتصلت بها «الشرق الأوسط» من باريس إن ما جرى في اليوم الأول «ليس سوى مقدمات»، وإن الاختبار الحقيقي سيكون عند البحث في العمق في الملفات الأربع، التي حولها اختلافات عميقة في الفهم والرؤية. واعتبرت المصادر المناقشات ستزداد صعوبة يوما بعد يوم. كذلك نقلت عن المبعوث الدولي أنه يسعى لتحقيق «اختراق» وليس «البقاء على الهامش»، معتبرة أن هذه الجولة ستكون مؤثرة على دور دي ميستورا المستقبلي في الملف السوري. وللعلم، اليوم يلتقي المبعوث الدولي مجددا الأطراف السورية، في حين الاختلاف واضح بين ما يريده وفد النظام وما يشدد عليه وفد الهيئة العليا للمعارضة. وينتظر أن يجتمع دي ميستورا مع ممثلي منصتي القاهرة وموسكو الذين حضروا أيضا إلى جنيف كما فعلوا المرة السابقة.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.